تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
27 ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ( 15 ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 16 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا عَلَى الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ بِالنَّارِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ) أَيْ : تَقَارَبْتُمْ مِنْهُمْ وَدَنَوْتُمْ إِلَيْهِمْ ، ( فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ) أَيْ : تَفِرُّوا وَتَتْرُكُوا أَصْحَابَكُمْ ، ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ ) أَيْ : يَفِرُّ بَيْنَ يَدَيْ قِرْنِهِ مَكِيدَةً ؛ لِيُرِيَهُ أَنَّهُ [ قَدْ ] خَافَ مِنْهُ فَيَتْبَعُهُ ، ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ . نَصَّ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيُّ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : أَنْ يَتَقَدَّمَ عَنْ أَصْحَابِهِ لِيَرَى غِرَّةً مِنَ الْعَدُوِّ فَيُصِيبَهَا .
( أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ ) أَيْ : فَرَّ مِنْ هَاهُنَا إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، يُعَاوِنُهُمْ وَيُعَاوِنُوهُ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ، حَتَّى [ وَ ] لَوْ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَفَرَّ إِلَى أَمِيرِهِ أَوْ إِلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ، دَخَلَ فِي هَذِهِ الرُّخْصَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : كُنْتُ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً - وَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ - فَقُلْنَا : كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ ؟ ثُمَّ قُلْنَا : لَوْ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَبِتْنَا ؟ ثُمَّ قُلْنَا : لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَةٌ وَإِلَّا ذَهَبْنَا ؟ فَأَتَيْنَاهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَخَرَجَ فَقَالَ : مَنِ الْقَوْمُ ؟ فَقُلْنَا : نَحْنُ الْفَرَّارُونَ . فَقَالَ : لَا بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ ، أَنَا فِئَتُكُمْ ، وَأَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : فَأَتَيْنَاهُ حَتَّى قَبَّلْنَا يَدَهُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ بِهِ . وَزَادَ فِي آخِرِهِ : وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ : ( أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ )
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " الْعَكَّارُونَ " أَيْ : الْعَطَّافُونَ . وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَبِي عُبَيْدٍ لَمَّا قُتِلَ عَلَى الْجِسْرِ بِأَرْضِ فَارِسَ ، لِكَثْرَةِ الْجَيْشِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَجُوسِ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَوِ انْحَازَ إِلَيَّ كُنْتُ لَهُ فِئَةً . هَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ عُمَرَ .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ عُمَرُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَنَا فِئَتُكُمْ .
28 وَقَالَ مُجَاهِدٌ : قَالَ عُمَرُ : أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ عُمَرَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، لَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَإِنَّمَا كَانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَأَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ قُلْتُ : إِنَّا قَوْمٌ لَا نَثْبُتُ عِنْدَ قِتَالِ عَدُوِّنَا ، وَلَا نَدْرِي مَنِ الْفِئَةُ : إِمَامُنَا أَوْ عَسْكَرُنَا ؟ فَقَالَ : إِنَّ الْفِئَةَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقُلْتُ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ) فَقَالَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ ، لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ : ( أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ ) الْمُتَحَيِّزُ : الْفَارُّ إِلَى النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّ الْيَوْمَ إِلَى أَمِيرِهِ أَوْ أَصْحَابِهِ .
فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْفِرَارُ لَا عَنْ سَبَبٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَكَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ ، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ .
وَلِهَذَا الْحَدِيثِ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَقَدْ بَاءَ ) أَيْ : رَجَعَ ( بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ ) أَيْ : مَصِيرُهُ وَمُنْقَلَبُهُ يَوْمَ مِيعَادِهِ : ( جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْعَبْدِيُّ ، سَمِعْتُ السَّدُوسِيَّ - يَعْنِي ابْنَ الْخَصَاصِيَةِ ، وَهُوَ بَشِيرُ بْنُ مَعْبَدٍ - قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُبَايِعَهُ ، فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ : شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَأَنْ أُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ ، وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ أَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَأَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَّا اثْنَتَانِ فَوَاللَّهِ لَا أُطِيقُهُمَا : الْجِهَادُ ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَنْ وَلَّى الدُّبُرَ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، فَأَخَافُ إِنْ حَضَرْتُ ذَلِكَ خَشَعَتْ نَفْسِي وَكَرِهَتِ الْمَوْتَ . وَالصَّدَقَةُ ، فَوَاللَّهِ مَا لِي إِلَّا غُنَيْمَةٌ وَعَشْرُ ذَوْدٍ هُنَّ رَسَلُ أَهْلِي وَحَمُولَتَهُمْ . فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ ، ثُمَّ حَرَّكَ يَدَهُ ، ثُمَّ قَالَ : فَلَا جِهَادَ وَلَا صَدَقَةَ ، فِيمَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِذًا ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا أُبَايِعُكَ . فَبَايَعْتُهُ عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ .
29 وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ ، عَنْ ثَوْبَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ثَلَاثَةٌ لَا يَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ .
وَهَذَا أَيْضًا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيُّ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الشَّنِّيُّ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَ عَنْ جَدِّي قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ قَالَ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، بِهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهِ . وَقَالَ : غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
قُلْتُ : وَلَا يُعْرَفُ لِزَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ سِوَاهُ .
وَقَدْ ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ الْفِرَارَ إِنَّمَا كَانَ حَرَامًا عَلَى الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ - يَعْنِي الْجِهَادَ - كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : عَلَى الْأَنْصَارِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ . وَقِيلَ : [ إِنَّمَا ] الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَهْلُ بَدْرٍ خَاصَّةً ، يُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي نَضْرَةَ ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ ، وقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَحُجَّتُهُمْ فِي هَذَا : أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ عِصَابَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ يَفِيئُونَ إِلَيْهَا سِوَى عِصَابَتِهِمْ تِلْكَ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ إِنَّ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) قَالَ : ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ ، فَأَمَّا الْيَوْمُ : فَإِنِ انْحَازَ إِلَى فِئَةٍ أَوْ مِصْرٍ - أَحْسَبُهُ قَالَ : فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ : أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ فَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ النَّارَ ، قَالَ : ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ] ) ( وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 155 ] ، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ ، قَالَ : ( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) [ التَّوْبَةِ : 25 ] ( ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ) [ التَّوْبَةِ : 27 ] .
30 وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَمُسْتَدْرِكِ الْحَاكِمِ ، وَتَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ حَرَامًا عَلَى غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ النُّزُولِ فِيهِمْ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ ، مِنْ أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الْمُوبِقَاتِ ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ ، وَاللَّهُ [ تَعَالَى ] أَعْلَمُ .
يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا عَلَى الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ بِالنَّارِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ) أَيْ : تَقَارَبْتُمْ مِنْهُمْ وَدَنَوْتُمْ إِلَيْهِمْ ، ( فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ) أَيْ : تَفِرُّوا وَتَتْرُكُوا أَصْحَابَكُمْ ، ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ ) أَيْ : يَفِرُّ بَيْنَ يَدَيْ قِرْنِهِ مَكِيدَةً ؛ لِيُرِيَهُ أَنَّهُ [ قَدْ ] خَافَ مِنْهُ فَيَتْبَعُهُ ، ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ . نَصَّ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيُّ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : أَنْ يَتَقَدَّمَ عَنْ أَصْحَابِهِ لِيَرَى غِرَّةً مِنَ الْعَدُوِّ فَيُصِيبَهَا .
( أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ ) أَيْ : فَرَّ مِنْ هَاهُنَا إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، يُعَاوِنُهُمْ وَيُعَاوِنُوهُ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ، حَتَّى [ وَ ] لَوْ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَفَرَّ إِلَى أَمِيرِهِ أَوْ إِلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ، دَخَلَ فِي هَذِهِ الرُّخْصَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : كُنْتُ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً - وَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ - فَقُلْنَا : كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ ؟ ثُمَّ قُلْنَا : لَوْ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَبِتْنَا ؟ ثُمَّ قُلْنَا : لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَةٌ وَإِلَّا ذَهَبْنَا ؟ فَأَتَيْنَاهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَخَرَجَ فَقَالَ : مَنِ الْقَوْمُ ؟ فَقُلْنَا : نَحْنُ الْفَرَّارُونَ . فَقَالَ : لَا بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ ، أَنَا فِئَتُكُمْ ، وَأَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : فَأَتَيْنَاهُ حَتَّى قَبَّلْنَا يَدَهُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ بِهِ . وَزَادَ فِي آخِرِهِ : وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ : ( أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ )
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " الْعَكَّارُونَ " أَيْ : الْعَطَّافُونَ . وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَبِي عُبَيْدٍ لَمَّا قُتِلَ عَلَى الْجِسْرِ بِأَرْضِ فَارِسَ ، لِكَثْرَةِ الْجَيْشِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَجُوسِ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَوِ انْحَازَ إِلَيَّ كُنْتُ لَهُ فِئَةً . هَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ عُمَرَ .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ عُمَرُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَنَا فِئَتُكُمْ .
28 وَقَالَ مُجَاهِدٌ : قَالَ عُمَرُ : أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ عُمَرَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، لَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَإِنَّمَا كَانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَأَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ قُلْتُ : إِنَّا قَوْمٌ لَا نَثْبُتُ عِنْدَ قِتَالِ عَدُوِّنَا ، وَلَا نَدْرِي مَنِ الْفِئَةُ : إِمَامُنَا أَوْ عَسْكَرُنَا ؟ فَقَالَ : إِنَّ الْفِئَةَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقُلْتُ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ) فَقَالَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ ، لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ : ( أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ ) الْمُتَحَيِّزُ : الْفَارُّ إِلَى النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّ الْيَوْمَ إِلَى أَمِيرِهِ أَوْ أَصْحَابِهِ .
فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْفِرَارُ لَا عَنْ سَبَبٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَكَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ ، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ .
وَلِهَذَا الْحَدِيثِ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَقَدْ بَاءَ ) أَيْ : رَجَعَ ( بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ ) أَيْ : مَصِيرُهُ وَمُنْقَلَبُهُ يَوْمَ مِيعَادِهِ : ( جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْعَبْدِيُّ ، سَمِعْتُ السَّدُوسِيَّ - يَعْنِي ابْنَ الْخَصَاصِيَةِ ، وَهُوَ بَشِيرُ بْنُ مَعْبَدٍ - قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُبَايِعَهُ ، فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ : شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَأَنْ أُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ ، وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ أَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَأَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَّا اثْنَتَانِ فَوَاللَّهِ لَا أُطِيقُهُمَا : الْجِهَادُ ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَنْ وَلَّى الدُّبُرَ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، فَأَخَافُ إِنْ حَضَرْتُ ذَلِكَ خَشَعَتْ نَفْسِي وَكَرِهَتِ الْمَوْتَ . وَالصَّدَقَةُ ، فَوَاللَّهِ مَا لِي إِلَّا غُنَيْمَةٌ وَعَشْرُ ذَوْدٍ هُنَّ رَسَلُ أَهْلِي وَحَمُولَتَهُمْ . فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ ، ثُمَّ حَرَّكَ يَدَهُ ، ثُمَّ قَالَ : فَلَا جِهَادَ وَلَا صَدَقَةَ ، فِيمَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِذًا ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا أُبَايِعُكَ . فَبَايَعْتُهُ عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ .
29 وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ ، عَنْ ثَوْبَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ثَلَاثَةٌ لَا يَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ .
وَهَذَا أَيْضًا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيُّ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الشَّنِّيُّ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَ عَنْ جَدِّي قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ قَالَ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، بِهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهِ . وَقَالَ : غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
قُلْتُ : وَلَا يُعْرَفُ لِزَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ سِوَاهُ .
وَقَدْ ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ الْفِرَارَ إِنَّمَا كَانَ حَرَامًا عَلَى الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ - يَعْنِي الْجِهَادَ - كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : عَلَى الْأَنْصَارِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ . وَقِيلَ : [ إِنَّمَا ] الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَهْلُ بَدْرٍ خَاصَّةً ، يُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي نَضْرَةَ ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ ، وقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَحُجَّتُهُمْ فِي هَذَا : أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ عِصَابَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ يَفِيئُونَ إِلَيْهَا سِوَى عِصَابَتِهِمْ تِلْكَ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ إِنَّ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) قَالَ : ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ ، فَأَمَّا الْيَوْمُ : فَإِنِ انْحَازَ إِلَى فِئَةٍ أَوْ مِصْرٍ - أَحْسَبُهُ قَالَ : فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ : أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ فَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ النَّارَ ، قَالَ : ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ] ) ( وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 155 ] ، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ ، قَالَ : ( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) [ التَّوْبَةِ : 25 ] ( ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ) [ التَّوْبَةِ : 27 ] .
30 وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَمُسْتَدْرِكِ الْحَاكِمِ ، وَتَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ حَرَامًا عَلَى غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ النُّزُولِ فِيهِمْ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ ، مِنْ أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الْمُوبِقَاتِ ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ ، وَاللَّهُ [ تَعَالَى ] أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith