تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) )
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصْلِحُوا أَنْفُسَهُمْ وَيَفْعَلُوا الْخَيْرَ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ ، وَمُخْبِرًا لَهُمْ أَنَّهُ مَنْ أَصْلَحَ أَمْرَهُ لَا يَضُرُّهُ فَسَادُ مَنْ فَسَدَ مِنَ النَّاسِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ بَعِيدًا .
قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : يَقُولُ تَعَالَى : إِذَا مَا الْعَبْدُ أَطَاعَنِي فِيمَا أَمَرْتُهُ بِهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ ضَلَّ بَعْدَهُ ، إِذَا عَمِلَ بِمَا أَمَرْتُهُ بِهِ .
وَكَذَا رَوَى الْوَالِبِيُّ عَنْهُ . وَهَكَذَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ . فَقَوْلُهُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ ( لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أَيْ : فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شرًّا فَشَرٌّ .
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مُسْتَدَلٌّ عَلَى تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، إِذَا كَانَ فِعْلُ ذَلِكَ مُمْكِنًا ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ :
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُعَاوِيَةَ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ : قَامَ أَبُو بَكْرٍ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) إِلَى آخَرِ الْآيَةِ ، وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلَا يُغَيِّرُونَهُ أَوْشَكَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ " . قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ، فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبُ الْإِيمَانَ .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، بِهِ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الصِّدِّيقِ وَقَدْ رَجَّحَ رَفْعَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مُطَوَّلًا فِي 213 مُسْنَدِ الصِّدِّيقِ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَقَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ : قَوْلُهُ [ تَعَالَى ] ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا ، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " بَلِ ائْتَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعِ الْعَوَامَّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ كَعَمَلِكُمْ " - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : وَزَادَ غَيْرُ عُتْبَةَ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا؟ قَالَ : " بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ " .
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فَقَالَ : إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِزَمَانِهَا ، إِنَّهَا الْيَوْمَ مَقْبُولَةٌ . وَلَكِنَّهُ قَدْ أَوْشَكَ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانُهَا ، تَأْمُرُونَ فَيُصْنَعُ بِكُمْ كَذَا وَكَذَا - أَوْ قَالَ : فَلَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ - فَحِينَئِذٍ ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ )
وَرَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) الْآيَةَ ، قَالَ : كَانُوا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا ، فَكَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ ، حَتَّى قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عَبْدِ اللَّهِ : أَلَا أَقُومُ فَآمُرَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَقَالَ آخَرُ إِلَى جَنْبِهِ : عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) الْآيَةَ . قَالَ : فَسَمِعَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ : مَهْ ، لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ بَعْدُ ، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ حَيْثُ أُنْزِلَ وَمِنْهُ آيٌ قَدْ مَضَى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلْنَ ، وَمِنْهُ آيٌ قَدْ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمِنْهُ آيٌ قَدْ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَسِيرٍ ، وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ الْيَوْمِ ، وَمِنْهُ آيٌ تَأْوِيلُهُنَّ عِنْدَ السَّاعَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ السَّاعَةِ ، وَمِنْهُ آيٌ 214 يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ يَوْمَ الْحِسَابِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ . فَمَا دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَاحِدَةً ، وَأَهْوَاؤُكُمْ وَاحِدَةً وَلَمْ تَلْبَسُوا شِيَعًا ، وَلَمْ يَذُقْ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَأْمُرُوا وَانْهُوا . فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَالْأَهْوَاءُ ، وَأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا ، وَذَاقَ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَامْرُؤٌ وَنَفْسُهُ ، عِنْدَ ذَلِكَ جَاءَنَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عِقَالٍ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : لَوْ جَلَسْتَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَلَمْ تَأْمُرْ وَلَمْ تَنْهَ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ : ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي وَلَا لِأَصْحَابِي إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَلَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ " . فَكُنَّا نَحْنُ الشُّهُودُ وَأَنْتُمُ الْغُيَّبُ ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لِأَقْوَامٍ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِنَا ، إِنْ قَالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَبُو عَاصِمٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ سَوَّارِ بْنِ شَبِيبٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ جَلِيدٌ فِي الْعَيْنِ ، شَدِيدُ اللِّسَانِ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نَفَرٌ سِتَّةٌ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَسْرَعَ فِيهِ ، وَكُلُّهُمْ مُجْتَهِدٌ لَا يَأْلُو وَكُلُّهُمْ بَغِيضٌ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ دَنَاءَةً ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : وَأَيُّ دَنَاءَةٍ تُرِيدُ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ؟
فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي لَسْتُ إِيَّاكَ أَسْأَلُ ، إِنَّمَا أَسْأَلُ الشَّيْخَ . فَأَعَادَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَعَلَّكَ تَرَى ، لَا أَبًا لَكَ ، أَنِّي سَآمُرُكَ أَنْ تَذْهَبَ فَتَقْتُلُهُمْ! عِظْهُمْ وَانْهَهُمْ ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ فَإِنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، سَمِعْتُ أَبِي ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي مَازِنٍ قَالَ : انْطَلَقْتُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جُلُوسٌ ، فَقَرَأَ أَحَدُهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ) فَقَالَ أَكْبَرُهُمْ لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ الْيَوْمَ .
وَقَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنِّي لَأَصْغَرُ الْقَوْمِ ، فَتَذَاكَرُوا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَقُلْتُ أَنَا : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ؟ فَأَقْبَلُوا عَلَيَّ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا : تَنْزِعُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا تُعَرِفُهَا ، وَلَا تَدْرِي مَا تَأْوِيلُهَا!! حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَكَلَّمْتُ ، وَأَقْبَلُوا يَتَحَدَّثُونَ ، فَلَمَّا حَضَرَ قِيَامُهُمْ قَالُوا : إِنَّكَ غُلَامٌ 215 حَدَثُ السِّنِّ ، وَإِنَّكَ نَزَعْتَ بِآيَةٍ وَلَا تَدْرِي مَا هِيَ؟ وَعَسَى أَنْ تُدْرِكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ ، إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ، لَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ : تَلَا الْحَسَنُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فَقَالَ الْحَسَنُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ بِهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَيْهَا ، مَا كَانَ مُؤْمِنٌ فِيمَا مَضَى ، وَلَا مُؤْمِنٌ فِيمَا بَقِيَ ، إِلَّا وَإِلَى جَانِبِهِ مُنَافِقٌ يَكْرَهُ عَمَلَهُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : إِذَا أَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَلَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قَالَ : إِذَا هُدِمَتْ كَنِيسَةُ دِمَشْقَ ، فَجُعِلتْ مَسْجِدًا ، وَظَهَرَ لُبْسُ الْعَصْبِ ، فَحِينَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ .
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصْلِحُوا أَنْفُسَهُمْ وَيَفْعَلُوا الْخَيْرَ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ ، وَمُخْبِرًا لَهُمْ أَنَّهُ مَنْ أَصْلَحَ أَمْرَهُ لَا يَضُرُّهُ فَسَادُ مَنْ فَسَدَ مِنَ النَّاسِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ بَعِيدًا .
قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : يَقُولُ تَعَالَى : إِذَا مَا الْعَبْدُ أَطَاعَنِي فِيمَا أَمَرْتُهُ بِهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ ضَلَّ بَعْدَهُ ، إِذَا عَمِلَ بِمَا أَمَرْتُهُ بِهِ .
وَكَذَا رَوَى الْوَالِبِيُّ عَنْهُ . وَهَكَذَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ . فَقَوْلُهُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ ( لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أَيْ : فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شرًّا فَشَرٌّ .
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مُسْتَدَلٌّ عَلَى تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، إِذَا كَانَ فِعْلُ ذَلِكَ مُمْكِنًا ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ :
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُعَاوِيَةَ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ : قَامَ أَبُو بَكْرٍ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) إِلَى آخَرِ الْآيَةِ ، وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلَا يُغَيِّرُونَهُ أَوْشَكَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ " . قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ، فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبُ الْإِيمَانَ .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، بِهِ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الصِّدِّيقِ وَقَدْ رَجَّحَ رَفْعَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مُطَوَّلًا فِي 213 مُسْنَدِ الصِّدِّيقِ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَقَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ : قَوْلُهُ [ تَعَالَى ] ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا ، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " بَلِ ائْتَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعِ الْعَوَامَّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ كَعَمَلِكُمْ " - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : وَزَادَ غَيْرُ عُتْبَةَ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا؟ قَالَ : " بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ " .
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فَقَالَ : إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِزَمَانِهَا ، إِنَّهَا الْيَوْمَ مَقْبُولَةٌ . وَلَكِنَّهُ قَدْ أَوْشَكَ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانُهَا ، تَأْمُرُونَ فَيُصْنَعُ بِكُمْ كَذَا وَكَذَا - أَوْ قَالَ : فَلَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ - فَحِينَئِذٍ ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ )
وَرَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) الْآيَةَ ، قَالَ : كَانُوا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا ، فَكَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ ، حَتَّى قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عَبْدِ اللَّهِ : أَلَا أَقُومُ فَآمُرَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَقَالَ آخَرُ إِلَى جَنْبِهِ : عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) الْآيَةَ . قَالَ : فَسَمِعَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ : مَهْ ، لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ بَعْدُ ، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ حَيْثُ أُنْزِلَ وَمِنْهُ آيٌ قَدْ مَضَى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلْنَ ، وَمِنْهُ آيٌ قَدْ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمِنْهُ آيٌ قَدْ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَسِيرٍ ، وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ الْيَوْمِ ، وَمِنْهُ آيٌ تَأْوِيلُهُنَّ عِنْدَ السَّاعَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ السَّاعَةِ ، وَمِنْهُ آيٌ 214 يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ يَوْمَ الْحِسَابِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ . فَمَا دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَاحِدَةً ، وَأَهْوَاؤُكُمْ وَاحِدَةً وَلَمْ تَلْبَسُوا شِيَعًا ، وَلَمْ يَذُقْ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَأْمُرُوا وَانْهُوا . فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَالْأَهْوَاءُ ، وَأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا ، وَذَاقَ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَامْرُؤٌ وَنَفْسُهُ ، عِنْدَ ذَلِكَ جَاءَنَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عِقَالٍ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : لَوْ جَلَسْتَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَلَمْ تَأْمُرْ وَلَمْ تَنْهَ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ : ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي وَلَا لِأَصْحَابِي إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَلَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ " . فَكُنَّا نَحْنُ الشُّهُودُ وَأَنْتُمُ الْغُيَّبُ ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لِأَقْوَامٍ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِنَا ، إِنْ قَالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَبُو عَاصِمٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ سَوَّارِ بْنِ شَبِيبٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ جَلِيدٌ فِي الْعَيْنِ ، شَدِيدُ اللِّسَانِ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نَفَرٌ سِتَّةٌ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَسْرَعَ فِيهِ ، وَكُلُّهُمْ مُجْتَهِدٌ لَا يَأْلُو وَكُلُّهُمْ بَغِيضٌ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ دَنَاءَةً ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : وَأَيُّ دَنَاءَةٍ تُرِيدُ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ؟
فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي لَسْتُ إِيَّاكَ أَسْأَلُ ، إِنَّمَا أَسْأَلُ الشَّيْخَ . فَأَعَادَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَعَلَّكَ تَرَى ، لَا أَبًا لَكَ ، أَنِّي سَآمُرُكَ أَنْ تَذْهَبَ فَتَقْتُلُهُمْ! عِظْهُمْ وَانْهَهُمْ ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ فَإِنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، سَمِعْتُ أَبِي ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي مَازِنٍ قَالَ : انْطَلَقْتُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جُلُوسٌ ، فَقَرَأَ أَحَدُهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ) فَقَالَ أَكْبَرُهُمْ لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ الْيَوْمَ .
وَقَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنِّي لَأَصْغَرُ الْقَوْمِ ، فَتَذَاكَرُوا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَقُلْتُ أَنَا : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ؟ فَأَقْبَلُوا عَلَيَّ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا : تَنْزِعُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا تُعَرِفُهَا ، وَلَا تَدْرِي مَا تَأْوِيلُهَا!! حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَكَلَّمْتُ ، وَأَقْبَلُوا يَتَحَدَّثُونَ ، فَلَمَّا حَضَرَ قِيَامُهُمْ قَالُوا : إِنَّكَ غُلَامٌ 215 حَدَثُ السِّنِّ ، وَإِنَّكَ نَزَعْتَ بِآيَةٍ وَلَا تَدْرِي مَا هِيَ؟ وَعَسَى أَنْ تُدْرِكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ ، إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ، لَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ : تَلَا الْحَسَنُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فَقَالَ الْحَسَنُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ بِهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَيْهَا ، مَا كَانَ مُؤْمِنٌ فِيمَا مَضَى ، وَلَا مُؤْمِنٌ فِيمَا بَقِيَ ، إِلَّا وَإِلَى جَانِبِهِ مُنَافِقٌ يَكْرَهُ عَمَلَهُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : إِذَا أَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَلَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قَالَ : إِذَا هُدِمَتْ كَنِيسَةُ دِمَشْقَ ، فَجُعِلتْ مَسْجِدًا ، وَظَهَرَ لُبْسُ الْعَصْبِ ، فَحِينَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith