تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 615 · printed p. 77
( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَامٍ لِلْعَبِيدِ ( 51 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : وَلَوْ عَايَنْتَ يَا مُحَمَّدُ حَالَ تَوَفِّي الْمَلَائِكَةِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ ، لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَظِيمًا هَائِلًا فَظِيعًا مُنْكَرًا ؛ إِذْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ : ( ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَأَدْبَارَهُمْ ) أَسْتَاهَهُمْ ، قَالَ : يَوْمَ بَدْرٍ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِذَا أَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ ضَرَبُوا وُجُوهَهُمْ بِالسُّيُوفِ ، وَإِذَا وَلَّوْا أَدْرَكَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَضَرَبُوا أَدْبَارَهُمْ .
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : ( إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) 77 يَوْمَ بَدْرٍ .
وَقَالَ وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) قَالَ : وَأَسْتَاهَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَكْنِي .
وَكَذَا قَالَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ .
وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : ۝ قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَأَيْتُ بِظَهْرِ أَبِي جَهْلٍ مِثْلَ الشِّرَاكِ قَالَ مَا ذَاكَ ؟ قَالَ : ضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ .
وَهَذَا السِّيَاقُ - وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ وَقْعَةَ بَدْرٍ - وَلَكِنَّهُ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ كَافِرٍ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُخَصِّصْهُ تَعَالَى بِأَهْلِ بَدْرٍ ، بَلْ قَالَ تَعَالَى : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) وَفِي سُورَةِ الْقِتَالِ مِثْلُهَا وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [ عِنْدَ ] قَوْلِهِ : ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ) [ الْأَنْعَامِ : 93 ] أَيْ : بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ بِالضَّرْبِ فِيهِمْ ، يَأْمُرُونَهُمْ إِذَا اسْتَصْعَبَتْ أَنْفُسُهُمْ وَامْتَنَعَتْ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْأَجْسَادِ أَنْ تَخْرُجَ قَهْرًا . وَذَلِكَ إِذْ بَشَّرُوهُمْ بِالْعَذَابِ وَالْغَضَبِ مِنَ اللَّهِ ، كَمَا [ جَاءَ ] فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : ۝ إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ - إِذَا جَاءَ الْكَافِرَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْمُنْكَرَةِ - يَقُولُ : اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ إِلَى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ، فَتَتَفَرَّقُ فِي بَدَنِهِ ، فَيَسْتَخْرِجُونَهَا مِنْ جَسَدِهِ ، كَمَا يَخْرُجُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَتَخْرُجُ مَعَهَا الْعُرُوقُ وَالْعَصَبُ ؛ وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ لَهُمْ : ( وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ )
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) أَيْ : هَذَا الْجَزَاءُ بِسَبَبِ مَا عَمِلْتُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ، جَازَاكُمُ اللَّهُ بِهَا هَذَا الْجَزَاءَ ، ( وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) أَيْ : لَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ ، بَلْ هُوَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ ، الَّذِي لَا يَجُورُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ ، الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا . يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى :
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith