تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 682 · printed p. 199
( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 ) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ( 92 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( 93 ) )
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى الْأَعْذَارَ الَّتِي لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَعَدَ فِيهَا عَنِ الْقِتَالِ ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ لَازِمٌ لِلشَّخْصِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ ، وَهُوَ الضَّعْفُ فِي التَّرْكِيبِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْجِلَادَ فِي الْجِهَادِ ، وَمِنْهُ الْعَمَى وَالْعَرَجُ وَنَحْوُهُمَا ، وَلِهَذَا بَدَأَ بِهِ . مَا هُوَ عَارِضٌ بِسَبَبِ مَرَضٍ عَنَّ لَهُ فِي بَدَنِهِ ، شَغَلَهُ عَنِ الْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ بِسَبَبِ فَقْرِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّجَهُّزِ لِلْحَرْبِ ، فَلَيْسَ عَلَى هَؤُلَاءِ حَرَجٌ إِذَا قَعَدُوا وَنَصَحُوا فِي حَالِ قُعُودِهِمْ ، وَلَمْ يُرْجِفُوا بِالنَّاسِ ، وَلَمْ يُثَبِّطُوهُمْ ، وَهُمْ مُحْسِنُونَ فِي حَالِهِمْ هَذَا ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي ثُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ الْحَوَارِيُّونَ : يَا رُوحَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنَا عَنِ النَّاصِحِ لِلَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يُؤْثِرُ حَقَّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ النَّاسِ ، وَإِذَا حَدَثَ لَهُ أَمْرَانِ - أَوْ : بَدَا لَهُ أَمْرُ الدُّنْيَا وَأَمْرُ الْآخِرَةِ - بَدَأَ بِالَّذِي لِلْآخِرَةِ ثُمَّ تَفَرَّغَ لِلَّذِي لِلدُّنْيَا .
199 وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : خَرَجَ النَّاسُ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ ، فَقَامَ فِيهِمْ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَ : أَلَسْتُمْ مُقِرِّينَ بِالْإِسَاءَةِ ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ . فَقَالَ : اللَّهُمَّ ، إِنَّا نَسْمَعُكَ تَقُولُ : ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) اللَّهُمَّ وَقَدْ أَقْرَرْنَا بِالْإِسَاءَةِ فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَاسْقِنَا . وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ فَسُقُوا .
وَقَالَ قَتَادَةُ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ ، عَنِ ابْنِ فَرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : كُنْتُ أَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُنْتُ أَكْتُبُ " بَرَاءَةَ " فَإِنِّي لَوَاضِعٌ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِي إِذْ أُمِرْنَا بِالْقِتَالِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ ، إِذْ جَاءَ أَعْمَى فَقَالَ : كَيْفَ بِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أَعْمَى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى ) الْآيَةَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَنْبَعِثُوا غَازِينَ مَعَهُ ، فَجَاءَتْهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، احْمِلْنَا ، فَقَالَ لَهُمْ : وَاللَّهِ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ . فَتَوَلَّوْا وَلَهُمْ بُكَاءٌ ، وَعَزَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَجْلِسُوا عَنِ الْجِهَادِ ، وَلَا يَجِدُونَ نَفَقَةً وَلَا مَحْمَلًا ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ حِرْصَهُمْ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ أَنْزَلَ عُذْرَهُمْ فِي كِتَابِهِ ، فَقَالَ : ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ) نَزَلَتْ فِي بَنِي مُقَرِّنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : كَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ : سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَمِنْ بَنِي وَاقِفٍ : هَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو ، وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ - وَيُكَنَّى أَبَا لَيْلَى - وَمِنْ بَنِي الْمُعَلَّى : [ سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ ، وَمِنْ بَنِي حَارِثَةَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْلَةَ ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِعِرْضِهِ فَقَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ ] ، وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ : عَمْرُو بْنُ عَنَمَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي سِيَاقِ غَزْوَةِ تَبُوكَ : ثُمَّ إِنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 200 وَهُمُ الْبَكَّاءُونَ - وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ : سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ ، وَأَبُو لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ ، أَخُو بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيُّ ؛ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ : بَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ ، وَهَرَمِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَخُو بَنِي وَاقِفٍ ، وَعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ الْفَزَارِيُّ ، فَاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ ، فَقَالَ : لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فَتَوَلَّوْا وَأَعْينُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حُزْنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْأَوْدِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا ، مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا ، وَلَا نِلْتُمْ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا وَقَدْ شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ) الْآيَةَ .
وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا ، وَلَا سِرْتُمْ [ مَسِيرًا ] إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ . قَالُوا : وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا ، وَلَا سَلَكْتُمْ طَرِيقًا إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ .
ثُمَّ رَدَّ تَعَالَى الْمَلَامَةَ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ فِي الْقُعُودِ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ، وَأَنَّبَهُمْ فِي رِضَاهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ النِّسَاءِ الْخَوَالِفِ فِي الرِّحَالِ ، ( وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith