تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
467 ( وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ ( 36 ) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ( 37 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) وَهُمْ قَائِمُونَ بِمُقْتَضَاهُ ( يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) أَيْ : مِنَ الْقُرْآنِ لِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى صِدْقِهِ وَالْبِشَارَةِ بِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [ الْبَقَرَةِ : 121 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 107 ، 108 ] أَيْ : إِنْ كَانَ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ بِهِ فِي كُتُبِنَا مِنْ إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحَقًّا وَصِدْقًا مَفْعُولًا لَا مَحَالَةَ ، وَكَائِنًا ، فَسُبْحَانَهُ مَا أَصْدَقَ وَعْدَهُ ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَحْدَهُ ، ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 109 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ) أَيْ : وَمِنَ الطَّوَائِفِ مَنْ يُكَذِّبُ بِبَعْضِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَمِنَ الْأَحْزَابِ ) الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ مَا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 199 ] .
( قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ) أَيْ : إِنَّمَا بُعِثْتُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، كَمَا أُرْسِلَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِي ، ( إِلَيْهِ أَدْعُو ) أَيْ : إِلَى سَبِيلِهِ أَدْعُو النَّاسَ ، ( وَإِلَيْهِ مَآبِ ) أَيْ : مَرْجِعِي وَمَصِيرِي .
وَقَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ) أَيْ : وَكَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ الْمُرْسَلِينَ ، وأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ مِنَ السَّمَاءِ ، كَذَلِكَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ مُحْكَمًا مُعْرَبًا ، شَرَّفْنَاكَ بِهِ وَفَضَّلْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ بِهَذَا الْكِتَابِ الْمُبِينِ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ الَّذِي ) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [ فُصِّلَتْ : 11 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ) أَيْ : آرَاءَهُمْ ، ( أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) أَيْ : مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ( مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ) أَيْ : مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . وَهَذَا وَعِيدٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَّبِعُوا سُبُلَ أَهْلِ الضَّلَالَةِ بَعْدَمَا صَارُوا إِلَيْهِ مَنْ سُلُوكِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالْمَحَجَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، عَلَى مَنْ جَاءَ بِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ 468 [ وَالتَّحِيَّةِ وَالْإِكْرَامِ ] .
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) وَهُمْ قَائِمُونَ بِمُقْتَضَاهُ ( يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) أَيْ : مِنَ الْقُرْآنِ لِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى صِدْقِهِ وَالْبِشَارَةِ بِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [ الْبَقَرَةِ : 121 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 107 ، 108 ] أَيْ : إِنْ كَانَ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ بِهِ فِي كُتُبِنَا مِنْ إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحَقًّا وَصِدْقًا مَفْعُولًا لَا مَحَالَةَ ، وَكَائِنًا ، فَسُبْحَانَهُ مَا أَصْدَقَ وَعْدَهُ ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَحْدَهُ ، ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 109 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ) أَيْ : وَمِنَ الطَّوَائِفِ مَنْ يُكَذِّبُ بِبَعْضِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَمِنَ الْأَحْزَابِ ) الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ مَا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 199 ] .
( قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ) أَيْ : إِنَّمَا بُعِثْتُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، كَمَا أُرْسِلَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِي ، ( إِلَيْهِ أَدْعُو ) أَيْ : إِلَى سَبِيلِهِ أَدْعُو النَّاسَ ، ( وَإِلَيْهِ مَآبِ ) أَيْ : مَرْجِعِي وَمَصِيرِي .
وَقَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ) أَيْ : وَكَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ الْمُرْسَلِينَ ، وأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ مِنَ السَّمَاءِ ، كَذَلِكَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ مُحْكَمًا مُعْرَبًا ، شَرَّفْنَاكَ بِهِ وَفَضَّلْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ بِهَذَا الْكِتَابِ الْمُبِينِ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ الَّذِي ) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [ فُصِّلَتْ : 11 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ) أَيْ : آرَاءَهُمْ ، ( أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) أَيْ : مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ( مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ) أَيْ : مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . وَهَذَا وَعِيدٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَّبِعُوا سُبُلَ أَهْلِ الضَّلَالَةِ بَعْدَمَا صَارُوا إِلَيْهِ مَنْ سُلُوكِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالْمَحَجَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، عَلَى مَنْ جَاءَ بِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ 468 [ وَالتَّحِيَّةِ وَالْإِكْرَامِ ] .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith