تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 940 · printed p. 559
( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( 8 ) )
هَذَا صِنْفٌ آخَرُ مِمَّا خَلَقَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ ، يَمْتَنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ : الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ ، الَّتِي جَعَلَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ بِهَا ، وَذَلِكَ أَكْبَرُ الْمَقَاصِدِ مِنْهَا ، وَلَمَّا فَصَلَهَا مِنَ الْأَنْعَامِ وَأَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ - مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِ لُحُومِ الْخَيْلِ - بِذَلِكَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِيهَا ، كَالْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَرَنَهَا بِالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَهِيَ حَرَامٌ ، كَمَا ثَبَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مَوْلَى نَافِعِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَكْرَهُ لُحُومَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَكَانَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ : ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) فَهَذِهِ لِلْأَكْلِ ، ( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ) فَهَذِهِ لِلرُّكُوبِ .
وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِمِثْلِهِ . وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيْضًا ، وَاسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : ۝ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ ، وَالْبِغَالِ ، وَالْحَمِيرِ .
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ - وَفِيهِ كَلَامٌ - بِهِ .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا وَأَدَلَّ مِنْهُ فَقَالَ : 559
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ ، عَنْ جَدِّهِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الصَّائِفَةَ ، فَقَرِمَ أَصْحَابُنَا إِلَى اللَّحْمِ ، فَسَأَلُونِي رَمَكَةً ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِمْ فَحَبَلُوهَا ، وَقُلْتُ : مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَ خَالِدًا فَأَسْأَلَهُ ، فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : ۝ غَزْونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ خَيْبَرَ ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ فِي حَظَائِرِ يَهُودَ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أُنَادِيَ : " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ " ثُمَّ قَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّكُمْ قَدْ أَسْرَعْتُمْ فِي حَظَائِرِ يَهُودَ ، أَلَا لَا تَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهَدِينَ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحَرَامٌ عَلَيْكُمْ لُحُومُ الْأُتُنِ الْأَهْلِيَّةِ وَخَيْلِهَا وَبِغَالِهَا ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ " .
وَالرَّمَكَةُ : هِيَ الْحِجْرَةُ . وَقَوْلُهُ : حَبَلُوهَا ، أَيْ : أَوْثَقُوهَا فِي الْحَبْلِ لِيَذْبَحُوهَا . وَالْحَظَائِرُ : الْبَسَاتِينُ الْقَرِيبَةُ مِنَ الْعُمْرَانِ .
وَكَأَنَّ هَذَا الصَّنِيعَ وَقَعَ بَعْدَ إِعْطَائِهِمُ الْعَهْدَ وَمُعَامَلَتِهِمْ عَلَى الشَّطْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ نصًّا فِي تَحْرِيمِ لُحُومِ الْخَيْلِ ، وَلَكِنْ لَا يُقَاوِمُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ۝ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُحُومٍ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادَيْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ۝ ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ : ۝ نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ .
فَهَذِهِ أَدَلُّ وَأَقْوَى وَأَثْبَتُ ، وَإِلَى ذَلِكَ صَارَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَأَكْثَرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتِ الْخَيْلُ وَحْشِيَّةً ، فَذَلَّلَهَا اللَّهُ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - .
وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ فِي إِسْرَائِيلِيَّاتِهِ : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَيْلَ مِنْ رِيحِ الْجَنُوبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَقَدْ دَلَّ النَّصُّ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ هَذِهِ الدَّوَابِّ ، وَمِنْهَا الْبِغَالُ . وَقَدْ أُهْدَيَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَغْلَةٌ ، فَكَانَ يَرْكَبُهَا ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْ إِنْزِاءِ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ النَّسْلُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ مِنْ آلِ حُذَيْفَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ قَالَ : ۝ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَحْمِلُ لَكَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ ، فَتُنْتِجَ لَكَ بَغْلًا فَتَرْكَبَهَا ؟ قَالَ : " إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith