تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 994 · printed p. 47
47 ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ( 4 ) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ( 5 ) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ( 6 ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ( 7 ) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ( 8 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : إِنَّهُ قَضَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ ، أَيْ : تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَيَعْلُونَ ‌‌عُلُوًّا كَبِيرًا ، أَيْ : يَتَجَبَّرُونَ وَيَطْغَوْنَ وَيَفْجُرُونَ عَلَى النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) [ الْحِجْرِ : 66 ] أَيْ : تَقَدَّمْنَا إِلَيْهِ وَأَخْبَرْنَاهُ بِذَلِكَ وَأَعْلَمْنَاهُ بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا ) أَيْ : أُولَى الْإِفْسَادَتَيْنِ ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) أَيْ : سَلَّطْنَا عَلَيْكُمْ جُنْدًا مِنْ خَلْقِنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ، أَيْ : قُوَّةٍ وَعُدَّةٍ وَسُلْطَةٍ شَدِيدَةٍ ( فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ) أَيْ : تَمَلَّكُوا بِلَادَكُمْ وَسَلَكُوا خِلَالَ بُيُوتِكُمْ ، أَيْ : بَيْنَهَا وَوَسَطَهَا ، وَانْصَرَفُوا ذَاهِبِينَ وَجَائِينَ لَا يَخَافُونَ أَحَدًا ( وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا )
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي هَؤُلَاءِ الْمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ : مَنْ هُمْ ؟ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ : أَنَّهُ جَالُوتُ الْجَزَرِيُّ وَجُنُودُهُ ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا ثُمَّ أُدِيلُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ . وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا )
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّهُ مَلِكُ الْمَوْصِلِ سِنْجَارِيبُ وَجُنُودُهُ . وَعَنْهُ أَيْضًا ، وَعَنْ غَيْرِهِ : أَنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ مَلِكُ بَابِلَ .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ لَهُ قِصَّةً عَجِيبَةً فِي كَيْفِيَّةِ تَرَقِّيهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، إِلَى أَنْ مَلَكَ الْبِلَادَ ، وَأَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا مُقْعَدًا ضَعِيفًا يَسْتَعْطِي النَّاسَ وَيَسْتَطْعِمُهُمْ ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى مَا آلَ ، وَأَنَّهُ سَارَ إِلَى بِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذَا الْمَكَانِ حَدِيثًا أَسْنَدَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا مَحَالَةَ ، لَا يَسْتَرِيبُ فِي ذَلِكَ مَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِالْحَدِيثِ! وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ كَيْفَ رَاجَ عَلَيْهِ مَعَ إِمَامَتِهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ! وَقَدْ صَرَّحَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ ، وَكَتَبَ ذَلِكَ عَلَى حَاشِيَةِ الْكِتَابِ .
وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ إِسْرَائِيلِيَّةٌ لَمْ أَرَ تَطْوِيلَ الْكِتَابِ بِذِكْرِهَا ؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوعٌ ، مِنْ وَضْعِ [ بَعْضِ ] زَنَادِقَتِهِمْ ، وَمِنْهَا مَا قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ، وَنَحْنُ فِي غُنْيَةٍ عَنْهَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَفِيمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ غُنْيَةٌ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْكُتُبِ قَبْلَهُ ، وَلَمْ يُحْوِجْنَا اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَمَّا بَغَوْا وَطَغَوْا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُّوَهُمْ ، فَاسْتَبَاحَ بَيْضَتَهُمْ ، وَسَلَكَ خِلَالَ بُيُوتِهِمْ وَأَذَلَّهُمْ وَقَهَرَهُمْ ، جَزَاءً وِفَاقًا ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَمَرَّدُوا وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ . 48
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : ظَهَرَ بُخْتُنَصَّرُ عَلَى الشَّامِ ، فَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَتَلَهُمْ ، ثُمَّ أَتَى دِمَشْقَ فَوَجَدَ بِهَا دَمًا يَغْلِي عَلَى كِبًا ، فَسَأَلَهُمْ : مَا هَذَا الدَّمُ ؟ فَقَالُوا أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذَا ، وَكُلَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْكِبَا ظَهَرَ . قَالَ : فَقَتَلَ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ ، فَسَكَنَ .
وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَأَنَّهُ قَتَلَ أَشْرَافَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ ، وَأَخَذَ مَعَهُ خَلْقًا مِنْهُمْ أَسْرَى مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَجَرَتْ أُمُورٌ وَكَوَائِنُ يَطُولُ ذِكْرُهَا . وَلَوْ وَجَدْنَا مَا هُوَ صَحِيحٌ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ ، لَجَازَ كِتَابَتُهُ وَرِوَايَتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) أَيْ : فَعَلَيْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ) [ فُصِّلَتْ : 46 ] .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ) أَيْ : الْمَرَّةُ الْآخِرَةُ أَيْ : إِذَا أَفْسَدْتُمُ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ وَجَاءَ أَعْدَاؤُكُمْ ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ) أَيْ : يُهِينُوكُمْ وَيَقْهَرُوكُمْ ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ) أَيْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ( كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أَيْ : فِي الَّتِي جَاسُوا فِيهَا خِلَالَ الدِّيَارِ ) وَلِيُتَبِّرُوا ) أَيْ : يُدَمِّرُوا وَيُخَرِّبُوا ) مَا عَلَوْا ) أَيْ : مَا ظَهَرُوا عَلَيْهِ ( تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) أَيْ : فَيَصْرِفَهُمْ عَنْكُمْ ( وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) أَيْ : مَتَى عُدْتُمْ إِلَى الْإِفْسَادِ ) عُدْنَا ) إِلَى الْإِدَالَةِ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا نَدَّخِرُهُ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) أَيْ : مُسْتَقَرًّا وَمَحْصَرًا وَسِجْنًا لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] : ( حَصِيرًا ) أَيْ : سِجْنًا .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُحْصَرُونَ فِيهَا . وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : فِرَاشٌ وَمِهَادٌ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : قَدْ عَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيَّ - مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ - يَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith