سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثاني
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ ( س )
11
ابْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ ، أَبُو حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ . أَحَدُ السَّابِقِينَ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ، وَنَفَّذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا إِلَى كِسْرَى . وَلَهُ رِوَايَةٌ يَسِيرَةٌ . 12
خَرَجَ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا ، فَأُسِرَ عَلَى قَيْسَارِيَّةَ ، وَحَمَلُوهُ إِلَى طَاغِيَتِهِمْ ، فَرَاوَدَهُ عَنْ دِينِهِ ، فَلَمْ يُفَتَتَنْ .
حَدَّثَ عَنْهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو وَائِلٍ ، وَمَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُهُ مُرْسَلٌ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَرْقِيِّ : الَّذِي حَفِظَ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ بِمُتَّصِلَةٍ .
وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ ، وَابْنُ مَنْدَهْ : شَهِدَ بَدْرًا .
يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ قَامَ يُصَلِّي ، فَجَهَرَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا ابْنَ حُذَافَةَ ، لَا تُسَمِّعْنِي وَسَمِّعِ اللَّهَ .
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً ، عَلَيْهِمْ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ ، وَأَنَا فِيهِمْ ، فَخَرَجْنَا ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ، اسْتَأْذَنَهُ طَائِفَةٌ فَأَذِنَ لَهُمْ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الطَّرِيقِ ، فَأَوْقَدَ الْقَوْمُ نَارًا يَصْطَلُونَ بِهَا ، وَيَصْنَعُونَ عَلَيْهَا صَنِيعًا لَهُمْ ، إِذْ قَالَ : أَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ بِحَقِّي وَطَاعَتِي إِلَّا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النَّارِ ، فَقَامَ نَاسٌ ، فَتَحَجَّزُوا 13 حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاقِعُونَ فِيهَا قَالَ : أَمْسِكُوا ، إِنَّمَا كُنْتُ أَضْحَكُ مَعَكُمْ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تُطِيعُوهُ .
أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي " مُسْنَدِهِ " وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَأَرْسَلَهُ .
ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَلُونِي ، فَقَالَ رَجُلٌ : مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَبُوكَ حُذَافَةُ " 14 .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْقَسْمَلِيُّ : حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، قَالَ : وَجَّهَ عُمَرُ جَيْشًا إِلَى الرُّومِ ، فَأَسَرُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ ، فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ ، فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ وَأُعْطِيَكَ نِصْفَ مُلْكِي ؟ قَالَ : لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ ، وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُ ، وَجَمِيعَ مُلْكِ الْعَرَبِ ، مَا رَجَعْتُ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ . قَالَ : إِذًا أَقْتُلَكَ . قَالَ : أَنْتَ وَذَاكَ ، فَأَمَرَ بِهِ ، فَصُلِبَ ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ : ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ بَدَنِهِ ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ ، وَيَأْبَى ، فَأَنْزَلَهُ . وَدَعَا بِقِدْرٍ ، فَصَبَّ فِيهَا مَاءً حَتَّى احْتَرَقَتْ ، وَدَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا ، فَأُلْقِي فِيهَا ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ ، وَهُوَ يَأْبَى . ثُمَّ بَكَى ، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ : إِنَّهُ بَكَى ، فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ جَزِعَ ، فَقَالَ : رُدُّوهُ . مَا أَبْكَاكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ تُلْقَى السَّاعَةَ فَتَذْهَبُ ، فَكُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ شَعْرِي أَنْفُسٌ تُلْقَى فِي النَّارِ فِي اللَّهِ .
فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ : هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ ؟ .
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : وَعَنْ جَمِيعِ الْأَسَارَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ .
وَقَدِمَ بِالْأَسَارَى عَلَى عُمَرَ ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ ابْنِ حُذَافَةَ ، وَأَنَا أَبْدَأُ ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ . 15
الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : أَنَّ أَهْلَ قَيْسَارِيَّةَ أَسَرُوا ابْنَ حُذَافَةَ ، فَأَمَرَ بِهِ مَلِكُهُمْ ، فَجُرِّبَ بِأَشْيَاءَ صَبَرَ عَلَيْهَا . ثُمَّ جَعَلُوا لَهُ فِي بَيْتٍ مَعَهُ الْخَمْرَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ثَلَاثًا لَا يَأْكُلُ ، فَاطَّلَعُوا عَلَيْهِ ، فَقَالُوا لِلْمَلِكِ : قَدِ انْثَنَى عُنُقُهُ ، فَإِنْ أَخْرَجْتَهُ وَإِلَّا مَاتَ ، فَأَخْرَجَهُ ، وَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ وَتَشْرَبَ ؟
قَالَ : أَمَا إِنَّ الضَّرُورَةَ كَانَتْ قَدْ أَحَلَّتْهَا لِي ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ أُشَمِّتَكَ بِالْإِسْلَامِ . قَالَ : فَقَبِّلْ رَأْسِي ، وَأُخَلِّي لَكَ مِائَةَ أَسِيرٍ . قَالَ : أَمَّا هَذَا ، فَنَعَمْ .
فَقَبَّلَ رَأْسَهُ ، فَخَلَّى لَهُ مِائَةً ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَائِذٍ قِصَّةَ ابْنِ حُذَافَةَ فَقَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ : أَنَّ ابْنَ حُذَافَةَ أُسِرَ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً ، وَفِيهَا : أَطْلَقَ لَهُ ثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ ، وَأَجَازَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَثَلَاثِينَ وَصِيفَةً ، وَثَلَاثِينَ وَصِيفًا .
وَلَعَلَّ هَذَا الْمَلِكَ قَدْ أَسْلَمَ سِرًّا . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مُبَالَغَتُهُ فِي إِكْرَامِ ابْنِ حُذَافَةَ .
وَكَذَا الْقَوْلُ فِي هِرَقْلَ إِذْ عَرَضَ عَلَى قَوْمِهِ الدُّخُولَ فِي الدِّينِ ، فَلَمَّا خَافَهُمْ قَالَ : إِنَّمَا كُنْتُ أَخْتَبِرُ شِدَّتَكُمْ فِي دِينِكُمْ .
فَمَنْ أَسْلَمَ فِي بَاطِنِهِ هَكَذَا ، فَيُرْجَى لَهُ الْخَلَاصُ مِنْ خُلُودِ النَّارِ ؛ إِذْ قَدْ حَصَّلَ فِي بَاطِنِهِ إِيمَانًا مَا وَإِنَّمَا يُخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَضَعَ لِلْإِسْلَامِ وَلِلرَّسُولِ ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُمَا حَقٌّ ، مَعَ كَوْنِ أَنَّهُ عَلَى دِينٍ صَحِيحٍ ، فَتُرَاهُ يُعَظِّمُ لِلدِّينَيْنِ ، كَمَا قَدْ فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْلَمَانِيَّةِ الدَّوَاوِينِ فَهَذَا لَا يَنْفَعُهُ 16 الْإِسْلَامُ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنَ الشِّرْكِ .
مَاتَ ابْنُ حُذَافَةَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - .
11
ابْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ ، أَبُو حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ . أَحَدُ السَّابِقِينَ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ، وَنَفَّذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا إِلَى كِسْرَى . وَلَهُ رِوَايَةٌ يَسِيرَةٌ . 12
خَرَجَ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا ، فَأُسِرَ عَلَى قَيْسَارِيَّةَ ، وَحَمَلُوهُ إِلَى طَاغِيَتِهِمْ ، فَرَاوَدَهُ عَنْ دِينِهِ ، فَلَمْ يُفَتَتَنْ .
حَدَّثَ عَنْهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو وَائِلٍ ، وَمَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُهُ مُرْسَلٌ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَرْقِيِّ : الَّذِي حَفِظَ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ بِمُتَّصِلَةٍ .
وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ ، وَابْنُ مَنْدَهْ : شَهِدَ بَدْرًا .
يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ قَامَ يُصَلِّي ، فَجَهَرَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا ابْنَ حُذَافَةَ ، لَا تُسَمِّعْنِي وَسَمِّعِ اللَّهَ .
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً ، عَلَيْهِمْ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ ، وَأَنَا فِيهِمْ ، فَخَرَجْنَا ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ، اسْتَأْذَنَهُ طَائِفَةٌ فَأَذِنَ لَهُمْ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الطَّرِيقِ ، فَأَوْقَدَ الْقَوْمُ نَارًا يَصْطَلُونَ بِهَا ، وَيَصْنَعُونَ عَلَيْهَا صَنِيعًا لَهُمْ ، إِذْ قَالَ : أَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ بِحَقِّي وَطَاعَتِي إِلَّا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النَّارِ ، فَقَامَ نَاسٌ ، فَتَحَجَّزُوا 13 حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاقِعُونَ فِيهَا قَالَ : أَمْسِكُوا ، إِنَّمَا كُنْتُ أَضْحَكُ مَعَكُمْ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تُطِيعُوهُ .
أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي " مُسْنَدِهِ " وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَأَرْسَلَهُ .
ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَلُونِي ، فَقَالَ رَجُلٌ : مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَبُوكَ حُذَافَةُ " 14 .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْقَسْمَلِيُّ : حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، قَالَ : وَجَّهَ عُمَرُ جَيْشًا إِلَى الرُّومِ ، فَأَسَرُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ ، فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ ، فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ وَأُعْطِيَكَ نِصْفَ مُلْكِي ؟ قَالَ : لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ ، وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُ ، وَجَمِيعَ مُلْكِ الْعَرَبِ ، مَا رَجَعْتُ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ . قَالَ : إِذًا أَقْتُلَكَ . قَالَ : أَنْتَ وَذَاكَ ، فَأَمَرَ بِهِ ، فَصُلِبَ ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ : ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ بَدَنِهِ ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ ، وَيَأْبَى ، فَأَنْزَلَهُ . وَدَعَا بِقِدْرٍ ، فَصَبَّ فِيهَا مَاءً حَتَّى احْتَرَقَتْ ، وَدَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا ، فَأُلْقِي فِيهَا ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ ، وَهُوَ يَأْبَى . ثُمَّ بَكَى ، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ : إِنَّهُ بَكَى ، فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ جَزِعَ ، فَقَالَ : رُدُّوهُ . مَا أَبْكَاكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ تُلْقَى السَّاعَةَ فَتَذْهَبُ ، فَكُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ شَعْرِي أَنْفُسٌ تُلْقَى فِي النَّارِ فِي اللَّهِ .
فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ : هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ ؟ .
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : وَعَنْ جَمِيعِ الْأَسَارَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ .
وَقَدِمَ بِالْأَسَارَى عَلَى عُمَرَ ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ ابْنِ حُذَافَةَ ، وَأَنَا أَبْدَأُ ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ . 15
الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : أَنَّ أَهْلَ قَيْسَارِيَّةَ أَسَرُوا ابْنَ حُذَافَةَ ، فَأَمَرَ بِهِ مَلِكُهُمْ ، فَجُرِّبَ بِأَشْيَاءَ صَبَرَ عَلَيْهَا . ثُمَّ جَعَلُوا لَهُ فِي بَيْتٍ مَعَهُ الْخَمْرَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ثَلَاثًا لَا يَأْكُلُ ، فَاطَّلَعُوا عَلَيْهِ ، فَقَالُوا لِلْمَلِكِ : قَدِ انْثَنَى عُنُقُهُ ، فَإِنْ أَخْرَجْتَهُ وَإِلَّا مَاتَ ، فَأَخْرَجَهُ ، وَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ وَتَشْرَبَ ؟
قَالَ : أَمَا إِنَّ الضَّرُورَةَ كَانَتْ قَدْ أَحَلَّتْهَا لِي ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ أُشَمِّتَكَ بِالْإِسْلَامِ . قَالَ : فَقَبِّلْ رَأْسِي ، وَأُخَلِّي لَكَ مِائَةَ أَسِيرٍ . قَالَ : أَمَّا هَذَا ، فَنَعَمْ .
فَقَبَّلَ رَأْسَهُ ، فَخَلَّى لَهُ مِائَةً ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَائِذٍ قِصَّةَ ابْنِ حُذَافَةَ فَقَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ : أَنَّ ابْنَ حُذَافَةَ أُسِرَ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً ، وَفِيهَا : أَطْلَقَ لَهُ ثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ ، وَأَجَازَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَثَلَاثِينَ وَصِيفَةً ، وَثَلَاثِينَ وَصِيفًا .
وَلَعَلَّ هَذَا الْمَلِكَ قَدْ أَسْلَمَ سِرًّا . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مُبَالَغَتُهُ فِي إِكْرَامِ ابْنِ حُذَافَةَ .
وَكَذَا الْقَوْلُ فِي هِرَقْلَ إِذْ عَرَضَ عَلَى قَوْمِهِ الدُّخُولَ فِي الدِّينِ ، فَلَمَّا خَافَهُمْ قَالَ : إِنَّمَا كُنْتُ أَخْتَبِرُ شِدَّتَكُمْ فِي دِينِكُمْ .
فَمَنْ أَسْلَمَ فِي بَاطِنِهِ هَكَذَا ، فَيُرْجَى لَهُ الْخَلَاصُ مِنْ خُلُودِ النَّارِ ؛ إِذْ قَدْ حَصَّلَ فِي بَاطِنِهِ إِيمَانًا مَا وَإِنَّمَا يُخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَضَعَ لِلْإِسْلَامِ وَلِلرَّسُولِ ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُمَا حَقٌّ ، مَعَ كَوْنِ أَنَّهُ عَلَى دِينٍ صَحِيحٍ ، فَتُرَاهُ يُعَظِّمُ لِلدِّينَيْنِ ، كَمَا قَدْ فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْلَمَانِيَّةِ الدَّوَاوِينِ فَهَذَا لَا يَنْفَعُهُ 16 الْإِسْلَامُ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنَ الشِّرْكِ .
مَاتَ ابْنُ حُذَافَةَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith