سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثاني
page 132 · printed p. 63
أَبُو الْيَمَانِ ، هُوَ الْهَوْزَنِيُّ الدَّغُولِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الصَّائِغُ بِمَكَّةَ : أَخْبَرَنَا الْمُقْرِي : أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الشَّامِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْخَشْخَاشِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : ۝ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أَصْلَيْتَ ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : قُمْ فَصَلِّ ، فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ . قُلْتُ : وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةَ ؟ قُلْ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . قُلْتُ : فَمَا الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : خَيْرٌ مَوْضُوعٌ ، فَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ ، وَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ . قُلْتُ : فَمَا الصِّيَامُ ؟ قَالَ : فَرْضٌ مُجْزِئٌ . قُلْتُ : فَمَا الصَّدَقَةُ ؟ قَالَ : أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَزِيدٌ . قُلْتُ : فَأَيُّهَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ : جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ ، أَوْ سِرٌّ إِلَى فَقِيرٍ . قُلْتُ : فَأَيُّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قُلْتُ : فَأَيُّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلَ ؟ قَالَ : آدَمُ . قُلْتُ : نَبِيًّا كَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مُكَلَّمٌ . قُلْتُ : فَكَمِ الْمُرْسَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا . 63
هِشَامٌ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ : " إِذَا بَلَغَ الْبِنَاءُ سَلْعًا فَاخْرُجْ مِنْهَا - وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ - وَلَا أَرَى أُمَرَاءَكَ يَدَعُونَكَ . قَالَ : أَوَلَا أُقَاتِلُ مَنْ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَمْرِكَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : اسْمَعْ وَأَطِعْ ، وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ .
فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ ، خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ : إِنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ الشَّامَ ، فَطَلَبَهُ عُثْمَانُ ؛ ثُمَّ بَعَثُوا أَهْلَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، فَوَجَدُوا عِنْدَهُمْ كِيسًا أَوْ شَيْئًا ؛ فَظَنُّوهُ دَرَاهِمَ ، فَقَالُوا : مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا هِيَ فُلُوسٌ .
فَقَالَ عُثْمَانُ : كُنْ عِنْدِي . قَالَ : لَا حَاجَةَ لِي فِي دُنْيَاكُمْ ؛ ائْذَنْ لِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى الرَّبَذَةِ ، فَأَذِنَ لَهُ ؛ فَخَرَجَ إِلَيْهَا ، وَعَلَيْهَا عَبْدٌ حَبَشِيٌّ لِعُثْمَانَ ، فَتَأَخَّرَ وَقْتَ الصَّلَاةِ - لَمَّا رَأَى أَبَا ذَرٍّ - فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : تَقَدَّمْ فَصَلِّ .
سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : ۝ كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَيْهِ بَرْذَعَةٌ ، أَوْ قَطِيفَةٌ 64 .
عَفَّانُ : أَخْبَرَنَا سَلَّامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : ۝ أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ : أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي ، وَأَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا ، وَأَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ ، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا ، وَأَلَّا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، وَأَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ .
الْأَوْزَاعِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى ، وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ يَسْتَفْتُونَهُ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَلَمْ يَنْهَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْفُتْيَا ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَقِيبٌ أَنْتَ عَلَيَّ ، لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا .
اسْمُ أَبِي كَثِيرٍ : مَرْثَدٌ .
وَعَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ لَا يُبَالِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، غَيْرَ أَبِي ذَرٍّ ، وَلَا نَفْسِي . ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ .
الْجَرِيرِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الشِّخِّيرِ ، ۝ عَنِ الْأَحْنَفِ ، قَالَ : قَدِمْتُ 65 الْمَدِينَةَ ، فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : بَشِّرِ الْكَنَّازِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَجَلْجَلُ .
قَالَ : فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا .
فَأَدْبَرَ ، فَتَبِعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ ، فَقُلْتُ : مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ . قَالَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ؛ إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَانِي فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، فَأَجَبْتُهُ ، فَقَالَ : تَرَى أُحُدًا ؟ فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ - وَأَنَا أَظُنُّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ - فَقُلْتُ : أَرَاهُ ، فَقَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا ، أُنْفِقُهُ كُلَّهُ ، إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا ، لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا .
فَقُلْتُ : مَا لَكَ وَلِإِخْوَانِكَ مِنْ قُرَيْشٍ ، لَا تَعْتَرِيهِمْ وَلَا تُصِيبُ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : لَا وَرَبِّكَ ، مَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا ، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْحَقَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
.
الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، فَذَكَرَ بَعْضَهُ . 66
مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، قَالَ : ۝ قَدِمَ أَبُو ذَرٍّ مِنَ الشَّامِ ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَأَنَا جَالِسٌ ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا ، وَأَتَى سَارِيَةً ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، تَجَوَّزَ فِيهِمَا ثُمَّ قَرَأَ : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَقَالُوا : حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ : سَمِعْتُ حَبِيبِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا ، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا ، وَفِي الْبُرِّ صَدَقَتُهُ . مَنْ جَمَعَ دِينَارًا ، أَوْ تِبْرًا ، أَوْ فِضَّةً ، لَا يَعُدُّهُ لِغَرِيمٍ ، وَلَا يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، كُوِيَ بِهِ .
قُلْتُ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، انْظُرْ مَا تُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ قَدْ فَشَتْ . قَالَ : مَنْ أَنْتَ ، ابْنُ أَخِي ؟ فَانْتَسَبْتُ لَهُ .
فَقَالَ : قَدْ عَرَفْتُ نَسَبَكَ الْأَكْبَرَ ، مَا تَقْرَأُ : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
.
مُوسَى - ضُعِّفَ - رَوَاهُ عَنْهُ الثِّقَاتُ .
ابْنُ لَهِيعَةَ : حَدَّثَنَا أَبُو قُبَيْلٍ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الزِّيَادِيَّ يُحَدِّثُ ۝ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّهُ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُثْمَانَ ، فَأُذِنَ لَهُ ، وَبِيَدِهِ عَصًا ، فَقَالَ عُثْمَانُ : يَا كَعْبُ ، إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ ، وَتَرَكَ مَالًا ، فَمَا تَرَى ؟ قَالَ : إِنْ 67 كَانَ فَضَلَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ ، فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ ، وَضَرَبَ كَعْبًا وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي هَذَا الْجَبَلَ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي ، أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّةَ أَوَاقٍ أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ : أَسَمِعْتَهُ قَالَ مِرَارًا ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قُلْتُ : هَذَا دَالٌّ عَلَى فَضْلِ إِنْفَاقِهِ وَكَرَاهِيَةِ جَمْعِهِ ؛ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمٍ
.
حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ أَبِي ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ ، فَلَمَّا دَخَلَ ، حَسَرَ عَنْ رَأْسِهِ وَقَالَ : وَاللَّهِ ، مَا أَنَا مِنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - يُرِيدُ الْخَوَارِجَ - قَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ : سِيمَاهُمُ الْحَلْقُ - قَالَ لَهُ عُثْمَانُ : صَدَقْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ ؛ إِنَّمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْكَ لِتُجَاوِرَنَا بِالْمَدِينَةِ . قَالَ : لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ ، ائْذَنْ لِي إِلَى الرَّبَذَةِ . قَالَ : نَعَمْ ، وَنَأْمُرُ لَكَ بِنَعَمٍ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ ، تَغْدُو عَلَيْكَ وَتَرُوحُ . قَالَ : لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ ، يَكْفِي أَبَا ذَرٍّ صُرَيْمَتُهُ ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ : دُونَكُمْ مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ ، دُنْيَاكُمْ فَاعْذِمُوهَا وَدَعُونَا وَرَبَّنَا .
قَالَ : وَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُقَسِّمُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَعِنْدَهُ كَعْبٌ ، فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ عَلَى كَعْبٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ ، مَا تَقُولُ فِيمَنْ جَمَعَ 68 هَذَا الْمَالَ ، فَكَانَ يَتَصَدَّقُ مِنْهُ وَيَصِلُ الرَّحِمَ ؟ قَالَ كَعْبٌ : إِنِّي لَأَرْجُوَ لَهُ ، فَغَضِبَ وَرَفَعَ عَلَيْهِ الْعَصَا ، وَقَالَ : وَمَا تَدْرِي يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ ، لَيَوَدَّنَّ صَاحِبُ هَذَا الْمَالِ لَوْ كَانَ عَقَارِبَ فِي الدُّنْيَا تَلْسَعُ السُّوَيْدَاءَ مِنْ قَلْبِهِ
.
السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى : حَدَّثَنَا غَزْوَانُ أَبُو حَاتِمٍ ، قَالَ : بَيْنَا أَبُو ذَرٍّ عِنْدَ بَابِ عُثْمَانَ لِيُؤْذَنَ لَهُ ، إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، مَا يُجْلِسُكَ هَاهُنَا ؟ قَالَ : يَأْبَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَأْذَنُوا لَنَا ، فَدَخَلَ الرَّجُلُ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا بَالُ أَبِي ذَرٍّ عَلَى الْبَابِ ؟ .
فَأَذِنَ لَهُ ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ نَاحِيَةً ، وَمِيرَاثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُقَسَّمُ ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِكَعْبٍ : أَرَأَيْتَ الْمَالَ إِذَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ ، هَلْ يَخْشَى عَلَى صَاحِبِهِ فِيهِ تَبِعَةً ؟ قَالَ : لَا ، فَقَامَ أَبُو ذَرٍّ فَضَرَبَهُ بِعَصَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ ، تَزْعُمُ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي مَالِهِ ، إِذَا آتَى زَكَاتَهُ ، وَاللَّهُ يَقُولُ : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ . وَيَقُولُ : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ .
فَجَعَلَ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِلْقُرَشِيِّ : إِنَّمَا نَكْرَهُ أَنْ نَأْذَنَ لِأَبِي ذَرٍّ مِنْ أَجْلِ مَا تَرَى
.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ يَخْتَلِفُ مِنَ الرَّبَذَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَخَافَةَ الْأَعْرَابِيَّةِ فَكَانَ يُحِبُّ الْوَحْدَةَ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَعِنْدَهُ كَعْبٌ . . . الْحَدِيثَ . 69
وَفِيهِ : فَشَجَّ كَعْبًا ؛ فَاسْتَوْهَبَهُ عُثْمَانُ ، فَوَهَبَهُ لَهُ ، وَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، اتَّقِ اللَّهَ وَاكْفُفْ يَدَكَ وَلِسَانَكَ
.
مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ نُفَيْعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : اسْتَأْذَنَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ ، فَتَغَافَلُوا عَنْهُ سَاعَةً ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَذَا أَبُو ذَرٍّ بِالْبَابِ . قَالَ : ائْذَنْ لَهُ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤْذِيَنَا وَتُبَرِّحَ بِنَا ، فَأَذِنْتُ لَهُ ، فَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ فَرَجَفَ بِهِ السَّرِيرُ ، وَكَانَ عَظِيمًا طَوِيلًا ، فَقَالَ عُثْمَانُ : أَمَا إِنَّكَ الزَّاعِمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؟ ! قَالَ : مَا قُلْتُ . قَالَ : إِنِّي أَنْزِعُ عَلَيْكَ بِالْبَيِّنَةِ ، قَالَ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا بَيِّنَتُكَ وَمَا تَأْتِي بِهِ ؟ ! وَقَدْ عَلِمْتَ مَا قُلْتُ . قَالَ : فَكَيْفَ إِذًا قُلْتَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي الَّذِي يَلْحَقُ بِي عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدْتُهُ عَلَيْهِ وَكُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَأَنَا عَلَى مَا عَاهَدْتُهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى اللَّهِ تَمَامُ النِّعْمَةِ .
وَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي يَعْلَمُهُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْتَحِلَ إِلَى الشَّامِ فَيَلْحَقُ بِمُعَاوِيَةَ ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِالشَّامِ ، فَاسْتَهْوَى قُلُوبَ الرِّجَالِ ، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُنْكِرُ بَعْضَ شَأْنِ رَعِيَّتِهِ ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا يَبِيتَنَّ عِنْدَ أَحَدِكُمْ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، وَلَا تِبْرٌ وَلَا فِضَّةٌ ، إِلَّا شَيْءٌ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ يُعِدُّهُ لِغَرِيمٍ .
وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ فَأَنْفَقَهَا . 70 فَلَمَّا صَلَّى مُعَاوِيَةُ الصُّبْحَ ، دَعَا رَسُولَهُ ، فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ ، فَقُلْ : أَنْقِذْ جَسَدِي مِنْ عَذَابِ مُعَاوِيَةَ ، فَإِنِّي أَخْطَأْتُ . قَالَ : يَا بُنَيَّ ، قُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ أَبُو ذَرٍّ : وَاللَّهِ مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا مِنْهُ دِينَارٌ . وَلَكِنْ أَنْظِرْنَا ثَلَاثًا حَتَّى نَجْمَعَ لَكَ دَنَانِيرَكَ .
فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةُ أَنَّ قَوْلَهُ صَدَّقَ فِعْلَهُ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنْ كَانَ لَكَ بِالشَّامِ حَاجَةٌ ، أَوْ بِأَهْلِهِ ، فَابْعَثْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ ، فَإِنَّهُ قَدْ وَغَلَ صُدُورَ النَّاسِ .
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ : اقْدُمْ عَلَيَّ ، فَقَدِمَ
.
ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادٍ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فِيهِ الشِّدَّةُ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى قَوْمِهِ ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ . ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُرَخِّصُ فِيهِ بَعْدُ ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ أَبُو ذَرٍّ ، فَتَعَلَّقَ أَبُو ذَرٍّ بِالْأَمْرِ الشَّدِيدِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith