تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 6 · printed p. 51
فَصْلٌ
فَأَمَّا نَقْطُ الْمُصْحَفِ وَشَكْلُهُ ، فَيُقَالُ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَمَرَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، فَتَصَدَّى لِذَلِكَ الْحَجَّاجُ وَهُوَ بِوَاسِطٍ ، فَأَمَرَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَيَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ فَفَعَلَا ذَلِكَ ، وَيُقَالُ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ نَقَطَ الْمُصْحَفَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مُصْحَفٌ قَدْ نَقَطَهُ لَهُ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا كِتَابَةُ الْأَعْشَارِ عَلَى الْحَوَاشِي فَيُنْسَبُ إِلَى الْحَجَّاجِ أَيْضًا ، وَقِيلَ : بَلْ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ الْمَأْمُونُ ، وَحَكَى أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْشِيرَ فِي الْمُصْحَفِ ، وَكَانَ يَحُكُّهُ وَكَرِهَ مُجَاهِدٌ ذَلِكَ أَيْضًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِبْرِ ، فَأَمَّا بِالْأَلْوَانِ الْمُصَبَّغَةِ فَلَا . وَأَكْرَهُ تَعْدَادَ آيِ السُّوَرِ فِي أَوَّلِهَا فِي الْمَصَاحِفِ الْأُمَّهَاتِ ، فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّمُ فِيهِ الْغِلْمَانُ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا .
وَقَالَ قَتَادَةُ : بَدَأُوا فَنَقَطُوا ، ثُمَّ خَمَّسُوا ، ثُمَّ عَشَّرُوا . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : أَوَّلَ مَا أَحْدَثُوا النَّقْطَ عَلَى الْبَاءِ وَالتَّاءِ وَالثَّاءِ ، وَقَالُوا : لَا بَأْسَ بِهِ ، هُوَ نُورٌ لَهُ ، أَحْدَثُوا نُقَطًا عِنْدَ آخِرِ الْآيِ ، ثُمَّ أَحْدَثُوا الْفَوَاتِحَ وَالْخَوَاتِمَ .
وَرَأَى إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فَاتِحَةَ سُورَةِ كَذَا ، فَأَمَرَ بِمَحْوِهَا وَقَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَا تَخْلِطُوا بِكِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ فِيهِ . قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ : ثُمَّ قَدْ أَطْبَقَ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْأُمَّهَاتِ وَغَيْرِهَا .
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : كَانَ جِبْرِيلُ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَسَرَّ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ وَأَنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي . هَكَذَا ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا وَقَدْ أَسْنَدَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، 51 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ ، وَأَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الصَّحِيحِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْفَوَائِدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ يُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً ، فَعُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ - عَنْ أَبِي حُصِينٍ ، وَاسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ ، بِهِ . وَالْمُرَادُ مِنْ مُعَارَضَتِهِ لَهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ : مُقَابَلَتُهُ عَلَى مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، لِيُبْقِيَ مَا بَقِيَ ، وَيُذْهِبَ مَا نُسِخَ تَوْكِيدًا أَوِ اسْتِثْبَاتًا وَحِفْظًا ؛ وَلِهَذَا عَرَضَهُ فِي السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ عُمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ ، وَعَارَضَهُ بِهِ جِبْرِيلُ كَذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا فَهِمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اقْتِرَابَ أَجَلِهِ ، وَعُثْمَانُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، جَمَعَ الْمُصْحَفَ الْإِمَامَ عَلَى الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ ، وَخُصَّ بِذَلِكَ رَمَضَانُ مِنْ بَيْنِ الشُّهُورِ ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْإِيحَاءِ كَانَ فِيهِ ؛ وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ دِرَاسَةُ الْقُرْآنِ وَتَكْرَارُهُ فِيهِ ، وَمِنْ ثَمَّ اجْتِهَادُ الْأَئِمَّةِ فِيهِ فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِذَلِكَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith