تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَأْمُرُ عِبَادَهُ بِالْعَدْلِ ، وَهُوَ الْقِسْطُ وَالْمُوَازَنَةُ ، وَيَنْدِبُ إِلَى الْإِحْسَانِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) [ النَّحْلِ : 126 ] وَقَالَ ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) [ الشُّورَى : 40 ] وَقَالَ ( وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ) [ الْمَائِدَةِ : 45 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا مِنْ شَرْعِيَّةِ الْعَدْلِ وَالنَّدْبِ إِلَى الْفَضْلِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : الْعَدْلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : هُوَ اسْتِوَاءُ السَّرِيرَةِ وَالْعَلَانِيَةِ مِنْ كُلِّ عَامِلٍ لِلَّهِ عَمَلًا . وَالْإِحْسَانُ : أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ عَلَانِيَتِهِ . وَالْفَحْشَاءُ وَالْمُنْكِرُ : أَنْ تَكُونَ عَلَانِيَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ سَرِيرَتِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) أَيْ : يَأْمُرُ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ ، كَمَا قَالَ : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 26 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) فَالْفَوَاحِشُ : الْمُحَرَّمَاتُ . وَالْمُنْكَرَاتُ : مَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنْ فَاعِلِهَا ; وَلِهَذَا قِيلَ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) [ الْأَعْرَافِ : 33 ] . وَأَمَّا الْبَغْيُ فَهُوَ : الْعُدْوَانُ عَلَى النَّاسِ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ 596 عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا - مَعَ مَا يَدَّخِرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ - مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ " .
وَقَوْلُهُ ) يَعِظُكُمْ ) أَيْ : يَأْمُرُكُمْ بِمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ ، وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا يَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ ، ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )
قَالَ الشَّعْبِيُّ ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) الْآيَةَ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) الْآيَةَ ، لَيْسَ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ وَيَسْتَحْسِنُونَهُ إِلَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَلَيْسَ مِنْ خُلُقٍ سَيِّئٍ كَانُوا يَتَعَايَرُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَقَدَّمَ فِيهِ . وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ سَفَاسِفِ الْأَخْلَاقِ وَمَذَامِّهَا .
قُلْتُ : وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ " كِتَابُ مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ " : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَتْحِ الْحَنْبَلِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دَاوُدَ الْمُنْكَدِرِيُّ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَلَغَ أَكْثَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَأَبَى قَوْمُهُ أَنْ يَدَعُوهُ وَقَالُوا : أَنْتَ كَبِيرُنَا ، لَمْ تَكُنْ لِتَخِفَّ إِلَيْهِ ، قَالَ : فَلْيَأْتِهِ مَنْ يُبَلِّغُهُ عَنِّي وَيُبَلِّغُنِي عَنْهُ ، فَانْتَدَبَ رَجُلَانِ فَأَتَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَا نَحْنُ رُسُلُ أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ : مَنْ أَنْتَ ؟ وَمَا أَنْتَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَمَّا مَنْ أَنَا فَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَمَّا مَا أَنَا فَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " . قَالَ : ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) قَالُوا : ارْدُدْ عَلَيْنَا هَذَا الْقَوْلَ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَفِظُوهُ . فَأَتَيَا أَكْثَمَ فَقَالَا أَبَى أَنْ يَرْفَعَ نَسَبَهُ ، فَسَأَلْنَا عَنْ نَسَبِهِ ، فَوَجَدْنَاهُ زَاكِيَ النَّسَبِ وَسَطًا فِي مُضَرَ ، وَقَدْ رَمَى إِلَيْنَا بِكَلِمَاتٍ قَدْ سَمِعْنَاهَا ، فَلَمَّا سَمِعَهُنَّ أَكْثَمُ قَالَ : إِنِّي قَدْ أَرَاهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَيَنْهَى عَنْ مَلَائِمِهَا ، فَكُونُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ رُءُوسًا ، وَلَا تَكُونُوا فِيهِ أَذْنَابًا . 597
وَقَدْ وَرَدَ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا شَهْرٌ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِنَاءِ بَيْتِهِ جَالِسٌ ، إِذْ مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، فَكَشَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَلَا تَجْلِسُ ؟ " فَقَالَ : بَلَى . قَالَ : فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَقْبِلَهُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ شَخَصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَصَرِهِ فِي السَّمَاءِ ، فَنَظَرَ سَاعَةً إِلَى [ السَّمَاءِ ] فَأَخَذَ يَضَعُ بَصَرَهُ حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى يَمْنَتِهِ فِي الْأَرْضِ ، فَتَحَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمَانَ إِلَى حَيْثُ وَضَعَ بَصَرَهُ فَأَخَذَ يُنْغِضُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَفْقِهُ مَا يُقَالُ لَهُ ، وَابْنُ مَظْعُونٍ يَنْظُرُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَاسْتَفْقَهَ مَا يُقَالُ لَهُ ، شَخَصَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى السَّمَاءِ كَمَا شَخَصَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتَّى تَوَارَى فِي السَّمَاءِ . فَأَقْبَلَ إِلَى عُثْمَانَ بِجِلْسَتِهِ الْأُولَى فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، فِيمَا كُنْتُ أُجَالِسُكَ ؟ مَا رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ كَفِعْلِكَ الْغَدَاةَ ، قَالَ : " وَمَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ ؟ " قَالَ : رَأَيْتُكَ شَخَصَ بَصَرُكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعْتَهُ حَيْثُ وَضَعْتَهُ عَلَى يَمِينِكَ ، فَتَحَرَّفْتَ إِلَيْهِ وَتَرَكْتَنِي ، فَأَخَذْتَ تُنْغِضُ رَأْسَكَ كَأَنَّكَ تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقَالُ لَكَ . قَالَ : " وَفَطِنْتَ لِذَلِكَ ؟ " فَقَالَ عُثْمَانُ : نَعَمْ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وَأَنْتَ جَالِسٌ " . قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَمَا قَالَ لَكَ ؟ قَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) قَالَ عُثْمَانُ : فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي ، وَأَحْبَبْتُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
إِسْنَادٌ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ حَسَنٌ ، قَدْ بُيِّنَ فِيهِ السَّمَاعُ الْمُتَّصِلُ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامٍ مُخْتَصَرًا .
حَدِيثٌ آخَرُ : عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ فِي ذَلِكَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا هُرَيْمٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا ، إِذْ شَخَصَ بَصَرُهُ فَقَالَ : " أَتَانِي جِبْرِيلُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ] ) .
وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَعَلَّهُ عِنْدَ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَأْمُرُ عِبَادَهُ بِالْعَدْلِ ، وَهُوَ الْقِسْطُ وَالْمُوَازَنَةُ ، وَيَنْدِبُ إِلَى الْإِحْسَانِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) [ النَّحْلِ : 126 ] وَقَالَ ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) [ الشُّورَى : 40 ] وَقَالَ ( وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ) [ الْمَائِدَةِ : 45 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا مِنْ شَرْعِيَّةِ الْعَدْلِ وَالنَّدْبِ إِلَى الْفَضْلِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : الْعَدْلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : هُوَ اسْتِوَاءُ السَّرِيرَةِ وَالْعَلَانِيَةِ مِنْ كُلِّ عَامِلٍ لِلَّهِ عَمَلًا . وَالْإِحْسَانُ : أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ عَلَانِيَتِهِ . وَالْفَحْشَاءُ وَالْمُنْكِرُ : أَنْ تَكُونَ عَلَانِيَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ سَرِيرَتِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) أَيْ : يَأْمُرُ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ ، كَمَا قَالَ : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 26 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) فَالْفَوَاحِشُ : الْمُحَرَّمَاتُ . وَالْمُنْكَرَاتُ : مَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنْ فَاعِلِهَا ; وَلِهَذَا قِيلَ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) [ الْأَعْرَافِ : 33 ] . وَأَمَّا الْبَغْيُ فَهُوَ : الْعُدْوَانُ عَلَى النَّاسِ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ 596 عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا - مَعَ مَا يَدَّخِرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ - مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ " .
وَقَوْلُهُ ) يَعِظُكُمْ ) أَيْ : يَأْمُرُكُمْ بِمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ ، وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا يَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ ، ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )
قَالَ الشَّعْبِيُّ ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) الْآيَةَ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) الْآيَةَ ، لَيْسَ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ وَيَسْتَحْسِنُونَهُ إِلَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَلَيْسَ مِنْ خُلُقٍ سَيِّئٍ كَانُوا يَتَعَايَرُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَقَدَّمَ فِيهِ . وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ سَفَاسِفِ الْأَخْلَاقِ وَمَذَامِّهَا .
قُلْتُ : وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ " كِتَابُ مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ " : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَتْحِ الْحَنْبَلِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دَاوُدَ الْمُنْكَدِرِيُّ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَلَغَ أَكْثَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَأَبَى قَوْمُهُ أَنْ يَدَعُوهُ وَقَالُوا : أَنْتَ كَبِيرُنَا ، لَمْ تَكُنْ لِتَخِفَّ إِلَيْهِ ، قَالَ : فَلْيَأْتِهِ مَنْ يُبَلِّغُهُ عَنِّي وَيُبَلِّغُنِي عَنْهُ ، فَانْتَدَبَ رَجُلَانِ فَأَتَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَا نَحْنُ رُسُلُ أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ : مَنْ أَنْتَ ؟ وَمَا أَنْتَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَمَّا مَنْ أَنَا فَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَمَّا مَا أَنَا فَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " . قَالَ : ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) قَالُوا : ارْدُدْ عَلَيْنَا هَذَا الْقَوْلَ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَفِظُوهُ . فَأَتَيَا أَكْثَمَ فَقَالَا أَبَى أَنْ يَرْفَعَ نَسَبَهُ ، فَسَأَلْنَا عَنْ نَسَبِهِ ، فَوَجَدْنَاهُ زَاكِيَ النَّسَبِ وَسَطًا فِي مُضَرَ ، وَقَدْ رَمَى إِلَيْنَا بِكَلِمَاتٍ قَدْ سَمِعْنَاهَا ، فَلَمَّا سَمِعَهُنَّ أَكْثَمُ قَالَ : إِنِّي قَدْ أَرَاهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَيَنْهَى عَنْ مَلَائِمِهَا ، فَكُونُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ رُءُوسًا ، وَلَا تَكُونُوا فِيهِ أَذْنَابًا . 597
وَقَدْ وَرَدَ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا شَهْرٌ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِنَاءِ بَيْتِهِ جَالِسٌ ، إِذْ مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، فَكَشَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَلَا تَجْلِسُ ؟ " فَقَالَ : بَلَى . قَالَ : فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَقْبِلَهُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ شَخَصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَصَرِهِ فِي السَّمَاءِ ، فَنَظَرَ سَاعَةً إِلَى [ السَّمَاءِ ] فَأَخَذَ يَضَعُ بَصَرَهُ حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى يَمْنَتِهِ فِي الْأَرْضِ ، فَتَحَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمَانَ إِلَى حَيْثُ وَضَعَ بَصَرَهُ فَأَخَذَ يُنْغِضُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَفْقِهُ مَا يُقَالُ لَهُ ، وَابْنُ مَظْعُونٍ يَنْظُرُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَاسْتَفْقَهَ مَا يُقَالُ لَهُ ، شَخَصَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى السَّمَاءِ كَمَا شَخَصَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتَّى تَوَارَى فِي السَّمَاءِ . فَأَقْبَلَ إِلَى عُثْمَانَ بِجِلْسَتِهِ الْأُولَى فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، فِيمَا كُنْتُ أُجَالِسُكَ ؟ مَا رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ كَفِعْلِكَ الْغَدَاةَ ، قَالَ : " وَمَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ ؟ " قَالَ : رَأَيْتُكَ شَخَصَ بَصَرُكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعْتَهُ حَيْثُ وَضَعْتَهُ عَلَى يَمِينِكَ ، فَتَحَرَّفْتَ إِلَيْهِ وَتَرَكْتَنِي ، فَأَخَذْتَ تُنْغِضُ رَأْسَكَ كَأَنَّكَ تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقَالُ لَكَ . قَالَ : " وَفَطِنْتَ لِذَلِكَ ؟ " فَقَالَ عُثْمَانُ : نَعَمْ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وَأَنْتَ جَالِسٌ " . قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَمَا قَالَ لَكَ ؟ قَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) قَالَ عُثْمَانُ : فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي ، وَأَحْبَبْتُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
إِسْنَادٌ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ حَسَنٌ ، قَدْ بُيِّنَ فِيهِ السَّمَاعُ الْمُتَّصِلُ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامٍ مُخْتَصَرًا .
حَدِيثٌ آخَرُ : عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ فِي ذَلِكَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا هُرَيْمٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا ، إِذْ شَخَصَ بَصَرُهُ فَقَالَ : " أَتَانِي جِبْرِيلُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ] ) .
وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَعَلَّهُ عِنْدَ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith