تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 514 · printed p. 423
( وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ( 48 ) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 49 ) ) .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَقْرِيعِ أَهْلِ الْأَعْرَافِ لِرِجَالٍ مِنْ صَنَادِيدِ الْمُشْرِكِينَ وَقَادَتِهِمْ ، يَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِسِيمَاهُمْ : ( مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ) أَيْ : كَثْرَتُكُمْ ، ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) أَيْ : لَا يَنْفَعُكُمْ كَثْرَتُكُمْ وَلَا جُمُوعُكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، بَلْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صِرْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ . ( أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي : أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي عَمِّي ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) الْآيَةَ ، قَالَ : فَلَمَّا قَالُوا لَهُمُ الَّذِي قَضَى اللَّهُ أَنْ يَقُولُوا - يَعْنِي أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْلِ التَّكَبُّرِ وَالْأَمْوَالِ : ( أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) .
وَقَالَ حُذَيْفَةُ : ۝ إِنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ تَكَافَأَتْ أَعْمَالُهُمْ ، فَقَصَّرَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ .
423 وَقَصَّرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ النَّارِ ، فَجُعِلُوا عَلَى الْأَعْرَافِ ، يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِسِيمَاهُمْ ، فَلَمَّا قَضَى اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ أُذِنَ لَهُمْ فِي طَلَبِ الشَّفَاعَةِ ، فَأَتَوْا آدَمَ فَقَالُوا : يَا آدَمُ ، أَنْتَ أَبُونَا ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ . فَقَالَ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِ غَضَبَهُ ، وَسَجَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ : لَا . قَالَ فَيَقُولُ : مَا عَلِمْتُ كُنْهَهُ ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ ، وَلَكِنِ ائْتُوا ابْنِي إِبْرَاهِيمَ . فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، فَيَقُولُ : هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَدٍ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا؟ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا أَحْرَقَهُ قَوْمُهُ بِالنَّارِ فِي اللَّهِ غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ : لَا . فَيَقُولُ : مَا عَلِمْتُ كُنْهَهُ ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ . وَلَكِنِ ائْتُوا ابْنِي مُوسَى . فَيَأْتُونَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَيَقُولُونَ : اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ فَيَقُولُ : هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَدٍ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا وَقَرَبَّهُ نَجِيًّا غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ : لَا فَيَقُولُ : مَا عَلِمْتُ كُنْهَهُ ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى . فَيَأْتُونَهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَيَقُولُونَ لَهُ : اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ . فَيَقُولُ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَحَدًا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ : لَا . فَيَقُولُ : هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَدٍ كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ غَيْرِي؟ قَالَ : فَيَقُولُونَ : لَا . فَيَقُولُ : أَنَا حَجِيجُ نَفْسِي . مَا عَلِمْتُ كُنْهَهُ ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ . وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتُونَنِي فَأَضْرِبُ بِيَدِي عَلَى صَدْرِي ، ثُمَّ أَقُولُ : أَنَا لَهَا . ثُمَّ أَمْشِي حَتَّى أَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ ، فَآتِي رَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَفْتَحُ لِي مِنَ الثَّنَاءِ مَا لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ بِمِثْلِهِ قَطُّ ، ثُمَّ أَسْجُدُ فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَأَرْفَعُ رَأْسِي ، فَأَقُولُ : رَبِّي أُمَّتِي . فَيَقُولُ : هُمْ لَكَ . فَلَا يَبْقَى نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، إِلَّا غَبَطَنِي بِذَلِكَ الْمَقَامِ ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ . فَآتِي بِهِمُ الْجَنَّةَ ، فَأَسْتَفْتِحُ فَيُفْتَحُ لِي وَلَهُمْ ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ : نَهْرُ الْحَيَوَانِ ، حَافَّتَاهُ قَصَبٌ مُكَلَّلٌ بِاللُّؤْلُؤِ ، تُرَابُهُ الْمِسْكُ ، وَحَصْبَاؤُهُ الْيَاقُوتُ . فَيَغْتَسِلُونَ مِنْهُ ، فَتَعُودُ إِلَيْهِمْ أَلْوَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَرِيحُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَصِيرُونَ كَأَنَّهُمُ الْكَوَاكِبُ الدُّرِّيَّةُ ، وَيَبْقَى فِي صُدُورِهِمْ شَامَاتٌ بِيضٌ يُعْرَفُونَ بِهَا ، يُقَالُ لَهُمْ : مَسَاكِينُ أَهْلِ الْجَنَّةِ
"
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith