تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 90 · printed p. 262
( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) ) .
هَذِهِ صِفَةُ تَوْبَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ) فَقَالَ ذَلِكَ حِينَ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ شَأْنِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ مَا وَقَعَ حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ) الْآيَةَ [ الْأَعْرَافِ : 149 ] .
قَالَ : فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ مُوسَى : ( يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ )
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ) أَيْ إِلَى خَالِقِكُمْ .
قُلْتُ : وَفِي قَوْلِهِ هَاهُنَا : ( إِلَى بَارِئِكُمْ ) تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ جُرْمِهِمْ ، أَيْ : فَتُوبُوا إِلَى الَّذِي خَلَقَكُمْ وَقَدْ عَبَدْتُمْ مَعَهُ غَيْرَهُ .
262
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ زَيْدٍ الْوَرَّاقِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ تَوْبَتَهُمْ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كُلَّ مَنْ لَقِيَ مِنْ وَلَدٍ وَوَالِدٍ فَيَقْتُلُهُ بِالسَّيْفِ ، وَلَا يُبَالِي مَنْ قَتَلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ . فَتَابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا خَفِيَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ مَا اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، فَاعْتَرَفُوا بِهَا ، وَفَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَغَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ . وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ الْفُتُونِ ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ طه بِكَمَالِهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ : ( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) قَالَ : أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ - مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ قَالَ : وَاحْتَبَى الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ فَجَلَسُوا ، وَقَامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكُفُوا عَلَى الْعِجْلِ ، فَأَخَذُوا الْخَنَاجِرَ بِأَيْدِيهِمْ ، وَأَصَابَتْهُمْ ظُلَّةٌ شَدِيدَةٌ ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَانْجَلَتِ الظُّلَّةُ عَنْهُمْ ، وَقَدْ أَجْلَوْا عَنْ سَبْعِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ ، كُلُّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدًا يَقُولَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) قَالَا قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالْخَنَاجِرِ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، لَا يَحْنُو رَجُلٌ عَلَى قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ ، حَتَّى أَلْوَى مُوسَى بِثَوْبِهِ ، فَطَرَحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ ، فَكُشِفَ عَنْ سَبْعِينَ أَلْفِ قَتِيلٍ . وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى : أَنْ حَسْبِي ، فَقَدِ اكْتَفَيْتُ ، فَذَلِكَ حِينَ أَلْوَى مُوسَى بِثَوْبِهِ ، [ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوُ ذَلِكَ ] .
وَقَالَ قَتَادَةُ : أَمَرَ الْقَوْمَ بِشَدِيدٍ مِنَ الْأَمْرِ ، فَقَامُوا يَتَنَاحَرُونَ بِالشِّفَارِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، حَتَّى بَلَغَ اللَّهُ فِيهِمْ نِقْمَتَهُ ، فَسَقَطَتِ الشِّفَارُ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، فَأَمْسَكَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ ، فَجَعَلَ لِحَيِّهِمْ تَوْبَةً ، وَلِلْمَقْتُولِ شَهَادَةً .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : أَصَابَتْهُمْ ظُلْمَةُ حِنْدِسٍ ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا [ نِقْمَةً ] ثُمَّ انْكَشَفَ عَنْهُمْ ، فَجَعَلَ تَوْبَتَهُمْ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ : ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) قَالَ : فَاجْتَلَدَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَالَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ بِالسُّيُوفِ ، فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ شَهِيدًا ، حَتَّى كَثُرَ الْقَتْلُ ، حَتَّى كَادُوا أَنْ يَهْلِكُوا ، حَتَّى قُتِلَ بَيْنَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا ، وَحَتَّى دَعَا مُوسَى وَهَارُونُ : رَبَّنَا أَهْلَكْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، رَبَّنَا الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ ،
263 فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضَعُوا السِّلَاحَ وَتَابَ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ شَهِيدًا ، وَمَنْ بَقِيَ مُكَفَّرًا عَنْهُ ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَمَّا أُمِرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِقَتْلِ أَنْفُسِهَا ، بَرَزُوا وَمَعَهُمْ مُوسَى ، فَاضْطَرَبُوا بِالسُّيُوفِ ، وَتَطَاعَنُوا بِالْخَنَاجِرِ ، وَمُوسَى رَافِعٌ يَدَيْهِ ، حَتَّى إِذَا أَفْنَوْا بَعْضَهُمْ ، قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ لَنَا . وَأَخَذُوا بِعَضُدَيْهِ يَسْنُدُونَ يَدَيْهِ ، فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى إِذَا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ قَبَضَ أَيْدِيَهُمْ ، بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، فَأَلْقَوُا السِّلَاحَ ، وَحَزِنَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ لِلَّذِي كَانَ مِنَ الْقَتْلِ فِيهِمْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، إِلَى مُوسَى : مَا يُحْزِنُكَ ؟ أَمَّا مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ فَحَيٌّ عِنْدِي يُرْزَقُونَ ، وَأَمَّا مَنْ بَقِيَ فَقَدْ قَبِلْتُ تَوْبَتَهُ . فَسُرَّ بِذَلِكَ مُوسَى ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ ، وَأَحْرَقَ الْعِجْلَ وَذَرَّاهُ فِي الْيَمِّ ، خَرَجَ إِلَى رَبِّهِ بِمَنِ اخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ، ثُمَّ بُعِثُوا ، فَسَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ التَّوْبَةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ . فَقَالَ : لَا إِلَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ قَالَ : فَبَلَغَنِي أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى : نَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ . فَأَمَرَ مُوسَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَبَدَ الْعِجْلَ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ عَبَدَهُ . فَجَلَسُوا بِالْأَفْنِيَةِ وَأَصْلَتَ عَلَيْهِمُ الْقَوْمُ السُّيُوفَ ، فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَهُمْ ، وَبَكَى مُوسَى ، وَبَهَشَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ، يَطْلُبُونَ الْعَفْوَ عَنْهُمْ ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَعَفَا عَنْهُمْ وَأَمَرَ مُوسَى أَنْ تُرْفَعَ عَنْهُمُ السُّيُوفُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ ، وَكَانَ سَبْعُونَ رَجُلًا قَدِ اعْتَزَلُوا مَعَ هَارُونَ الْعِجْلَ لَمْ يَعْبُدُوهُ . فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : انْطَلِقُوا إِلَى مَوْعِدِ رَبِّكُمْ . فَقَالُوا : يَا مُوسَى ، مَا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَ : بَلَى ، ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) الْآيَةَ ، فَاخْتَرَطُوا السُّيُوفَ وَالْجُرَزَةَ وَالْخَنَاجِرَ وَالسَّكَاكِينَ . قَالَ : وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ ضَبَابَةً . قَالَ : فَجَعَلُوا يَتَلَامَسُونَ بِالْأَيْدِي ، وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . قَالَ : وَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ فَيَقْتُلُهُ وَلَا يَدْرِي . قَالَ : وَيَتَنَادَوْنَ [ فِيهَا ] : رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا صَبَّرَ نَفْسَهُ حَتَّى يَبْلُغَ اللَّهَ رِضَاهُ ، قَالَ : فَقَتْلَاهُمْ شُهَدَاءُ ، وَتِيبَ عَلَى أَحْيَائِهِمْ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith