تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 569 · printed p. 498
( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( 167 ) .
( تَأَذَّنَ ) تَفَعَّلَ مِنَ الْإِذْنِ أَيْ : أَعْلَمَ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ : أَمَرَ .
وَفِي قُوَّةِ الْكَلَامِ مَا يُفِيدُ مَعْنَى الْقَسَمِ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، وَلِهَذَا تُلُقِّيَتْ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ : ( لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : عَلَى الْيَهُودِ ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ) أَيْ : بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ أَوَامِرَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ وَاحْتِيَالِهِمْ عَلَى الْمَحَارِمِ .
وَيُقَالُ : إِنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ سَبْعَ سِنِينَ - وَقِيلَ : ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الْخَرَاجَ . ثُمَّ كَانُوا فِي قَهْرِ الْمُلُوكِ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ وَالْكَشْدَانِيِّينَ وَالْكَلْدَانِيِّينَ ، ثُمَّ صَارُوا فِي قَهْرِ النَّصَارَى وَإِذْلَالِهِمْ وَإِيَّاهُمْ ، أَخْذِهِمْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ ، وَمُحَمَّدٌ ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ ، فَكَانُوا تَحْتَ صُفَارِهِ وَذِمَّتِهِ يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ وَالْجِزَى
قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : هِيَ الْمَسْكَنَةُ ، وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْهُ : هِيَ الْجِزْيَةُ ، وَالَّذِينَ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : يَسْتَحَبُّ أَنْ تُبْعَثَ الْأَنْبَاطُ فِي الْجِزْيَةِ .
قُلْتُ : ثُمَّ آخِرُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ أَنْصَارَ الدَّجَّالِ ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَذَلِكَ آخِرَ الزَّمَانِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ) أَيْ : لِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ [ أَمْرَهُ وَ ] شَرْعَهُ ، ( وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) أَيْ : لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ .
وَهَذَا مِنْ بَابِ قَرْنِ الرَّحْمَةِ مَعَ الْعُقُوبَةِ ، لِئَلَّا يَحْصُلَ الْيَأْسُ ، فَيَقْرِنُ [ اللَّهُ ] تَعَالَى بَيْنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ كَثِيرًا ; لِتُبْقَى النُّفُوسُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ .
498
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith