تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ ( 1 ) ) .
افْتَتَحَ بِهَا الصَّحَابَةُ كِتَابَ اللَّهِ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا : هَلْ هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، أَوْ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ فِي أَوَّلِهَا ، أَوْ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، أَوْ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا ، أَوْ أَنَّهَا [ إِنَّمَا ] كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ ، لَا أَنَّهَا آيَةٌ ؟ عَلَى أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا ، وَذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَيْضًا ، وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَعَدَّهَا آيَةً ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ هَارُونَ الْبَلْخِيِّ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْهَا . وَرَوَى لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مُتَابِعًا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا . وَرَوَى مِثْلَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا . وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا " بَرَاءَةٌ " : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَلِيٌّ . وَمِنَ التَّابِعِينَ : عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَبِهِ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ . 117 وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : لَيْسَتْ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ، فِي بَعْضِ طُرُقِ مَذْهَبِهِ : هِيَ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ غَيْرِهَا ، وَعَنْهُ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، وَهُمَا غَرِيبَانِ .
وَقَالَ دَاوُدُ : هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَا مِنْهَا ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ ، وَهُمَا مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ . هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا . فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَهْرِ بِهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَمُفَرَّعٌ عَلَى هَذَا ؛ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَلَا يَجْهَرُ بِهَا ، وَكَذَا مَنْ قَالَ : إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِهَا ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ فَاخْتَلَفُوا ؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِلَى أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَوَائِفٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ سَلَفًا وَخَلَفًا ، فَجَهَرَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَنَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَهُمْ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، وَهُوَ غَرِيبٌ . وَمِنَ التَّابِعِينَ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَالِمٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَأَبِي وَائِلٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبَدِ الْعَزِيزِ ، وَالْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ . زَادَ الْبَيْهَقِيُّ : وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ . زَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ .
وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا بَعْضُ الْفَاتِحَةِ ، فَيُجْهَرُ بِهَا كَسَائِرِ أَبْعَاضِهَا ، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى فَجَهَرَ فِي قِرَاءَتِهِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَقَالَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ : إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ 118 رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَانَتْ قِرَاءَتُهُ مَدًّا ، ثُمَّ قَرَأَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، يَمُدُّ " بِسْمِ اللَّهِ " ، وَيَمُدُّ " الرَّحْمَنِ " ، وَيَمُدُّ " الرَّحِيمِ .
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ ، فَتَرَكَ الْبَسْمَلَةَ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا صَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ بَسْمَلَ .
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَالْآثَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ فِي الِاحْتِجَاجِ لِهَذَا الْقَوْلِ عَمَّا عَدَاهَا ، فَأَمَّا الْمُعَارَضَاتُ وَالرِّوَايَاتُ الْغَرِيبَةُ ، وَتَطْرِيقُهَا ، وَتَعْلِيلُهَا وَتَضْعِيفُهَا ، وَتَقْرِيرُهَا ، فَلَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ .
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَطَوَائِفٍ مِنْ سَلَفِ التَّابِعِينَ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ .
وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ بِالْكُلِّيَّةِ ، لَا جَهْرًا وَلَا سِرًّا ، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَلِمُسْلِمٍ : لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا . وَنَحْوَهُ فِي السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
فَهَذِهِ مَآخِذُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ قَرِيبَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ جَهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ وَمَنْ أَسَرَّ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
افْتَتَحَ بِهَا الصَّحَابَةُ كِتَابَ اللَّهِ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا : هَلْ هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، أَوْ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ فِي أَوَّلِهَا ، أَوْ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، أَوْ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا ، أَوْ أَنَّهَا [ إِنَّمَا ] كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ ، لَا أَنَّهَا آيَةٌ ؟ عَلَى أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا ، وَذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَيْضًا ، وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَعَدَّهَا آيَةً ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ هَارُونَ الْبَلْخِيِّ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْهَا . وَرَوَى لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مُتَابِعًا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا . وَرَوَى مِثْلَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا . وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا " بَرَاءَةٌ " : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَلِيٌّ . وَمِنَ التَّابِعِينَ : عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَبِهِ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ . 117 وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : لَيْسَتْ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ، فِي بَعْضِ طُرُقِ مَذْهَبِهِ : هِيَ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ غَيْرِهَا ، وَعَنْهُ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، وَهُمَا غَرِيبَانِ .
وَقَالَ دَاوُدُ : هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَا مِنْهَا ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ ، وَهُمَا مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ . هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا . فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَهْرِ بِهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَمُفَرَّعٌ عَلَى هَذَا ؛ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَلَا يَجْهَرُ بِهَا ، وَكَذَا مَنْ قَالَ : إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِهَا ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ فَاخْتَلَفُوا ؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِلَى أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَوَائِفٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ سَلَفًا وَخَلَفًا ، فَجَهَرَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَنَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَهُمْ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، وَهُوَ غَرِيبٌ . وَمِنَ التَّابِعِينَ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَالِمٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَأَبِي وَائِلٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبَدِ الْعَزِيزِ ، وَالْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ . زَادَ الْبَيْهَقِيُّ : وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ . زَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ .
وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا بَعْضُ الْفَاتِحَةِ ، فَيُجْهَرُ بِهَا كَسَائِرِ أَبْعَاضِهَا ، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى فَجَهَرَ فِي قِرَاءَتِهِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَقَالَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ : إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ 118 رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَانَتْ قِرَاءَتُهُ مَدًّا ، ثُمَّ قَرَأَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، يَمُدُّ " بِسْمِ اللَّهِ " ، وَيَمُدُّ " الرَّحْمَنِ " ، وَيَمُدُّ " الرَّحِيمِ .
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ ، فَتَرَكَ الْبَسْمَلَةَ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا صَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ بَسْمَلَ .
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَالْآثَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ فِي الِاحْتِجَاجِ لِهَذَا الْقَوْلِ عَمَّا عَدَاهَا ، فَأَمَّا الْمُعَارَضَاتُ وَالرِّوَايَاتُ الْغَرِيبَةُ ، وَتَطْرِيقُهَا ، وَتَعْلِيلُهَا وَتَضْعِيفُهَا ، وَتَقْرِيرُهَا ، فَلَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ .
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَطَوَائِفٍ مِنْ سَلَفِ التَّابِعِينَ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ .
وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ بِالْكُلِّيَّةِ ، لَا جَهْرًا وَلَا سِرًّا ، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَلِمُسْلِمٍ : لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا . وَنَحْوَهُ فِي السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
فَهَذِهِ مَآخِذُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ قَرِيبَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ جَهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ وَمَنْ أَسَرَّ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith