تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 665 · printed p. 172
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ( 65 ) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ( 66 ) )
قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدِينِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَغَيْرِهِ قَالُوا : ۝ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ : مَا أَرَى قُرَّاءَنَا هَؤُلَاءِ إِلَّا أَرْغَبَنَا بُطُونًا ، وَأَكْذَبَنَا أَلْسِنَةً ، وَأَجْبَنَنَا عِنْدَ اللِّقَاءِ . فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ . فَقَالَ : ( أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( مُجْرِمِينَ ) وَإِنَّ رِجْلَيْهِ لَتَنْسِفَانِ الْحِجَارَةَ وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنِسْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : ۝ قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي مَجْلِسِكَ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ ، أَرْغَبَ بُطُونًا ، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا ، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ . فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ . لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلَ الْقُرْآنُ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : وَأَنَا رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنْكُبُهُ الْحِجَارَةُ وَهُوَ يَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ . وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ( أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) .
وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، أَخُو بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَرَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ يُقَالُ لَهُ : مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ يُشِيرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى تَبُوكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أَتَحْسَبُونَ جِلَادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ؟ وَاللَّهِ لَكَأَنَّا بِكُمْ غَدًا مُقَرَّنِينَ فِي الْحِبَالِ ، إِرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ مُخَشِّنُ 172 بْنُ حُمَيِّرٍ : وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وَأَنَّا نَنْفَلِتُ أَنْ يُنَزَّلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ . ۝ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا بَلَغَنِي - لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَدْرِكِ الْقَوْمَ ، فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا ، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا ، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ : بَلَى ، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا . فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ ، فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، فَجَعَلَ يَقُولُ وَهُوَ آخِذٌ بِحَقَبِهَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، [ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) ] فَقَالَ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَعَدَ بِيَ اسْمِي وَاسْمُ أَبِي . فَكَانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ ، فَتَسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لَا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) قَالَ : فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَرَكْبٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالُوا : يَظُنُّ هَذَا أَنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الرُّومِ وَحُصُونَهَا . هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ . فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا قَالُوا ، فَقَالَ : عَلَيَّ بِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ . فَدَعَاهُمْ ، فَقَالَ : قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا . فَحَلَفُوا مَا كُنَّا إِلَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَفَا عَنْهُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْمَعُ آيَةً أَنَا أُعْنَى بِهَا ، تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ ، وَتَجِبُ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، اللَّهُمَّ فَاجْعَلْ وَفَاتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ ، لَا يَقُولُ أَحَدٌ : أَنَا غُسِّلْتُ ، أَنَا كُفِّنْتُ ، أَنَا دُفِنْتُ ، قَالَ : فَأُصِيبَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، فَمَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَقَدْ وُجِدَ غَيْرُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) أَيْ : بِهَذَا الْمَقَالِ الَّذِي اسْتَهْزَأْتُمْ بِهِ ( إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ) أَيْ : لَا يُعْفَى عَنْ جَمِيعِكُمْ ، وَلَا بُدَّ مِنْ عَذَابِ بَعْضِكُمْ ، ( بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) أَيْ : مُجْرِمِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاجِرَةِ الْخَاطِئَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith