تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 60 · printed p. 172
( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) )
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( أُولَئِكَ ) أَيْ : الْمُتَّصِفُونَ بِمَا تَقَدَّمَ : مِنَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَالْإِنْفَاقِ مِنَ الَّذِي رَزَقَهُمُ اللَّهُ ، وَالْإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَى الرَّسُولِ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ ، وَالْإِيقَانِ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِعْدَادَ لَهَا مِنَ الْعَمَلِ بِالصَّالِحَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ .
( عَلَى هُدًى ) أَيْ : نُورٍ وَبَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
172
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) أَيْ : عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَاسْتِقَامَةٍ عَلَى مَا جَاءَهُمْ ، ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أَيْ : الَّذِينَ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوا ، وَنَجَوْا مِنْ شَرِّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُمْ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَبُرْهَانٍ وَاسْتِقَامَةٍ وَسَدَادٍ ، بِتَسْدِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ، وَتَوْفِيقِهِ لَهُمْ وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أَيِ الْمُنْجَحُونَ الْمُدْرِكُونَ مَا طَلَبُوا عِنْدَ اللَّهِ بِأَعْمَالِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، مِنَ الْفَوْزِ بِالثَّوَابِ ، وَالْخُلُودِ فِي الْجَنَّاتِ ، وَالنَّجَاةِ مِمَّا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْعِقَابِ .
وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَعَادَ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) إِلَى مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَوْصُوفِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) الْآيَةَ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخِلَافِ . [ قَالَ ] وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) مُنْقَطِعًا مِمَّا قَبْلَهُ ، وَأَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ ( [ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَ ] أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وَاخْتَارَ أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى جَمِيعِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ مُؤْمِنِي الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، لِمَا رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ أَمَّا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، فَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْعَرَبِ ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . ثُمَّ جَمَعَ الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ : ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْجِيحِ أَنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً ، وَالْإِشَارَةُ عَائِدَةٌ عَلَيْهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ نُقِلَ هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَقَتَادَةَ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ وَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ فَنَرْجُو ، وَنَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ فَنَكَادُ أَنْ نَيْأَسَ ، أَوْ كَمَا قَالَ . قَالَ : فَقَالَ : أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ ؟ . قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : ( الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( الْمُفْلِحُونَ ) هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ . قَالُوا : إِنَّا نَرْجُو أَنْ نَكُونَ هَؤُلَاءِ . ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( عَظِيمٌ ) هَؤُلَاءِ أَهْلُ النَّارِ . قَالُوا : لَسْنَا هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : أَجَلْ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith