تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 650 · printed p. 156
( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 41 ) )
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ : هَذِهِ الْآيَةُ : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) 156 أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ سُورَةِ " بَرَاءَةَ " .
وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ أَنَّ نَاسًا كَانُوا عَسَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ عَلِيلًا أَوْ كَبِيرًا ، فَيَقُولُ : إِنِّي لَا آثَمُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) الْآيَةَ .
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّفِيرِ الْعَامِّ مَعَ الرَّسُولِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، لِقِتَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الرُّومِ الْكَفَرَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَحَتَّمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ ، فَقَالَ : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا )
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ : كُهُولًا وَشَبَابًا مَا أَسْمَعُ اللَّهَ عَذَرَ أَحَدًا ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ .
وَفِي رِوَايَةٍ : قَرَأَ أَبُو طَلْحَةَ سُورَةَ بَرَاءَةَ ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) فَقَالَ : أَرَى رَبَّنَا يَسْتَنْفِرُنَا شُيُوخًا وَشَبَابًا جَهِّزُونِي يَا بَنِيَّ . فَقَالَ بَنُوهُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، قَدْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى مَاتَ ، وَمَعَ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ ، فَنَحْنُ نَغْزُو عَنْكَ . فَأَبَى ، فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَمَاتَ ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ جَزِيرَةً يَدْفِنُوهُ فِيهَا إِلَّا بَعْدَ تِسْعَةِ أَيَّامٍ ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ ، فَدَفَنُوهُ بِهَا .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي صَالِحٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَشِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَالشَّعْبِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) قَالُوا : كُهُولًا وَشَبَابًا ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : شَبَابًا وَشُيُوخًا ، وَأَغْنِيَاءَ وَمَسَاكِينَ . وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ ، وَغَيْرُهُ .
وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ : مَشَاغِيلُ وَغَيْرُ مَشَاغِيلَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) يَقُولُ : انْفَرُوا نَشَاطًا وَغَيْرَ نَشَاطٍ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) قَالُوا : فَإِنَّ فِينَا الثَّقِيلَ ، وَذَا الْحَاجَةِ ، وَالضَّيْعَةِ وَالشُّغْلِ ، وَالْمُتَيَسِّرَ بِهِ أَمْرٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَأَبَى أَنْ يَعْذُرَهُمْ دُونَ أَنْ يَنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَعَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ .
157 وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ أَيْضًا : فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ . وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعُمُومِ فِي الْآيَةِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا كَانَ النَّفِيرُ إِلَى دُرُوبِ الرُّومِ نَفَرَ النَّاسُ إِلَيْهَا خِفَافًا وَرُكْبَانًا ، وَإِذَا كَانَ النَّفِيرُ إِلَى هَذِهِ السَّوَاحِلِ نَفَرُوا إِلَيْهَا خِفَافًا وَثِقَالًا وَرُكْبَانًا وَمُشَاةً . وَهَذَا تَفْصِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ) وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : قَوْلُهُ : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) يَقُولُ : غَنِيًّا وَفَقِيرًا ، وَقَوِيًّا وَضَعِيفًا فَجَاءَهُ رَجُلٌ يَوْمَئِذٍ ، زَعَمُوا أَنَّهُ الْمِقْدَادُ ، وَكَانَ عَظِيمًا سَمِينًا ، فَشَكَا إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ، فَأَبَى ، فَنَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ شَأْنُهَا فَنَسَخَهَا اللَّهُ ، فَقَالَ : ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ) [ التَّوْبَةِ : 91 ] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : شَهِدَ أَبُو أَيُّوبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدْرًا ثُمَّ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزَاةٍ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَهُوَ فِي آخَرِينَ إِلَّا عَامًا وَاحِدًا قَالَ : وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) فَلَا أَجِدُنِي إِلَّا خَفِيفًا أَوْ ثَقِيلًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُمَرَ السَّكُونِيُّ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنَا حَرِيزٌ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيُّ قَالَ : وَافَيْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا عَلَى تَابُوتٍ مِنْ تَوَابِيتِ الصَّيَارِفَةِ بِحِمْصَ ، وَقَدْ فَضَلَ عَنْهَا مِنْ عِظَمِهِ ، يُرِيدُ الْغَزْوَ ، فَقُلْتُ لَهُ : لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَقَالَ : أَتَتْ عَلَيْنَا سُورَةُ " الْبُحُوثِ " ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا )
وَبِهِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي حَيَّانُ بْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبِيُّ قَالَ : نَفَرْنَا مَعَ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو - وَكَانَ وَالِيًا عَلَى حِمْصَ - قِبَلَ الْأَفْسُوسِ ، إِلَى الْجَرَاجِمَةِ فَلَقِيتُ شَيْخًا كَبِيرًا هَمًّا ، وَقَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ ، مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ ، عَلَى رَاحِلَتِهِ ، فِيمَنْ أَغَارَ . فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ : يَا عَمِّ ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ . قَالَ : فَرَفَعَ حَاجِبَيْهِ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، اسْتَنْفَرَنَا اللَّهُ خِفَافًا وَثِقَالًا إِنَّهُ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ ، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ فَيُبْقِيهِ وَإِنَّمَا يَبْتَلِي اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ شَكَرَ وَصَبَرَ وَذَكَرَ ، وَلَمْ يَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ .
158 ثُمَّ رَغَّبَ تَعَالَى فِي النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِهِ ، وَبَذْلِ الْمُهَجِ فِي مَرْضَاتِهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ ، فَقَالَ : ( وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أَيْ : هَذَا خَيْرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَلِأَنَّكُمْ تَغْرَمُونَ فِي النَّفَقَةِ قَلِيلًا فَيُغْنِمُكُمُ اللَّهُ أَمْوَالَ عَدُوِّكُمْ فِي الدُّنْيَا ، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ فِي الْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ وَتَكَفَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ إِنْ تَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَنْزِلِهِ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ الْبَقَرَةِ : 216 ] .
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ؛ ۝ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ : أَسْلِمْ . قَالَ : أَجِدُنِي كَارِهًا . قَالَ : أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith