تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ( 155 ) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ )
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : كَانَ اللَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا فَاخْتَارَ سَبْعِينَ رَجُلًا فَبَرَزَ بِهِمْ لِيَدْعُوا رَبَّهُمْ ، فَكَانَ فِيمَا دَعَوُا اللَّهَ قَالُوا : اللَّهُمَّ أَعْطِنَا مَا لَمْ تُعْطِهِ أَحَدًا قَبْلَنَا وَلَا تُعْطِهِ أَحَدًا بَعْدَنَا فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ دُعَائِهِمْ ، ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَأْتِيَهُ فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَوَعْدَهُمْ مَوْعِدًا ، فَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا عَلَى عَيْنِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمْ لِيَعْتَذِرُوا . فَلَمَّا أَتَوْا ذَلِكَ الْمَكَانَ قَالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ يَا مُوسَى حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، فَإِنَّكَ قَدْ كَلَّمْتَهُ ، فَأَرِنَاهُ . فَأَخَذَتْهُمْ 480 الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا ، فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللَّهَ وَيَقُولُ : رَبِّ ، مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا لَقِيتُهُمْ وَقَدْ أَهْلَكْتَ خِيَارَهُمْ ؟ ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ )
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : اخْتَارَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ رَجُلًا الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ ، وَقَالَ : انْطَلَقُوا إِلَى اللَّهِ فَتُوبُوا إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعْتُمْ ، وَسَلُوهُ التَّوْبَةَ عَلَى مَنْ تَرَكْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ ، صُومُوا وَتَطَهَّرُوا ، وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ . فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ ، لِمِيقَاتٍ وَقَّتَهُ لَهُ رَبُّهُ ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ وَعِلْمٍ - فَقَالَ لَهُ السَّبْعُونَ - فِيمَا ذُكِرَ لِي - حِينَ صَنَعُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَخَرَجُوا مَعَهُ لِلِقَاءِ رَبِّهِ ، فَقَالُوا لِمُوسَى : اطْلُبْ لَنَا نَسْمَعُ كَلَامَ رَبِّنَا . فَقَالَ : أَفْعَلُ . فَلَمَّا دَنَا مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ ، وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الْغَمَامِ ، حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ . وَدَنَا مُوسَى فَدَخَلَ فِيهِ ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ : ادْنُوَا . وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَقَعَ عَلَى جَبْهَةِ مُوسَى نُورٌ سَاطِعٌ ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ . فَضُرِبَ دُونَهُ بِالْحِجَابِ . وَدَنَا الْقَوْمُ ، حَتَّى إِذَا دَخَلُوا وَقَعُوا سُجُودًا فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى ، يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ : افْعَلْ ، وَلَا تَفْعَلْ . فَلَمَّا فَرَغَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ ، انْكَشَفَ عَنْ مُوسَى الْغَمَامُ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالُوا لِمُوسَى : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً . فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ - وَهِيَ الصَّاعِقَةُ - فَافْتُلِتَتْ أَرْوَاحُهُمْ ، فَمَاتُوا جَمِيعًا . فَقَامَ مُوسَى يُنَاشِدُ رَبَّهُ وَيَدْعُوهُ وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ ، وَيَقُولُ : ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ) قَدْ سَفِهُوا ، أَفَنُهْلِكُ مَنْ وَرَائِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدٍ السَّلُولِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : انْطَلَقَ مُوسَى وَهَارُونُ وَشَبَّرُ وَشَبِيرُ ، فَانْطَلَقُوا إِلَى سَفْحِ جَبَلٍ ، فَنَامَ هَارُونُ عَلَى سَرِيرٍ ، فَتَوَفَّاهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ . فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا لَهُ : أَيْنَ هَارُونُ ؟ قَالَ : تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ . قَالُوا لَهُ أَنْتَ قَتَلْتَهُ ، حَسَدْتَنَا عَلَى خُلُقِهِ وَلِينِهِ - أَوْ كَلِمَةٍ نَحْوَهَا - قَالَ : فَاخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ . قَالَ : فَاخْتَارُوا سَبْعِينَ رَجُلًا . قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا ) فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ قَالُوا : يَا هَارُونُ ، مَنْ قَتَلَكَ ؟ قَالَ : مَا قَتَلَنِي أَحَدٌ ، وَلَكِنْ تَوَفَّانِي اللَّهُ . قَالُوا : يَا مُوسَى ، لَنْ تُعْصَى بَعْدَ الْيَوْمِ . قَالَ : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ . قَالَ : فَجَعَلَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، يُرْجِعُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَقَالَ : يَا ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ) قَالَ : فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَجَعَلَهُمْ أَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ .
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَعِمَارَةُ بْنُ عَبْدٍ هَذَا لَا أَعْرِفُهُ . وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلُولَ عَنْ عَلِيٍّ ، فَذَكَرَهُ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ : إِنَّمَا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُزَايِلُوا قَوْمَهُمْ فِي عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ ، وَلَا نَهْوَهُمْ ، وَيَتَوَجَّهُ هَذَا الْقَوْلُ بِقَوْلِ مُوسَى : ( أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا )
481 وَقَوْلُهُ : ( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ) أَيْ : ابْتِلَاؤُكَ وَاخْتِبَارُكَ وَامْتِحَانُكَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَرَبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَلَا مَعْنَى لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ ; يَقُولُ : إِنِ الْأَمْرُ إِلَّا أَمْرُكَ ، وَإِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لَكَ ، فَمَا شِئْتَ كَانَ ، تَضِلُّ مَنْ تَشَاءُ ، وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، فَالْمُلْكُ كُلُّهُ لَكَ ، وَالْحُكْمُ كُلُّهُ لَكَ ، لَكَ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) الْغَفْرُ هُوَ : السَّتْرُ ، وَتَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالذَّنْبِ ، وَالرَّحْمَةُ إِذَا قُرِنَتْ مَعَ الْغَفْرِ ، يُرَادُ بِهَا أَلَّا يُوقِعَهُ فِي مِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، ( وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) أَيْ : لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ، ( وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ) هُنَاكَ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مِنَ الدُّعَاءِ دَفْعُ الْمَحْذُورِ ، وَهَذَا لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ ( وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ) أَيْ : أَوْجِبْ لَنَا وَأَثْبِتْ لَنَا فِيهِمَا حَسَنَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ . [ الْآيَةَ : 201 ]
( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) أَيْ : تُبْنَا وَرَجَعْنَا وَأَنَبْنَا إِلَيْكَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَهُوَ كَذَلِكَ لُغَةً .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَهُودُ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : ( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ )
جَابِرٌ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ - ضَعِيفٌ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : كَانَ اللَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا فَاخْتَارَ سَبْعِينَ رَجُلًا فَبَرَزَ بِهِمْ لِيَدْعُوا رَبَّهُمْ ، فَكَانَ فِيمَا دَعَوُا اللَّهَ قَالُوا : اللَّهُمَّ أَعْطِنَا مَا لَمْ تُعْطِهِ أَحَدًا قَبْلَنَا وَلَا تُعْطِهِ أَحَدًا بَعْدَنَا فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ دُعَائِهِمْ ، ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَأْتِيَهُ فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَوَعْدَهُمْ مَوْعِدًا ، فَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا عَلَى عَيْنِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمْ لِيَعْتَذِرُوا . فَلَمَّا أَتَوْا ذَلِكَ الْمَكَانَ قَالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ يَا مُوسَى حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، فَإِنَّكَ قَدْ كَلَّمْتَهُ ، فَأَرِنَاهُ . فَأَخَذَتْهُمْ 480 الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا ، فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللَّهَ وَيَقُولُ : رَبِّ ، مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا لَقِيتُهُمْ وَقَدْ أَهْلَكْتَ خِيَارَهُمْ ؟ ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ )
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : اخْتَارَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ رَجُلًا الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ ، وَقَالَ : انْطَلَقُوا إِلَى اللَّهِ فَتُوبُوا إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعْتُمْ ، وَسَلُوهُ التَّوْبَةَ عَلَى مَنْ تَرَكْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ ، صُومُوا وَتَطَهَّرُوا ، وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ . فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ ، لِمِيقَاتٍ وَقَّتَهُ لَهُ رَبُّهُ ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ وَعِلْمٍ - فَقَالَ لَهُ السَّبْعُونَ - فِيمَا ذُكِرَ لِي - حِينَ صَنَعُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَخَرَجُوا مَعَهُ لِلِقَاءِ رَبِّهِ ، فَقَالُوا لِمُوسَى : اطْلُبْ لَنَا نَسْمَعُ كَلَامَ رَبِّنَا . فَقَالَ : أَفْعَلُ . فَلَمَّا دَنَا مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ ، وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الْغَمَامِ ، حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ . وَدَنَا مُوسَى فَدَخَلَ فِيهِ ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ : ادْنُوَا . وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَقَعَ عَلَى جَبْهَةِ مُوسَى نُورٌ سَاطِعٌ ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ . فَضُرِبَ دُونَهُ بِالْحِجَابِ . وَدَنَا الْقَوْمُ ، حَتَّى إِذَا دَخَلُوا وَقَعُوا سُجُودًا فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى ، يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ : افْعَلْ ، وَلَا تَفْعَلْ . فَلَمَّا فَرَغَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ ، انْكَشَفَ عَنْ مُوسَى الْغَمَامُ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالُوا لِمُوسَى : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً . فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ - وَهِيَ الصَّاعِقَةُ - فَافْتُلِتَتْ أَرْوَاحُهُمْ ، فَمَاتُوا جَمِيعًا . فَقَامَ مُوسَى يُنَاشِدُ رَبَّهُ وَيَدْعُوهُ وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ ، وَيَقُولُ : ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ) قَدْ سَفِهُوا ، أَفَنُهْلِكُ مَنْ وَرَائِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدٍ السَّلُولِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : انْطَلَقَ مُوسَى وَهَارُونُ وَشَبَّرُ وَشَبِيرُ ، فَانْطَلَقُوا إِلَى سَفْحِ جَبَلٍ ، فَنَامَ هَارُونُ عَلَى سَرِيرٍ ، فَتَوَفَّاهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ . فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا لَهُ : أَيْنَ هَارُونُ ؟ قَالَ : تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ . قَالُوا لَهُ أَنْتَ قَتَلْتَهُ ، حَسَدْتَنَا عَلَى خُلُقِهِ وَلِينِهِ - أَوْ كَلِمَةٍ نَحْوَهَا - قَالَ : فَاخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ . قَالَ : فَاخْتَارُوا سَبْعِينَ رَجُلًا . قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا ) فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ قَالُوا : يَا هَارُونُ ، مَنْ قَتَلَكَ ؟ قَالَ : مَا قَتَلَنِي أَحَدٌ ، وَلَكِنْ تَوَفَّانِي اللَّهُ . قَالُوا : يَا مُوسَى ، لَنْ تُعْصَى بَعْدَ الْيَوْمِ . قَالَ : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ . قَالَ : فَجَعَلَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، يُرْجِعُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَقَالَ : يَا ( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ) قَالَ : فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَجَعَلَهُمْ أَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ .
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَعِمَارَةُ بْنُ عَبْدٍ هَذَا لَا أَعْرِفُهُ . وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلُولَ عَنْ عَلِيٍّ ، فَذَكَرَهُ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ : إِنَّمَا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُزَايِلُوا قَوْمَهُمْ فِي عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ ، وَلَا نَهْوَهُمْ ، وَيَتَوَجَّهُ هَذَا الْقَوْلُ بِقَوْلِ مُوسَى : ( أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا )
481 وَقَوْلُهُ : ( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ) أَيْ : ابْتِلَاؤُكَ وَاخْتِبَارُكَ وَامْتِحَانُكَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَرَبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَلَا مَعْنَى لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ ; يَقُولُ : إِنِ الْأَمْرُ إِلَّا أَمْرُكَ ، وَإِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لَكَ ، فَمَا شِئْتَ كَانَ ، تَضِلُّ مَنْ تَشَاءُ ، وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، فَالْمُلْكُ كُلُّهُ لَكَ ، وَالْحُكْمُ كُلُّهُ لَكَ ، لَكَ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) الْغَفْرُ هُوَ : السَّتْرُ ، وَتَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالذَّنْبِ ، وَالرَّحْمَةُ إِذَا قُرِنَتْ مَعَ الْغَفْرِ ، يُرَادُ بِهَا أَلَّا يُوقِعَهُ فِي مِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، ( وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) أَيْ : لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ، ( وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ) هُنَاكَ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مِنَ الدُّعَاءِ دَفْعُ الْمَحْذُورِ ، وَهَذَا لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ ( وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ) أَيْ : أَوْجِبْ لَنَا وَأَثْبِتْ لَنَا فِيهِمَا حَسَنَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ . [ الْآيَةَ : 201 ]
( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) أَيْ : تُبْنَا وَرَجَعْنَا وَأَنَبْنَا إِلَيْكَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَهُوَ كَذَلِكَ لُغَةً .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَهُودُ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : ( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ )
جَابِرٌ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ - ضَعِيفٌ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith