تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 28 ) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ( 29 ) )
أَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنَيْنِ الطَّاهِرِينَ دِينًا وَذَاتًا بِنَفْيِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ نَجَسٌ دِينًا ، عَنِ الْمَسْجِدِ 131 الْحَرَامِ ، وَأَلَّا يَقْرَبُوهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَكَانَ نُزُولُهَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ ؛ وَلِهَذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَامَئِذٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي الْمُشْرِكِينَ : أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ . فَأَتَمَّ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَحَكَمَ بِهِ شَرْعًا وَقَدَرًا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا ، أَوْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ .
وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنِ الْأَشْعَثِ - يَعْنِي : ابْنَ سَوَّارٍ - عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَدْخُلُ مَسْجِدَنَا بَعْدَ عَامِنَا هَذَا مُشْرِكٌ ، إِلَّا أَهْلُ الْعَهْدِ وَخَدَمُهُمْ .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا ، وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ إِسْنَادًا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنِ امْنَعُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ دُخُولِ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَتْبَعَ نَهْيَهُ قَوْلَ اللَّهِ : ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )
وَقَالَ عَطَاءٌ : الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) .
وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُشْرِكِ كَمَا دَلَّتْ [ عَلَى طَهَارَةِ الْمُؤْمِنِ ، وَلِمَا ] وَرَدَ فِي [ الْحَدِيثِ ] الصَّحِيحِ : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ وَأَمَّا نَجَاسَةُ بَدَنِهِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْبَدَنِ وَالذَّاتِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَذَهَبَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ إِلَى نَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ .
وَقَالَ أَشْعَثُ ، عَنِ الْحَسَنِ : مَنْ صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا : لَتَنْقَطِعَنَّ عَنَّا الْأَسْوَاقُ ، وَلَتَهْلِكَنَّ التِّجَارَةُ وَلَيَذْهَبَنَّ مَا كُنَّا نُصِيبُ فِيهَا مِنَ الْمَرَافِقِ ، فَنَزَلَتْ ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ ذَلِكَ - ( إِنْ شَاءَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَهُمْ صَاغِرُونَ ) أَيْ : إِنَّ هَذَا عِوَضُ مَا تَخَوَّفْتُمْ مِنْ قَطْعِ تِلْكَ الْأَسْوَاقِ ، فَعَوَّضَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَطَعَ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ الشِّرْكِ ، مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ أَعْنَاقِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، مِنَ الْجِزْيَةِ .
132 وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ .
( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ) أَيْ : بِمَا يُصْلِحُكُمْ ، ( حَكِيمٌ ) أَيْ : فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ الْكَامِلُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ، الْعَادِلُ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ؛ وَلِهَذَا عَوَّضَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْمَكَاسِبِ بِأَمْوَالِ الْجِزْيَةِ الَّتِي يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَقَالَ : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) فَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمَّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَبْقَ لَهُمْ إِيمَانٌ صَحِيحٌ بِأَحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَلَا بِمَا جَاءُوا بِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ وَآبَاءَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ ، لَا لِأَنَّهُ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِمَا بِأَيْدِيهِمْ إِيمَانًا صَحِيحًا لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ [ الْأَقْدَمِينَ ] بَشَّرُوا بِهِ ، وَأَمَرُوا بِاتِّبَاعِهِ ، فَلَمَّا جَاءَ وَكَفَرُوا بِهِ - وَهُوَ أَشْرَفُ الرُّسُلِ - عُلِمَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرْعِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، بَلْ لِحُظُوظِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ ، فَلِهَذَا لَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ بِبَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ كَفَرُوا بِسَيِّدِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ وَخَاتَمِهِمْ وَأَكْمَلِهِمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ [ نَزَلَتْ ] أَوَّلَ الْأَمْرِ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، بَعْدَ مَا تَمَهَّدَتْ أُمُورُ الْمُشْرِكِينَ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَلَمَّا اسْتَقَامَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ ؛ وَلِهَذَا تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقِتَالِ الرُّومِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَظْهَرَهُ لَهُمْ ، وَبَعَثَ إِلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ فَنَدَبَهُمْ ، فَأَوْعَبُوا مَعَهُ ، وَاجْتَمَعَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ نَحْوٌ [ مِنْ ] ثَلَاثِينَ أَلْفًا ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَامِ جَدْبٍ ، وَوَقْتِ قَيْظٍ وَحَرٍّ ، وَخَرَجَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُرِيدُ الشَّامَ لِقِتَالِ الرُّومِ ، فَبَلَغَ تَبُوكَ ، فَنَزَلَ بِهَا وَأَقَامَ عَلَى مَائِهَا قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ اسْتَخَارَ اللَّهَ فِي الرُّجُوعِ ، فَرَجَعَ عَامَهُ ذَلِكَ لِضِيقِ الْحَالِ وَضَعْفِ النَّاسِ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَوْ مِنْ أَشْبَاهِهِمْ كَالْمَجُوسِ ، لِمَا صَحَّ فِيهِمُ الْحَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ - فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ الْأَعَاجِمِ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ : بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُضْرَبَ الْجِزْيَةُ عَلَى جَمِيعِ الْكُفَّارِ مِنْ كِتَابِيٍ ، وَمَجُوسِيٍ ، وَوَثَنِيٍ ، 133 وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِمَأْخَذِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَذِكْرِ أَدِلَّتِهَا مَكَانٌ غَيْرُ هَذَا ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) أَيْ : إِنْ لَمْ يُسْلِمُوا ، ( عَنْ يَدٍ ) أَيْ : عَنْ قَهْرٍ لَهُمْ وَغَلَبَةٍ ، ( وَهُمْ صَاغِرُونَ ) أَيْ : ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ مُهَانُونَ . فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إِعْزَازُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا رَفْعُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ هُمْ أَذِلَّاءُ صَغَرَةٌ أَشْقِيَاءُ ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ .
وَلِهَذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تِلْكَ الشُّرُوطِ الْمَعْرُوفَةَ فِي إِذْلَالِهِمْ وَتَصْغِيرِهِمْ وَتَحْقِيرِهِمْ ، وَذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْحُفَّاظُ ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ صَالَحَ نَصَارَى مِنْ أَهْلِ الشَّامِ :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصَارَى مَدِينَةِ كَذَا وَكَذَا ، إِنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا سَأَلْنَاكُمُ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا وَذَرَارِينَا وَأَمْوَالِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا وَشَرَطْنَا لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا أَلَّا نُحْدِثَ فِي مَدِينَتِنَا وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً ، وَلَا قِلَايَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ ، وَلَا نُجَدِّدَ مَا خَرِبَ مِنْهَا ، وَلَا نُحْيِيَ مِنْهَا مَا كَانَ خُطَطَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَلَّا نَمْنَعَ كَنَائِسَنَا أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ ، وَأَنْ نُوَسِّعَ أَبْوَابَهَا لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَأَنْ يَنْزِلَ مَنْ مَرَّ بِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ نُطْعِمُهُمْ ، وَلَا نُئْوِيَ فِي كَنَائِسِنَا وَلَا مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا ، وَلَا نَكْتُمَ غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَا نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا الْقُرْآنَ ، وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا ، وَلَا نَدْعُوَ إِلَيْهِ أَحَدًا ؛ وَلَا نَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ ذَوِي قَرَابَتِنَا الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ أَرَادُوهُ ، وَأَنْ نُوَقِّرَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنْ نَقُومَ لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِنَا إِنْ أَرَادُوا الْجُلُوسَ ، وَلَا نَتَشَبَّهَ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ مَلَابِسِهِمْ ، فِي قَلَنْسُوَةٍ ، وَلَا عِمَامَةٍ ، وَلَا نَعْلَيْنِ ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ ، وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ ، وَلَا نَكْتَنِيَ بِكُنَاهُمْ ، وَلَا نَرْكَبَ السُّرُوجَ ، وَلَا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلَاحِ ، وَلَا نَحْمِلَهُ مَعَنَا ، وَلَا نَنْقُشَ خَوَاتِيمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا نَبِيعَ الْخُمُورَ ، وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِيمَ رُءُوسِنَا ، وَأَنْ نَلْزَمَ زِيَّنَا حَيْثُمَا كُنَّا ، وَأَنْ نَشُدَّ الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا ، وَأَلَّا نُظْهِرَ الصَّلِيبَ عَلَى كَنَائِسِنَا ، وَأَلَّا نُظْهِرَ صُلُبَنَا وَلَا كُتُبَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ ، وَلَا نَضْرِبَ نَوَاقِيسَنَا فِي كَنَائِسِنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا ، وَأَلَّا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا نُخْرِجَ شَعَانِينَ وَلَا بَاعُوثًا ، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا ، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ ، وَلَا نُجَاوِرَهُمْ بِمَوْتَانَا ، وَلَا نَتَّخِذَ مِنَ الرَّقِيقِ مَا جَرَى عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنْ نُرْشِدَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا نَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ .
134 قَالَ : فَلَمَّا أَتَيْتُ عُمَرَ بِالْكِتَابِ ، زَادَ فِيهِ : وَلَا نَضْرِبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، شَرَطْنَا لَكُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا ، وَقَبِلْنَا عَلَيْهِ الْأَمَانَ ، فَإِنْ نَحْنُ خَالَفْنَا فِي شَيْءٍ مِمَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ وَوَظَّفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا ، فَلَا ذِمَّةَ لَنَا ، وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مِنَّا مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ .
أَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنَيْنِ الطَّاهِرِينَ دِينًا وَذَاتًا بِنَفْيِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ نَجَسٌ دِينًا ، عَنِ الْمَسْجِدِ 131 الْحَرَامِ ، وَأَلَّا يَقْرَبُوهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَكَانَ نُزُولُهَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ ؛ وَلِهَذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَامَئِذٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي الْمُشْرِكِينَ : أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ . فَأَتَمَّ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَحَكَمَ بِهِ شَرْعًا وَقَدَرًا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا ، أَوْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ .
وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنِ الْأَشْعَثِ - يَعْنِي : ابْنَ سَوَّارٍ - عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَدْخُلُ مَسْجِدَنَا بَعْدَ عَامِنَا هَذَا مُشْرِكٌ ، إِلَّا أَهْلُ الْعَهْدِ وَخَدَمُهُمْ .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا ، وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ إِسْنَادًا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنِ امْنَعُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ دُخُولِ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَتْبَعَ نَهْيَهُ قَوْلَ اللَّهِ : ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )
وَقَالَ عَطَاءٌ : الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) .
وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُشْرِكِ كَمَا دَلَّتْ [ عَلَى طَهَارَةِ الْمُؤْمِنِ ، وَلِمَا ] وَرَدَ فِي [ الْحَدِيثِ ] الصَّحِيحِ : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ وَأَمَّا نَجَاسَةُ بَدَنِهِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْبَدَنِ وَالذَّاتِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَذَهَبَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ إِلَى نَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ .
وَقَالَ أَشْعَثُ ، عَنِ الْحَسَنِ : مَنْ صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا : لَتَنْقَطِعَنَّ عَنَّا الْأَسْوَاقُ ، وَلَتَهْلِكَنَّ التِّجَارَةُ وَلَيَذْهَبَنَّ مَا كُنَّا نُصِيبُ فِيهَا مِنَ الْمَرَافِقِ ، فَنَزَلَتْ ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ ذَلِكَ - ( إِنْ شَاءَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَهُمْ صَاغِرُونَ ) أَيْ : إِنَّ هَذَا عِوَضُ مَا تَخَوَّفْتُمْ مِنْ قَطْعِ تِلْكَ الْأَسْوَاقِ ، فَعَوَّضَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَطَعَ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ الشِّرْكِ ، مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ أَعْنَاقِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، مِنَ الْجِزْيَةِ .
132 وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ .
( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ) أَيْ : بِمَا يُصْلِحُكُمْ ، ( حَكِيمٌ ) أَيْ : فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ الْكَامِلُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ، الْعَادِلُ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ؛ وَلِهَذَا عَوَّضَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْمَكَاسِبِ بِأَمْوَالِ الْجِزْيَةِ الَّتِي يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَقَالَ : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) فَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمَّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَبْقَ لَهُمْ إِيمَانٌ صَحِيحٌ بِأَحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَلَا بِمَا جَاءُوا بِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ وَآبَاءَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ ، لَا لِأَنَّهُ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِمَا بِأَيْدِيهِمْ إِيمَانًا صَحِيحًا لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ [ الْأَقْدَمِينَ ] بَشَّرُوا بِهِ ، وَأَمَرُوا بِاتِّبَاعِهِ ، فَلَمَّا جَاءَ وَكَفَرُوا بِهِ - وَهُوَ أَشْرَفُ الرُّسُلِ - عُلِمَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرْعِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، بَلْ لِحُظُوظِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ ، فَلِهَذَا لَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ بِبَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ كَفَرُوا بِسَيِّدِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ وَخَاتَمِهِمْ وَأَكْمَلِهِمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ [ نَزَلَتْ ] أَوَّلَ الْأَمْرِ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، بَعْدَ مَا تَمَهَّدَتْ أُمُورُ الْمُشْرِكِينَ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَلَمَّا اسْتَقَامَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ ؛ وَلِهَذَا تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقِتَالِ الرُّومِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَظْهَرَهُ لَهُمْ ، وَبَعَثَ إِلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ فَنَدَبَهُمْ ، فَأَوْعَبُوا مَعَهُ ، وَاجْتَمَعَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ نَحْوٌ [ مِنْ ] ثَلَاثِينَ أَلْفًا ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَامِ جَدْبٍ ، وَوَقْتِ قَيْظٍ وَحَرٍّ ، وَخَرَجَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُرِيدُ الشَّامَ لِقِتَالِ الرُّومِ ، فَبَلَغَ تَبُوكَ ، فَنَزَلَ بِهَا وَأَقَامَ عَلَى مَائِهَا قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ اسْتَخَارَ اللَّهَ فِي الرُّجُوعِ ، فَرَجَعَ عَامَهُ ذَلِكَ لِضِيقِ الْحَالِ وَضَعْفِ النَّاسِ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَوْ مِنْ أَشْبَاهِهِمْ كَالْمَجُوسِ ، لِمَا صَحَّ فِيهِمُ الْحَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ - فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ الْأَعَاجِمِ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ : بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُضْرَبَ الْجِزْيَةُ عَلَى جَمِيعِ الْكُفَّارِ مِنْ كِتَابِيٍ ، وَمَجُوسِيٍ ، وَوَثَنِيٍ ، 133 وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِمَأْخَذِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَذِكْرِ أَدِلَّتِهَا مَكَانٌ غَيْرُ هَذَا ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) أَيْ : إِنْ لَمْ يُسْلِمُوا ، ( عَنْ يَدٍ ) أَيْ : عَنْ قَهْرٍ لَهُمْ وَغَلَبَةٍ ، ( وَهُمْ صَاغِرُونَ ) أَيْ : ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ مُهَانُونَ . فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إِعْزَازُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا رَفْعُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ هُمْ أَذِلَّاءُ صَغَرَةٌ أَشْقِيَاءُ ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ .
وَلِهَذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تِلْكَ الشُّرُوطِ الْمَعْرُوفَةَ فِي إِذْلَالِهِمْ وَتَصْغِيرِهِمْ وَتَحْقِيرِهِمْ ، وَذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْحُفَّاظُ ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ صَالَحَ نَصَارَى مِنْ أَهْلِ الشَّامِ :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصَارَى مَدِينَةِ كَذَا وَكَذَا ، إِنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا سَأَلْنَاكُمُ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا وَذَرَارِينَا وَأَمْوَالِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا وَشَرَطْنَا لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا أَلَّا نُحْدِثَ فِي مَدِينَتِنَا وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً ، وَلَا قِلَايَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ ، وَلَا نُجَدِّدَ مَا خَرِبَ مِنْهَا ، وَلَا نُحْيِيَ مِنْهَا مَا كَانَ خُطَطَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَلَّا نَمْنَعَ كَنَائِسَنَا أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ ، وَأَنْ نُوَسِّعَ أَبْوَابَهَا لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَأَنْ يَنْزِلَ مَنْ مَرَّ بِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ نُطْعِمُهُمْ ، وَلَا نُئْوِيَ فِي كَنَائِسِنَا وَلَا مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا ، وَلَا نَكْتُمَ غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَا نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا الْقُرْآنَ ، وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا ، وَلَا نَدْعُوَ إِلَيْهِ أَحَدًا ؛ وَلَا نَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ ذَوِي قَرَابَتِنَا الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ أَرَادُوهُ ، وَأَنْ نُوَقِّرَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنْ نَقُومَ لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِنَا إِنْ أَرَادُوا الْجُلُوسَ ، وَلَا نَتَشَبَّهَ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ مَلَابِسِهِمْ ، فِي قَلَنْسُوَةٍ ، وَلَا عِمَامَةٍ ، وَلَا نَعْلَيْنِ ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ ، وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ ، وَلَا نَكْتَنِيَ بِكُنَاهُمْ ، وَلَا نَرْكَبَ السُّرُوجَ ، وَلَا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلَاحِ ، وَلَا نَحْمِلَهُ مَعَنَا ، وَلَا نَنْقُشَ خَوَاتِيمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا نَبِيعَ الْخُمُورَ ، وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِيمَ رُءُوسِنَا ، وَأَنْ نَلْزَمَ زِيَّنَا حَيْثُمَا كُنَّا ، وَأَنْ نَشُدَّ الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا ، وَأَلَّا نُظْهِرَ الصَّلِيبَ عَلَى كَنَائِسِنَا ، وَأَلَّا نُظْهِرَ صُلُبَنَا وَلَا كُتُبَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ ، وَلَا نَضْرِبَ نَوَاقِيسَنَا فِي كَنَائِسِنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا ، وَأَلَّا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا نُخْرِجَ شَعَانِينَ وَلَا بَاعُوثًا ، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا ، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ ، وَلَا نُجَاوِرَهُمْ بِمَوْتَانَا ، وَلَا نَتَّخِذَ مِنَ الرَّقِيقِ مَا جَرَى عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنْ نُرْشِدَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا نَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ .
134 قَالَ : فَلَمَّا أَتَيْتُ عُمَرَ بِالْكِتَابِ ، زَادَ فِيهِ : وَلَا نَضْرِبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، شَرَطْنَا لَكُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا ، وَقَبِلْنَا عَلَيْهِ الْأَمَانَ ، فَإِنْ نَحْنُ خَالَفْنَا فِي شَيْءٍ مِمَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ وَوَظَّفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا ، فَلَا ذِمَّةَ لَنَا ، وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مِنَّا مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith