تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 835 · printed p. 397
( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) أَيْ : أَرْضِ مِصْرَ ، ( يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ )
قَالَ السُّدِّيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يَتَّخِذُ مِنْهَا مَنْزِلًا حَيْثُ يَشَاءُ بَعْدَ الضِّيقِ وَالْحَبْسِ وَالْإِسَارِ . ( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) أَيْ : وَمَا أَضَعْنَا صَبْرَ يُوسُفَ عَلَى أَذَى إِخْوَتِهِ ، وَصَبْرَهُ عَلَى الْحَبْسِ بِسَبَبِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ; فَلِهَذَا أَعْقَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّلَامَةَ وَالنَّصْرَ وَالتَّأْيِيدَ ( وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مَا ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ يُوسُفَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ وَأَجَلُّ ، مِمَّا خَوَّلَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ وَالنُّفُوذِ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ) [ ص : 39 ، 40 ] .
وَالْغَرَضُ أَنَّ يُوسُفَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَّاهُ مَلِكُ مِصْرَ الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَزَارَةَ فِي بِلَادِ مِصْرَ مَكَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ زَوْجِ الَّتِي رَاوَدَتْهُ ، وَأَسْلَمَ الْمَلِكُ عَلَى يَدَيْ يُوسُفَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ لَمَّا قَالَ يُوسُفُ لِلْمَلِكِ : ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) قَالَ الْمَلِكُ : قَدْ فَعَلْتُ . فَوَلَّاهُ فِيمَا ذَكَرُوا عَمَلَ إِطْفِيرَ وَعَزَلَ إِطْفِيرَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) فَذُكِرَ لِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ إِطْفِيرَ هَلَكَ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي ، وَأَنَّ الْمَلِكَ الرَّيَّانَ بْنَ الْوَلِيدِ زَوَّجَ يُوسُفَ امْرَأَةَ إِطْفِيرَ رَاعِيلَ ، وَأَنَّهَا حِينَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ : أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِمَّا كُنْتِ تُرِيدِينَ ؟ قَالَ : فَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ، لَا تَلُمْنِي ، فَإِنِّي كُنْتُ امْرَأَةً كَمَا تَرَى حَسْنَاءَ جَمِيلَةً ، نَاعِمَةً فِي مُلْكٍ وَدُنْيَا ، وَكَانَ صَاحِبِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ ، وَكُنْتَ كَمَا جَعَلَكَ اللَّهُ فِي حُسْنِكَ وَهَيْئَتِكَ عَلَى مَا رَأَيْتَ ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ وَجَدَهَا عَذْرَاءَ ، فَأَصَابَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلَيْنِ أَفْرَائِيمَ بْنَ يُوسُفَ ، وَمِيشَا بْنَ 397 يُوسُفَ وَوُلِدَ لِأَفْرَائِيمَ نُونٌ ، وَالِدُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ، وَرَحْمَةَ امْرَأَةِ أَيُّوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : وَقَفَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ ، حَتَّى مَرَّ يُوسُفُ ، فَقَالَتْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعَبِيدَ مُلُوكًا بِطَاعَتِهِ ، وَالْمُلُوكَ عَبِيدًا بِمَعْصِيَتِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith