تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ( 38 ) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 39 ) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( 40 ) )
يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا ) أَيْ : عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمُشَاقَّةِ وَالْعِنَادِ وَيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِنَابَةِ - يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ، أَيْ : مِنْ كُفْرِهِمْ ، وَذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ ، لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ ، أُخِذَ بِالْأَوَّلِ 55 وَالْآخِرِ .
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ يَعُودُوا ) أَيْ : يَسْتَمِرُّوا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ ، ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) أَيْ : فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُنَا فِي الْأَوَّلِينَ أَنَّهُمْ إِذَا كَذَّبُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى عِنَادِهِمْ ، أَنَّا نُعَاجِلُهُمْ بِالْعَذَابِ وَالْعُقُوبَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) أَيْ : فِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : أَيْ : يَوْمَ بَدْرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ بُكَيْرٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) الْآيَةَ [ الْحُجُرَاتِ : 9 ] ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَلَّا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، أُعَيَّرُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلُ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بِالْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [ النِّسَاءِ : 93 ] ، قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا وَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ : إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُوثِقُوهُ ، حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ فِيمَا يُرِيدُ ، قَالَ : فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا قَوْلِي فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ؟ أَمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ ، وَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَتَنُهُ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ - وَهَذِهِ ابْنَتُهُ أَوْ : بِنْتُهُ - حَيْثُ تَرَوْنَ .
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ أَنَّ وَبْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا - أَوْ : إِلَيْنَا - ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ رَجُلٌ : كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ ؟ فَقَالَ : وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً ، وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ .
هَذَا كُلُّهُ سِيَاقُ الْبُخَارِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَنَعُوا مَا تَرَى ، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ ؟ قَالَ : يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ دَمَ أَخِي الْمُسْلِمِ . قَالُوا : أَوْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ : 56 ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) ؟ قَالَ : قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، وَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ .
وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيِّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَاتَلْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي حَتَّى كَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَذَهَبَ الشِّرْكُ وَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، وَلَكِنَّكَ وَأَصْحَابَكَ تُقَاتِلُونَ حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ . رَوَاهُمَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ ذُو الْبُطَيْنِ - يَعْنِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - لَا أُقَاتِلُ رَجُلًا يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَبَدًا . قَالَ : فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ : وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُ رَجُلًا يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَبَدًا . فَقَالَ رَجُلٌ : أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) ؟ فَقَالَا قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، وَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) يَعْنِي : [ حَتَّى ] لَا يَكُونَ شِرْكٌ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ عَنْ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : بَلَغَنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا : ( حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) حَتَّى لَا يُفْتَنَ مُسْلِمٌ عَنْ دِينِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) قَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، قَالَ : يُخْلِصُ التَّوْحِيدَ لِلَّهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) أَنْ يُقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : وَيَكُونَ التَّوْحِيدُ خَالِصًا لِلَّهِ ، لَيْسَ فِيهِ شِرْكٌ ، وَيَخْلَعَ مَا دُونَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) لَا يَكُونُ مَعَ دِينِكُمْ كُفْرٌ .
وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شُجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً ، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً ، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ : مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ 57 كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنِ انْتَهَوْا ) أَيْ : بِقِتَالِكُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ ، فَكَفُّوا عَنْهُ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا بَوَاطِنَهُمْ ، ( فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ التَّوْبَةِ : 5 ] ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) [ التَّوْبَةِ : 11 ] .
وَقَالَ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) [ الْبَقَرَةِ : 193 ] . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأُسَامَةَ لَمَّا عَلَا ذَلِكَ الرَّجُلَ بِالسَّيْفِ فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ لِأُسَامَةَ : أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا . قَالَ : هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ ؟ ، وَجَعَلَ يَقُولُ وَيُكَرِّرُ عَلَيْهِ : مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ أُسَامَةُ : حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) أَيْ : وَإِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى خِلَافِكُمْ وَمُحَارَبَتِكُمْ ، ( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ) سَيِّدُكُمْ وَنَاصِرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ ، فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَطَّارُ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ : أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ : سَلَامٌ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنْ مُخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ ، وَسَأُخْبِرُكَ بِهِ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . كَانَ مِنْ شَأْنِ مُخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ ، أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ النُّبُوَّةَ ، فَنِعْمَ النَّبِيُّ ، وَنِعْمَ السَّيِّدُ ، وَنِعْمَ الْعَشِيرَةُ ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا ، وَعَرَّفَنَا وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَحْيَانَا عَلَى مِلَّتِهِ ، وَأَمَاتَنَا عَلَيْهَا ، وَبَعَثَنَا عَلَيْهِ ، وَإِنَّهُ لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ لِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَبْعُدُوا مِنْهُ أَوَّلَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، وَكَادُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُ ، حَتَّى ذَكَرَ طَوَاغِيتَهُمْ ، وَقَدِمَ نَاسٌ مِنَ الطَّائِفِ مِنْ قُرَيْشٍ ، لَهُمْ أَمْوَالٌ ، أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِ وَكَرِهُوا مَا قَالَ ، وَأَغْرَوْا بِهِ مَنْ أَطَاعَهُمْ ، فَانْصَفَقَ عَنْهُ عَامَّةُ النَّاسِ ، فَتَرَكُوهُ إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ ، وَهُمْ قَلِيلٌ . فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ، ثُمَّ ائْتَمَرَتْ رُءُوسُهُمْ بِأَنْ يَفْتِنُوا مَنِ اتَّبَعَهُ عَنْ دِينِ اللَّهِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ، وَقَبَائِلِهِمْ ، فَكَانَتْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةُ الزِّلْزَالِ ، فَافْتَتَنَ مَنِ افْتَتَنَ ، وَعَصَمَ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، فَلَمَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ . وَكَانَ 58 بِالْحَبَشَةِ مَلِكٌ صَالِحٌ يُقَالُ لَهُ : النَّجَاشِيُّ ، لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ بِأَرْضِهِ ، وَكَانَ يُثْنَى عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ أَرْضُ الْحَبَشَةِ مَتْجَرًا لِقُرَيْشٍ ، يَتَّجِرُونَ فِيهَا ، وَكَانَتْ مَسْكَنًا لِتُجَّارِهِمْ ، يَجِدُونَ فِيهَا رَفَاغًا مِنَ الرِّزْقِ وَأَمْنًا وَمَتْجَرًا حَسَنًا ، فَأَمَرَهُمْ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَهَبَ إِلَيْهَا عَامَّتُهُمْ لَمَّا قُهِرُوا بِمَكَّةَ ، وَخَافَ عَلَيْهِمُ الْفِتَنَ . وَمَكَثَ هُوَ فَلَمْ يَبْرَحْ . فَمَكَثَ بِذَلِكَ سَنَوَاتٍ يَشْتَدُّونَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ . ثُمَّ إِنَّهُ فَشَا الْإِسْلَامُ فِيهَا ، وَدَخَلَ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ . فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ . اسْتَرْخَوُا اسْتِرْخَاءَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَتِ الْفِتْنَةُ الْأُولَى هِيَ أَخْرَجَتْ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَخَافَتَهَا ، وَفِرَارًا مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْفِتَنِ وَالزِّلْزَالِ ، فَلَمَّا اسْتُرْخِيَ عَنْهُمْ وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ ، تُحُدِّثَ بِاسْتِرْخَائِهِمْ عَنْهُمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَدِ اسْتُرْخِيَ عَمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ، فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ ، وَكَادُوا يَأْمَنُونَ بِهَا ، وَجَعَلُوا يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ . وَأَنَّهُ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ نَاسٌ كَثِيرٌ ، وَفَشَا بِالْمَدِينَةِ الْإِسْلَامُ ، وَطَفِقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ ، تَآمَرَتْ عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ وَيَشْتَدُّوا ، فَأَخَذُوهُمْ ، فَحَرَصُوا عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ ، فَأَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ ، فَكَانَتِ الْفِتْنَةُ الْأَخِيرَةُ ، فَكَانَتْ فِتْنَتَانِ : فِتْنَةٌ أَخْرَجَتْ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، حِينَ أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهَا - وَفِتْنَةٌ لَمَّا رَجَعُوا وَرَأَوْا مَنْ يَأْتِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ سَبْعُونَ نَقِيبًا ، رُءُوسُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ، فَوَافَوْهُ بِالْحَجِّ ، فَبَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ ، وَأَعْطَوْهُ عُهُودَهُمْ عَلَى أَنَّا مِنْكَ وَأَنْتَ مِنَّا ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَوْ جِئْتَنَا ، فَإِنَّا نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَهِيَ الْفِتْنَةُ الْآخِرَةُ الَّتِي أَخْرَجَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ ، وَخَرَجَ هُوَ ، وَهِيَ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهَا : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) .
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ - بِهَذَا ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَى عُرْوَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا ) أَيْ : عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمُشَاقَّةِ وَالْعِنَادِ وَيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِنَابَةِ - يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ، أَيْ : مِنْ كُفْرِهِمْ ، وَذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ ، لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ ، أُخِذَ بِالْأَوَّلِ 55 وَالْآخِرِ .
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ يَعُودُوا ) أَيْ : يَسْتَمِرُّوا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ ، ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) أَيْ : فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُنَا فِي الْأَوَّلِينَ أَنَّهُمْ إِذَا كَذَّبُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى عِنَادِهِمْ ، أَنَّا نُعَاجِلُهُمْ بِالْعَذَابِ وَالْعُقُوبَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) أَيْ : فِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : أَيْ : يَوْمَ بَدْرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ بُكَيْرٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) الْآيَةَ [ الْحُجُرَاتِ : 9 ] ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَلَّا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، أُعَيَّرُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلُ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بِالْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [ النِّسَاءِ : 93 ] ، قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا وَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ : إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُوثِقُوهُ ، حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ فِيمَا يُرِيدُ ، قَالَ : فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا قَوْلِي فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ؟ أَمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ ، وَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَتَنُهُ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ - وَهَذِهِ ابْنَتُهُ أَوْ : بِنْتُهُ - حَيْثُ تَرَوْنَ .
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ أَنَّ وَبْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا - أَوْ : إِلَيْنَا - ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ رَجُلٌ : كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ ؟ فَقَالَ : وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً ، وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ .
هَذَا كُلُّهُ سِيَاقُ الْبُخَارِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَنَعُوا مَا تَرَى ، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ ؟ قَالَ : يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ دَمَ أَخِي الْمُسْلِمِ . قَالُوا : أَوْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ : 56 ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) ؟ قَالَ : قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، وَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ .
وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيِّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَاتَلْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي حَتَّى كَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَذَهَبَ الشِّرْكُ وَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، وَلَكِنَّكَ وَأَصْحَابَكَ تُقَاتِلُونَ حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ . رَوَاهُمَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ ذُو الْبُطَيْنِ - يَعْنِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - لَا أُقَاتِلُ رَجُلًا يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَبَدًا . قَالَ : فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ : وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُ رَجُلًا يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَبَدًا . فَقَالَ رَجُلٌ : أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) ؟ فَقَالَا قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، وَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) يَعْنِي : [ حَتَّى ] لَا يَكُونَ شِرْكٌ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ عَنْ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : بَلَغَنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا : ( حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) حَتَّى لَا يُفْتَنَ مُسْلِمٌ عَنْ دِينِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) قَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، قَالَ : يُخْلِصُ التَّوْحِيدَ لِلَّهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) أَنْ يُقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : وَيَكُونَ التَّوْحِيدُ خَالِصًا لِلَّهِ ، لَيْسَ فِيهِ شِرْكٌ ، وَيَخْلَعَ مَا دُونَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) لَا يَكُونُ مَعَ دِينِكُمْ كُفْرٌ .
وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شُجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً ، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً ، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ : مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ 57 كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنِ انْتَهَوْا ) أَيْ : بِقِتَالِكُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ ، فَكَفُّوا عَنْهُ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا بَوَاطِنَهُمْ ، ( فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ التَّوْبَةِ : 5 ] ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) [ التَّوْبَةِ : 11 ] .
وَقَالَ : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) [ الْبَقَرَةِ : 193 ] . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأُسَامَةَ لَمَّا عَلَا ذَلِكَ الرَّجُلَ بِالسَّيْفِ فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ لِأُسَامَةَ : أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا . قَالَ : هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ ؟ ، وَجَعَلَ يَقُولُ وَيُكَرِّرُ عَلَيْهِ : مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ أُسَامَةُ : حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) أَيْ : وَإِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى خِلَافِكُمْ وَمُحَارَبَتِكُمْ ، ( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ) سَيِّدُكُمْ وَنَاصِرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ ، فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَطَّارُ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ : أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ : سَلَامٌ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنْ مُخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ ، وَسَأُخْبِرُكَ بِهِ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . كَانَ مِنْ شَأْنِ مُخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ ، أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ النُّبُوَّةَ ، فَنِعْمَ النَّبِيُّ ، وَنِعْمَ السَّيِّدُ ، وَنِعْمَ الْعَشِيرَةُ ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا ، وَعَرَّفَنَا وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَحْيَانَا عَلَى مِلَّتِهِ ، وَأَمَاتَنَا عَلَيْهَا ، وَبَعَثَنَا عَلَيْهِ ، وَإِنَّهُ لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ لِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَبْعُدُوا مِنْهُ أَوَّلَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، وَكَادُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُ ، حَتَّى ذَكَرَ طَوَاغِيتَهُمْ ، وَقَدِمَ نَاسٌ مِنَ الطَّائِفِ مِنْ قُرَيْشٍ ، لَهُمْ أَمْوَالٌ ، أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِ وَكَرِهُوا مَا قَالَ ، وَأَغْرَوْا بِهِ مَنْ أَطَاعَهُمْ ، فَانْصَفَقَ عَنْهُ عَامَّةُ النَّاسِ ، فَتَرَكُوهُ إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ ، وَهُمْ قَلِيلٌ . فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ، ثُمَّ ائْتَمَرَتْ رُءُوسُهُمْ بِأَنْ يَفْتِنُوا مَنِ اتَّبَعَهُ عَنْ دِينِ اللَّهِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ، وَقَبَائِلِهِمْ ، فَكَانَتْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةُ الزِّلْزَالِ ، فَافْتَتَنَ مَنِ افْتَتَنَ ، وَعَصَمَ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، فَلَمَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ . وَكَانَ 58 بِالْحَبَشَةِ مَلِكٌ صَالِحٌ يُقَالُ لَهُ : النَّجَاشِيُّ ، لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ بِأَرْضِهِ ، وَكَانَ يُثْنَى عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ أَرْضُ الْحَبَشَةِ مَتْجَرًا لِقُرَيْشٍ ، يَتَّجِرُونَ فِيهَا ، وَكَانَتْ مَسْكَنًا لِتُجَّارِهِمْ ، يَجِدُونَ فِيهَا رَفَاغًا مِنَ الرِّزْقِ وَأَمْنًا وَمَتْجَرًا حَسَنًا ، فَأَمَرَهُمْ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَهَبَ إِلَيْهَا عَامَّتُهُمْ لَمَّا قُهِرُوا بِمَكَّةَ ، وَخَافَ عَلَيْهِمُ الْفِتَنَ . وَمَكَثَ هُوَ فَلَمْ يَبْرَحْ . فَمَكَثَ بِذَلِكَ سَنَوَاتٍ يَشْتَدُّونَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ . ثُمَّ إِنَّهُ فَشَا الْإِسْلَامُ فِيهَا ، وَدَخَلَ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ . فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ . اسْتَرْخَوُا اسْتِرْخَاءَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَتِ الْفِتْنَةُ الْأُولَى هِيَ أَخْرَجَتْ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَخَافَتَهَا ، وَفِرَارًا مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْفِتَنِ وَالزِّلْزَالِ ، فَلَمَّا اسْتُرْخِيَ عَنْهُمْ وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ ، تُحُدِّثَ بِاسْتِرْخَائِهِمْ عَنْهُمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَدِ اسْتُرْخِيَ عَمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ، فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ ، وَكَادُوا يَأْمَنُونَ بِهَا ، وَجَعَلُوا يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ . وَأَنَّهُ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ نَاسٌ كَثِيرٌ ، وَفَشَا بِالْمَدِينَةِ الْإِسْلَامُ ، وَطَفِقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ ، تَآمَرَتْ عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ وَيَشْتَدُّوا ، فَأَخَذُوهُمْ ، فَحَرَصُوا عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ ، فَأَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ ، فَكَانَتِ الْفِتْنَةُ الْأَخِيرَةُ ، فَكَانَتْ فِتْنَتَانِ : فِتْنَةٌ أَخْرَجَتْ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، حِينَ أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهَا - وَفِتْنَةٌ لَمَّا رَجَعُوا وَرَأَوْا مَنْ يَأْتِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ سَبْعُونَ نَقِيبًا ، رُءُوسُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ، فَوَافَوْهُ بِالْحَجِّ ، فَبَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ ، وَأَعْطَوْهُ عُهُودَهُمْ عَلَى أَنَّا مِنْكَ وَأَنْتَ مِنَّا ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَوْ جِئْتَنَا ، فَإِنَّا نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَهِيَ الْفِتْنَةُ الْآخِرَةُ الَّتِي أَخْرَجَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ ، وَخَرَجَ هُوَ ، وَهِيَ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهَا : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) .
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ - بِهَذَا ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَى عُرْوَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith