تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 590 · printed p. 539
( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ( 205 ) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 ) )
يَأْمُرُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ ، كَمَا أَمَرَ بِعِبَادَتِهِ فِي هَذَيْنَ الْوَقْتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) [ ق : 39 ] وَقَدْ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ .
وَقَالَ هَاهُنَا بِالْغُدُوِّ - وَهُوَ أَوَائِلُ النَّهَارِ : ( وَالْآصَالِ ) جَمْعُ أَصِيلٍ ، كَمَا أَنَّ الْأَيْمَانَ جَمْعُ يَمِينٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ) أَيِ : اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً ، وَبِالْقَوْلِ لَا جَهْرًا ; وَلِهَذَا 539 قَالَ : ( وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) وَهَكَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ لَا يَكُونُ نِدَاءً وَ [ لَا ] جَهْرًا بَلِيغًا ; وَلِهَذَا لَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : ۝ أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) [ الْبَقَرَةِ : 186 ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : رَفَعَ النَّاسُ أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ أَيُّهَا النَّاسُ ، أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ; إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ "
وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 110 ] فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ سَبُّوهُ ، وَسَبُّوا مَنْ أَنْزَلَهُ ، وَ [ سَبُّوا ] مَنْ جَاءَ بِهِ ; فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَلَّا يَجْهَرَ بِهِ ، لِئَلَّا يَنَالَ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ ، وَلَا يُخَافِتَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ فَلَا يُسْمِعُهُمْ ، وَلْيَتَّخِذْ سَبِيلًا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ . وَكَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ )
وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ جَرِيرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَبْلَهُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ : أَمْرُ السَّامِعِ لِلْقُرْآنِ فِي حَالِ اسْتِمَاعِهِ بِالذِّكْرِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ . وَهَذَا بِعِيدٌ مَنَافٍ لِلْإِنْصَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، أَوِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلُ مِنَ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ ، سَوَاءً كَانَ سِرًّا أَوْ جَهْرًا ، فَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ لَمْ يُتَابَعَا عَلَيْهِ ، بَلِ الْمُرَادُ الْحَضُّ عَلَى كَثْرَةِ الذِّكْرِ مِنَ الْعِبَادِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ، لِئَلَّا يَكُونُوا مِنَ الْغَافِلِينَ ; وَلِهَذَا مَدَحَ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ، فَقَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ] ) وَإِنَّمَا ذَكَّرَهُمْ بِهَذَا لِيُتَشَبَّهَ بِهِمْ فِي كَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ ; وَلِهَذَا شُرِعَ لَنَا السُّجُودَ هَاهُنَا لَمَّا ذُكِرَ سُجُودُهُمْ لِلَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " ۝ أَلَا تُصَفُّونَ كَمَا تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا ، يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ "
وَهَذِهِ أَوَّلُ سَجْدَةٍ فِي الْقُرْآنِ ، مِمَّا يُشْرَعُ لِتَالِيهَا وَمُسْتَمِعِهَا السُّجُودُ بِالْإِجْمَاعِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ عَدَّهَا فِي سَجْدَاتِ الْقُرْآنِ
آخَرُ [ تَفْسِيرِ ] سُورَةِ الْأَعْرَافِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith