تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 652 · printed p. 159
( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ( 43 ) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) ) 159
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَيْنِ بْنُ [ يَحْيَى بْنِ ] سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَوْنٍ قَالَ : هَلْ سَمِعْتُمْ بِمُعَاتِبَةٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا ؟ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ الْمُعَاتَبَةِ فَقَالَ : ( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) وَكَذَا قَالَ مُوَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : عَاتَبَهُ كَمَا تَسْمَعُونَ ، ثُمَّ أَنْزَلَ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ إِنْ شَاءَ : ( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ) [ النُّورِ : 62 ] وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أُنَاسٍ قَالُوا : اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنْ أَذِنَ لَكُمْ فَاقْعُدُوا ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ فَاقْعُدُوا .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) أَيْ : فِي إِبْدَاءِ الْأَعْذَارِ ، ( وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) يَقُولُ تَعَالَى : هَلَّا تَرَكْتَهُمْ لَمَّا اسْتَأْذَنُوكَ ، فَلَمْ تَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْقُعُودِ ، لِتَعْلَمَ الصَّادِقَ مِنْهُمْ فِي إِظْهَارِ طَاعَتِكَ مِنَ الْكَاذِبِ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ [ وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ لَهُمْ فِيهِ . وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ ] أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَقَالَ : ( لَا يَسْتَأْذِنُكَ ) أَيْ : فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ يَرَوْنَ الْجِهَادَ قُرْبَةً ، وَلَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ بَادَرُوا وَامْتَثَلُوا . ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ) أَيْ : فِي الْقُعُودِ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ ( الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) أَيْ : لَا يَرْجُونَ ثَوَابَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، ( وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ ) أَيْ : شَكَّتْ فِي صِحَّةِ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ ، ( فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) أَيْ : يَتَحَيَّرُونَ ، يُقَدِّمُونَ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُونَ أُخْرَى ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ قَدَمٌ ثَابِتَةٌ فِي شَيْءٍ ، فَهُمْ قَوْمٌ حَيَارَى هَلْكَى ، لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ، وَمَنْ يُضْلِلُ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith