تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 85 · printed p. 252
( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( 46 ) )
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عَبِيدَهُ ، فِيمَا يُؤَمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ، كَمَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : اسْتَعِينُوا عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْفَرَائِضِ ، وَالصَّلَاةِ .
فَأَمَّا الصَّبْرُ فَقِيلَ : إِنَّهُ الصِّيَامُ ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ .
[ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : وَلِهَذَا سُمِّيَ رَمَضَانُ شَهْرَ الصَّبْرِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ ] .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ الصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالصَّبْرِ الْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي ؛ وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ وَأَعْلَاهَا : فِعْلُ الصَّلَاةِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : الصَّبْرُ صَبْرَانِ : صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ .
252
[ قَالَ ] وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ قَوْلِ عُمَرَ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : الصَّبْرُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ لِلَّهِ بِمَا أَصَابَ فِيهِ ، وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَرَجَاءُ ثَوَابِهِ ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَتَجَلَّدُ ، لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا الصَّبْرُ .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ) عَلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّهَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَالصَّلَاةِ ) فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى الثَّبَاتِ فِي الْأَمْرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) الْآيَةَ [ الْعَنْكَبُوتِ : 45 ] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدُّؤَلِيِّ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ حُذَيْفَةُ ، يَعْنِي ابْنَ الْيَمَانِ : ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ كَمَا سَيَأْتِي ] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي قُدَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْيَمَانِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ .
[ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ أَخِي حُذَيْفَةَ ؛ وَيُقَالُ : أَخِي حُذَيْفَةَ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ : حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو مَسْعُودٍ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدُّؤَلِيُّ : قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : قَالَ حُذَيْفَةُ : ۝ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلَةٍ يُصَلِّي ، وَكَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى . وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ مُضَرِّبٍ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ : ۝ لَقَدْ رَأَيْتَنَا لَيْلَةَ بَدْرٍ وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَيَدْعُو حَتَّى أَصْبَحَ ] .
253
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَرُوِيَ عَنْهُ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، أَنَّهُ ۝ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى بَطْنِهِ ، فَقَالَ لَهُ : اشكنب درد [ قَالَ : نَعَمْ ] قَالَ : قُمْ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ شِفَاءٌ [ وَمَعْنَاهُ : أَيُوجِعُكَ بَطْنُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ] . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُيَيْنَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ نُعِيَ إِلَيْهِ أَخُوهُ قُثَمُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، فَاسْتَرْجَعَ ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ ، فَأَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْجُلُوسَ ، ثُمَّ قَامَ يَمْشِي إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) .
وَقَالَ سُنَيْدٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ) قَالَ : إِنَّهُمَا مَعُونَتَانِ عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ .
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنَّهَا ) عَائِدٌ إِلَى الصَّلَاةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ ، وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ : ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ) [ الْقَصَصِ : 80 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) [ فُصِّلَتْ : 34 ، 35 ] أَيْ : وَمَا يُلَقَّى هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ( وَمَا يُلَقَّاهَا ) أَيْ : يُؤْتَاهَا وَيُلْهَمُهَا ( إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ) أَيْ : مَشَقَّةٌ ثَقِيلَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ . قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الْخَائِفِينَ ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ يَعْنِي بِهِ الْمُتَوَاضِعِينَ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ) قَالَ : إِنَّهَا لَثَقِيلَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاضِعِينَ لِطَاعَتِهِ ، الْخَائِفِينَ سَطَوَاتِهِ ، الْمُصَدِّقِينَ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ .
وَهَذَا يُشْبِهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : ۝ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : مَعْنَى الْآيَةِ : وَاسْتَعِينُوا أَيُّهَا الْأَحْبَارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، بِحَبْسِ أَنْفُسِكُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، الْمُقَرِّبَةِ مِنْ رِضَا اللَّهِ ، الْعَظِيمَةِ إِقَامَتُهَا إِلَّا عَلَى الْمُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ الْمُسْتَكِينِينَ لِطَاعَتِهِ الْمُتَذَلِّلِينَ مِنْ مَخَافَتِهِ .
254
هَكَذَا قَالَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَتْ خِطَابًا فِي سِيَاقِ إِنْذَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُقْصَدُوا بِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ ، وَإِنَّمَا هِيَ عَامَّةٌ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) هَذَا مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ ، أَيْ : وَإِنَّ الصَّلَاةَ أَوِ الْوَصَاةَ لِثَقِيلَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مَلَاقُو رَبِّهِمْ ، أَيْ : [ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ ] مَحْشُورُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، مَعْرُوضُونَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أَيْ : أُمُورُهُمْ رَاجِعَةٌ إِلَى مَشِيئَتِهِ ، يَحْكُمُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِعَدْلِهِ ، فَلِهَذَا لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ سَهُلَ عَلَيْهِمْ فِعْلُ الطَّاعَاتِ وَتَرْكُ الْمُنْكَرَاتِ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : ( يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : الْعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي الْيَقِينَ ظَنًّا ، وَالشَّكَّ ظَنًّا ، نَظِيرُ تَسْمِيَتِهِمُ الظُّلْمَةَ سُدْفَةً ، وَالضِّيَاءَ سُدْفَةً ، وَالْمُغِيثَ صَارِخًا ، وَالْمُسْتَغِيثَ صَارِخًا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الشَّيْءُ وَضِدُّهُ ، كَمَا قَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ :
﴿﴾ فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ﴿﴾ ﴿﴾ سَرَاتُهُمْ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ ﴿﴾
يَعْنِي بِذَلِكَ : تَيَقَّنُوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ يَأْتِيكُمْ ، وَقَالَ عُمَيْرَةُ بْنُ طَارِقٍ :
﴿﴾ بِأَنْ يَعْتَزُوا قَوْمِي وَأَقْعُدَ فِيكُمُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا ﴿﴾
يَعْنِي : وَأَجْعَلُ مِنِّي الْيَقِينَ غَيْبًا مُرَجَّمًا ، قَالَ : وَالشَّوَاهِدُ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَكَلَامِهَا عَلَى أَنَّ الظَّنَّ فِي مَعْنَى الْيَقِينِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ كِفَايَةٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ) [ الْكَهْفِ : 53 ] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ يَقِينٌ ، أَيْ : ظَنَنْتُ وَظَنُّوا .
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ عِلْمٌ . وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ) قَالَ : الظَّنُّ هَاهُنَا يَقِينٌ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَقَتَادَةَ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي الْعَالِيَةِ .
255
وَقَالَ سُنَيْدٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ) عَلِمُوا أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ، كَقَوْلِهِ : ( إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ) [ الْحَاقَّةِ : 20 ] يَقُولُ : عَلِمْتُ .
وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
قُلْتُ : وَفِي الصَّحِيحِ : ۝ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَلَمْ أُزَوِّجْكَ ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ ، أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرَبَّعُ ؟ فَيَقُولُ : بَلَى . فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ ؟ فَيَقُولُ : لَا . فَيَقُولُ اللَّهُ : الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي . وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا عِنْدَ قَوْلِهِ : ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) [ التَّوْبَةِ : 67 ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith