تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 702 · printed p. 238
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 123 ) )
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا الْكُفَّارَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إِلَى حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ ؛ وَلِهَذَا بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ ، وَالطَّائِفَ ، وَالْيَمَنَ وَالْيَمَامَةَ ، وَهَجَرَ ، وَخَيْبَرَ ، وَحَضْرَمَوْتَ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَقَالِيمِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، 238 وَدَخَلَ النَّاسُ مِنْ سَائِرِ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، شَرَعَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ الْكِتَابِ ، فَبَلَغَ تَبُوكَ ثُمَّ رَجَعَ لِأَجْلِ جَهْدِ النَّاسِ وَجَدْبِ الْبِلَادِ وَضِيقِ الْحَالِ ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ هِجْرَتِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .
ثُمَّ اشْتَغَلَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ بِحَجَّتِهِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ . ثُمَّ عَاجَلَتْهُ الْمَنِيَّةُ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، بَعْدَ الْحَجَّةِ بِأَحَدٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا ، فَاخْتَارَهُ اللَّهُ لِمَا عِنْدَهُ .
وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَزِيرُهُ وَصَدِيقُهُ وَخَلِيفَتُهُ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَدْ مَالَ الدِّينُ مَيْلَةً كَادَ أَنْ يَنْجَفِلَ ، فَثَبَّتَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَوَطَّدَ الْقَوَاعِدَ ، وَثَبَّتَ الدَّعَائِمَ . وَرَدَّ شَارِدَ الدِّينِ وَهُوَ رَاغِمٌ . وَرَدَّ أَهْلَ الرِّدَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَخَذَ الزَّكَاةَ مِمَّنْ مَنَعَهَا مِنَ الطَّغَامِ ، وَبَيَّنَ الْحَقَّ لِمَنْ جَهِلَهُ ، وَأَدَّى عَنِ الرَّسُولِ مَا حَمَلَهُ . ثُمَّ شَرَعَ فِي تَجْهِيزِ الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِلَى الرُّومِ عَبَدَةِ الصُّلْبَانِ وَإِلَى الْفُرْسِ عَبَدَةِ النِّيرَانِ ، فَفَتَحَ اللَّهُ بِبَرَكَةِ سِفَارَتِهِ الْبِلَادَ ، وَأَرْغَمَ أَنْفُسَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَمَنْ أَطَاعَهُمَا مِنَ الْعِبَادِ . وَأَنْفَقَ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ الْإِلَهِ .
وَكَانَ تَمَامُ الْأَمْرِ عَلَى يَدِي وَصِيِّهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَوَلِيِّ عَهْدِهِ الْفَارُوقِ الْأَوَّابِ ، شَهِيدِ الْمِحْرَابِ ، أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِهِ أُنُوفَ الْكَفَرَةِ الْمُلْحِدِينَ ، وَقَمَعَ الطُّغَاةَ وَالْمُنَافِقِينَ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمَمَالِكِ شَرْقًا وَغَرْبًا . وَحُمِلَتْ إِلَيْهِ خَزَائِنُ الْأَمْوَالِ مِنْ سَائِرِ الْأَقَالِيمِ بُعْدًا وَقُرْبًا . فَفَرَّقَهَا عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ ، وَالسَّبِيلِ الْمَرْضِيِّ .
ثُمَّ لَمَّا مَاتَ شَهِيدًا وَقَدْ عَاشَ حَمِيدًا ، أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ . عَلَى خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ [ أَبِي عَمْرٍو ] عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ شَهِيدِ الدَّارِ . فَكَسَا الْإِسْلَامَ [ بِجَلَالِهِ ] رِيَاسَةَ حُلَّةٍ سَابِغَةً . وَأُمِدَّتْ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ عَلَى رِقَابِ الْعِبَادِ حُجَّةُ اللَّهِ الْبَالِغَةُ ، وَظَهَرَ الْإِسْلَامُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا ، وَعَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ وَظَهَرَ دِينُهُ . وَبَلَغَتِ الْأُمَّةُ الْحَنِيفِيَّةُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ غَايَةَ مَآرِبِهَا ، فَكُلَّمَا عَلَوْا أُمَّةً انْتَقَلُوا إِلَى مَنْ بَعْدِهِمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مِنَ الْعُتَاةِ الْفُجَّارِ ، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) [ أَيْ : وَلِيَجِدَ الْكُفَّارُ مِنْكُمْ غِلْظَةً ] عَلَيْهِمْ فِي قِتَالِكُمْ لَهُمْ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْكَامِلَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ رَفِيقًا لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ ، غَلِيظًا عَلَى عَدُوِّهِ الْكَافِرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) [ الْمَائِدَةِ : 54 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) [ الْفَتْحِ : 29 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) [ التَّوْبَةِ : 73 ، وَالتَّحْرِيمِ : 9 ] ، وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّ ۝ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَنَا الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ " ، يَعْنِي : أَنَّهُ ضَحُوكٌ فِي وَجْهِ وَلِيِّهِ ، 239 قَتَّالٌ لِهَامَةِ عَدُوِّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) أَيْ : قَاتِلُوا الْكُفَّارَ ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ إِنِ اتَّقَيْتُمُوهُ وَأَطَعْتُمُوهُ .
وَهَكَذَا الْأَمْرُ لَمَّا كَانَتِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فِي غَايَةِ الِاسْتِقَامَةِ ، وَالْقِيَامِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يَزَالُوا ظَاهِرِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ ، وَلَمْ تَزَلِ الْفُتُوحَاتُ كَثِيرَةً ، وَلَمْ تَزَلِ الْأَعْدَاءُ فِي سَفَالٍ وَخَسَارٍ . ثُمَّ لَمَّا وَقَعَتِ الْفِتَنُ وَالْأَهْوَاءُ وَالِاخْتِلَافَاتُ بَيْنَ الْمُلُوكِ ، طَمِعَ الْأَعْدَاءُ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ ، وَتَقَدَّمُوا إِلَيْهَا ، فَلَمْ يُمَانِعُوا لِشُغْلِ الْمُلُوكِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا إِلَى حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ ، فَأَخَذُوا مِنَ الْأَطْرَافِ بُلْدَانًا كَثِيرَةً ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا حَتَّى اسْتَحْوَذُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، وَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ . فَكُلَّمَا قَامَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ ، وَأَطَاعَ أَوَامِرَ اللَّهِ ، وَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ ، وَاسْتَرْجَعَ مِنَ الْأَعْدَاءِ بِحَسَبِهِ ، وَبِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ . وَاللَّهُ الْمَسْئُولُ الْمَأْمُولُ أَنْ يُمَكِّنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَوَاصِي أَعْدَائِهِ الْكَافِرِينَ ، وَأَنْ يُعْلِيَ كَلِمَتَهُمْ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith