سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثاني عشر
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي : الدَّارِمِيَّ- عَنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، فَقَالَ : كَتَبْنَاهُ مَعَ مُحَمَّدٍ ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ : سَالِمٌ ضَعِيفٌ . فَقِيلَ لَهُ : مَا تَقَولُ أَنْتَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ أَبْصَرُ مِنِّي .
قَالَ : وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ : لَا يَكْذِبُ الْكَاذِبُ إِلَّا مِنْ مَهَانَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَهُ : مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ ، فَقَالَ : مُحَمَّدٌ أَبْصَرُ مِنِّي ، لِأَنَّ هَمَّهُ النَّظَرُ فِي الْحَدِيثِ ، وَأَنَا مَشْغُولٌ مَرِيضٌ ، ثُمَّ قَالَ : مُحَمَّدٌ أَكْيَسُ خَلْقِ اللَّهِ ، إِنَّهُ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَنَهَى عَنْهُ فِي كِتَابِهِ ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ . إِذَا قَرَأَ مُحَمَّدٌ الْقُرْآنَ ، شَغَلَ قَلْبَهُ وَبَصَرَهُ وَسَمْعَهُ ، وَتَفَكَّرَ فِي أَمْثَالِهِ ، وَعَرَفَ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ .
وَقَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ سُلَيْمَانُ بْنُ مُجَالِدٍ ، إِنِّي سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِيَّ عَنْ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَعْلَمُنَا وَأَفْقَهُنَا 427 وَأَغْوَصُنَا ، وَأَكْثَرُنَا طَلَبًا .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبَ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ طَلَبُ مُحَمَّدٍ لِلْحَدِيثِ طَلَبَنَا ، كَانَ إِذَا نَظَرَ فِي حَدِيثِ رَجُلٍ أَنْزَفَهُ .
وَقَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ وَرَّاقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : سَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ كِتَابِ " الْأَدَبِ " مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَقَالَ : احْمِلْهُ لِأَنْظُرَ فِيهِ ، فَأَخَذَ الْكِتَابِ مِنِّي ، وَحَبَسَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَلَمَّا أَخَذْتُ مِنْهُ ، قُلْتُ : هَلْ رَأَيْتَ فِيهِ حَشْوًا ، أَوْ حَدِيثًا ضَعِيفًا؟ فَقَالَ : ابْنُ إِسْمَاعِيلَ لَا يَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ إِلَّا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، وَهَلْ يُنْكَرُ عَلَى مُحَمَّدٍ؟ ! .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الطَّيِّبِ حَاتِمَ بْنَ مَنْصُورٍ الْكِسِّيَّ يَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي بَصَرِهِ وَنَفَاذِهِ مِنَ الْعِلْمِ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الْمُسْتَنِيرَ بْنَ عَتِيقٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَجَاءً الْحَافِظَ يَقُولُ : فَضْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَلَى الْعُلَمَاءِ كَفَضْلِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ؟! فَقَالَ : هُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ : سَأَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَبَا رَجَاءٍ 428 الْبَغْلَانِيَّ -يَعْنِي : قُتَيْبَةَ - إِخْرَاجَ أَحَادِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، فَقَالَ : مُنْذُ كَتَبْتُهَا مَا عَرَضْتُهَا عَلَى أَحَدٍ ، فَإِنِ احْتَسَبْتَ وَنَظَرْتَ فِيهَا ، وَعَلَّمْتَ عَلَى الْخَطَأِ مِنْهَا فَعَلْتُ ، وَإِلَّا لَمْ أُحَدِّثْ بِهَا ؛ لِأَنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا بَعْضُ الْخَطَأِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الزِّحَامَ كَانَ كَثِيرًا ، وَكَانَ النَّاسُ يُعَارِضُونَ كُتُبَهُمْ ، فَيُصَحِّحُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَتَرَكْتُ كِتَابِي كَمَا هُوَ ، فَسُرَّ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ ، وَقَالَ : وُفِّقْتَ . ثُمَّ أَخَذَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ صَلَاةَ الْغَدَاةِ ، فَيَنْظُرُ فِيهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَجْلِسِ ، وَيُعَلِّمُ عَلَى الْخَطَأِ مِنْهُ . فَسَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ رَدَّ عَلَى أَبِي رَجَاءٍ يَوْمًا حَدِيثًا ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، هَذَا مِمَّا كَتَبَ عَنِّي أَهْلُ بَغْدَادَ ، وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَلَا أَقْدِرُ أُغَيِّرُهُ . فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إِنَّمَا كَتَبَ أُولَئِكَ عَنْكَ لِأَنَّكَ كُنْتَ مُجْتَازًا ، وَأَنَا قَدْ كُتِبْتُ هَذَا عَنْ عِدَّةٍ عَلَى مَا أَقُولُ لَكَ ، كَتَبْتُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، وَابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَكَاتِبِ اللَّيْثِ عَنِ اللَّيْثِ . فَرَجَعَ أَبُو رَجَاءٍ ، وَفَهِمَ قَوْلَهُ ، وَخَضَعَ لَهُ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ : كَانَ زَكَرِيَّا اللُّؤْلُؤِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ شُجَاعٍ بِبَلْخَ يَمْشِيَانِ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْمَشَايِخِ إِجْلَالًا لَهُ وَإِكْرَامًا .
قَالَ : وَسَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : رَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ راهْوَيْهِ جَالِسًا عَلَى السَّرِيرِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ مَعَهُ ، وَإِسْحَاقُ يَقُولُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَتَّى مَرَّ عَلَى حَدِيثٍ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ . 429 ثُمَّ رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ رَافِعٍ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ يَسْأَلَانِهِ عَنْ عِلَلِ الْحَدِيثِ ، فَلَمَّا قَامَا قَالَا لِمَنْ حَضَرَ : لَا تُخْدَعُوا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ أَفْقَهُ مِنَّا وَأَعْلَمُ وَأَبْصَرُ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كُنَّا عِنْدَ إِسْحَاقَ وَعَمْرِو بْنِ زُرارَةَ ثَمَّ ، وَهُوَ يَسْتَمْلِي عَلَى الْبُخَارِيِّ ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَكْتُبُونَ عَنْهُ ، وَإِسْحَاقُ يَقُولُ : هُوَ أَبْصَرُ مِنِّي . وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَوْمئِذٍ شَابًّا .
وَقَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : كُنَّا مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، فَسَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ حَدِيثٍ ، فَأَجَابَهُ ، فَقَالَ : هَذَا أَفْقَهُ خَلْقِ اللَّهِ فِي زَمَانِنَا . وَأَشَارَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ مُجَاهِدٍ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ وَكِيعًا وَابْنَ عُيَيْنَةَ وَابْنَ الْمُبَارَكِ كَانُوا فِي الْأَحْيَاءِ ، لَاحْتَاجُوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : انْظُرْ فِي كُتُبِي وَمَا أَمْلِكُهُ لَكَ ، وَأَنَا شَاكِرٌ لَكَ مَا دُمْتُ حَيًّا .
وَقَالَ : قَالَ لِي أَبُو عَمْرٍو الْكِرْمَانِيُّ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَلِيِّ الصَّيْرَفِيَّ يَقُولُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَدِيقِي ، لَيْسَ بِخُرَاسَانَ مِثْلُهُ .
فَحَكَيْتُ لِمِهْيَارٍ بِالْبَصْرَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : رَحَلَ إِلَيَّ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا ، فَمَا رَحَلَ إِلَيَّ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَقَالَ مِهْيَارٌ : صَدَقَ . أَنَا رَأَيْتُهُ مَعَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَهُمَا يَخْتَلِفَانِ جَمِيعًا إِلَى 430 مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَرَأَيْتُ يَحْيَى يَنْقَادُ لَهُ فِي الْمَعْرِفَةِ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْأَشَجَّ ، وَخَرَجَ إِلَيْنَا فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ ، وَهُوَ يَرْتَعِدُ مِنَ الْبَرْدِ ، فَقَالَ : أَيَكُونُ عِنْدَكُمْ مِثْلُ ذَا الْبَرْدِ؟ فَقُلْتُ : مِثْلُ ذَا يَكُونُ فِي الْخَرِيفِ وَالرَّبِيعِ ، وَرُبَّمَا نُمْسِي وَالنَّهْرُ جَارٍ ، فَنُصْبِحُ وَنَحْتَاجُ إِلَى الْفَأْسِ فِي نَقْبِ الْجَمَدِ . فَقَالَ لِي : مَنْ أَيِّ خُراسَانَ أَنْتَ؟ قُلْتُ مِنْ بُخارَى . فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ : هُوَ مِنْ وَطَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَقَالَ لَهُ : إِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ مَنْ يُتَوَسَّلُ بِهِ فَاعْرِفْ لَهُ حَقَّهُ ، فَإِنَّهُ إِمَامٌ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ الشَّاشِيَّ ، سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ : مَا أَخَذَ عَنِّي أَحَدٌ مَا أَخَذَ عَنِّي مُحَمَّدٌ ، نَظَرَ إِلَى كُتُبِي ، فَرَآهَا دَارِسَةً ، فَقَالَ لِي : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُجَدِّدَهَا ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فَاسْتَخْرَجَ عَامَّةَ حَدِيثِي بِهَذِهِ الْعِلَّةِ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ يَقُولُ : دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ سَاعَةَ وَدَّعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : قُلْ فِي أَدَبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا شِئْتَ ، وَقُلْ فِي عِلْمِ مُحَمَّدٍ مَا شِئْتَ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ يَقُولُ : وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ ، فَسَمِعَ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ يُفَضِّلُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : إِذَا قَدَّمْتُمُوهُ فَقَدِّمُوهُ فِي الشِّعْرِ وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا تُقَدِّمُوهُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَدُسُّ إِلَيَّ أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِ الْمُشْكِلَةِ عَلَيْهِ ، يَسْأَلُنِي أَنْ أَعْرِضَهَا عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ لَا يَعْلَمَ مُحَمَّدٌ ، فَكُنْتُ إِذَا عَرَضْتُ عَلَيْهِ شَيْئًا يَقُولُ : مِنْ ثَمَّ جَاءَتْ؟ . 431
وَعَنْ قُتَيْبَةَ قَالَ : لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِي الصَّحَابَةِ لَكَانَ آيَةً .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْهَمَذَانِيُّ : كُنَّا عِنْدَ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، فَجَاءَ رَجُلٌ شَعْرانِيٌّ يُقَالُ لَهُ : أَبُو يَعْقُوبَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَنَكَّسَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : يَا هَؤُلَاءِ ، نَظَرْتُ فِي الْحَدِيثِ ، وَنَظَرْتُ فِي الرَّأْيِ ، وَجَالَسْتُ الْفُقَهَاءَ وَالزُّهَّادَ وَالْعُبَّادَ ، مَا رَأَيْتُ مُنْذُ عَقَلْتُ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَقَالَ حَاشِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ يَقُولُ : مَثَلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ فِي صِدْقِهِ وَوَرَعِهِ كَمَا كَانَ عُمَرُ فِي الصَّحَابَةِ .
وَقَالَ حَاشِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : لَمْ يَجِئْنَا مِنْ خُرَاسَانَ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ قَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَعْلَمُ مَنْ دَخَلَ الْعِرَاقَ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، سَمِعَ بِبُخارَى هَارُونَ بْنَ الْأَشْعَثِ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ سَلَامٍ ، وَسَمَّى خَلْقًا مِنْ شُيُوخِهِ .
ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الطَّيِّبِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْمُذَكِّرِ ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَحْفَظَ لَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ . 432
ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْحَافِظَ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : رَأَيْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ بَيْنَ يَدِيِ الْبُخَارِيِّ يَسْأَلُهُ سُؤَالَ الصَّبِيِّ . ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيَّ الْمُعَدَّلَ ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَمْدُونَ يَقُولُ : رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ فِي جِنَازَةِ سَعِيدِ بْنِ مَرْوَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ يَسْأَلُهُ عَنِ الْأَسَامِي وَالْكُنَى وَالْعِلَلِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَمُرُّ فِيهِ مِثْلَ السَّهْمِ ، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْمُطَّوِّعِيُّ بِبُخَارَى ، حَدَّثَنَا مُسَبِّحُ بْنُ سَعِيدٍ الْبُخَارِيُّ ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِيَّ يَقُولُ : قَدْ رَأَيْتُ الْعُلَمَاءَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقَيْنِ ، فَمَا رَأَيْتُ فِيهِمْ أَجْمَعَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ بْنِ رُسْتُمَ : سَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ ، وَجَاءَ إِلَى الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ .
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : لَمْ أَرَ بِالْعِرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي مَعْنَى الْعِلَلِ وَالتَّارِيخِ وَمَعْرِفَةِ الْأَسَانِيدِ أَعْلَمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ . 433
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيرٍ ، فَلَمَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، جَعَلَكَ اللَّهُ زَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : اسْتُجِيبَ لَهُ فِيهِ .
قُلْتُ : ابْنُ مُنِيرٍ مِنْ كِبَارِ الزُّهَّادِ ، قَالَ . . . . . . قِيلَ : إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الْعِرَاقِ ، قَدْمَتَهُ الْآخِرَةَ ، وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ ، وَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ ، وَبَالَغُوا فِي بِرِّهِ . قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : كَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمْ يَوْمَ دُخُولِنَا الْبَصْرَةَ؟ .
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَزَرَةُ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَجْلِسُ بِبَغْدَادَ ، وَكُنْتُ أَسْتَمْلِي لَهُ ، وَيَجْتَمِعُ فِي مَجْلِسِهِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا .
وَقَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ النَّسَفِيُّ : سَأَلْتُ أَبَا عَلِيٍّ صَالِحَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الدَّارِمِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَأَبِي زُرْعَةَ ، فَقَالَ : أَعْلَمُهُمْ بِالْحَدِيثِ مُحَمَّدٌ ، وَأَحْفَظُهُمْ أَبُو زُرْعَةَ .
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ زَبْرَكَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الرَّازِيَّ يَقُولُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ : يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ خُرَاسَانَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا أَحْفَظُ مِنْهُ ، وَلَا قَدِمَ الْعِرَاقَ أَعْلَمُ مِنْهُ . فَقَدِمَ عَلَيْنَا الْبُخَارِيُّ . 434
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : قَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَافِظُ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُنَصِّبُوا آخَرَ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ الدَّغُولِيُّ : كَتَبَ أَهْلُ بَغْدَادَ إِلَى الْبُخَارِيِّ : ﴿﴾ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا بَقِيتَ لَهُمْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ ﴿﴾
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ : سُئِلَ أَبُو زَرْعَةَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةٍ ، فَقَالَ : تَرَكَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلُ . وَسُئِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، فَقَالَ : تَرَكَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ . فَذُكِرَ ذَلِكَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : بِرُّهُ لَنَا قَدِيمٌ .
قَالَ الْخَطِيبُ : وَسُئِلَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّازِيُّ الصَّائِغُ : أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ، أَبُو زُرْعَةَ أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ؟ فَقَالَ : الْتَقَيْتُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بَيْنَ حُلْوَانَ وَبَغْدَادَ ، فَرَجَعتُ مَعَهُ مَرْحَلَةً ، وَجَهِدْتُ أَنْ أَجِيءَ بِحَدِيثٍ لَا يَعْرِفُهُ ، فَمَا أَمْكَنَنِي ، وَأَنَا أُغَرِّبُ عَلَى أَبِي زُرْعَةَ عَدَدَ شَعْرِهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ فِي " تَارِيخِهِ " : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ طَلَبَ الْعِلْمَ ، وَجَالِسَ النَّاسَ ، وَرَحَلَ فِي الْحَدِيثِ ، وَمَهَرَ فِيهِ وَأَبْصَرَ ، 435 وَكَانَ حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ ، وَالْحِفْظِ ، وَكَانَ يَتَفَقَّهُ .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : رَأَيْتُ أَبِي يُطْنِبُ فِي مَدْحِ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ ، وَيَذْكُرُهُ بِالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ .
وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْأَشْقَرُ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى بُخارَى يُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّاشِ ، نَزَلَ الرِّبَاطَ ، وَسَارَ إِلَيْهِ مَشَايِخُنَا ، وَسِرْتُ فِيمَنْ سَارَ إِلَيْهِ ، فَسَأَلَنِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِسَلَامَتِهِ ، وَقُلْتُ : لَعَلَّهُ يَجِيئُكَ السَّاعَةَ ، فَأَمْلَى عَلَيْنَا ، وَانْقَضَى الْمَجْلِسُ ، وَلَمْ يَجِئْ . فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي لَمْ يَجِئْهُ . فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ رَجَاءٌ : إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَرَنَا أَهْلًا لِلزِّيَارَةِ ، فَمُرُّوا بِنَا إِلَيْهِ نَقْضِ حَقَّهُ ، فَإِنِّي عَلَى الْخُرُوجِ -وَكَانَ كَالْمُتَرَغَّمِ عَلَيْهِ- فَجِئْنَا بِجَمَاعَتِنَا إِلَيْهِ ، فَقَالَ رَجَاءٌ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، كُنْتُ بِالْأَشْوَاقِ إِلَيْكَ ، وَأَشْتَهِي أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ ، فَإِنِّي عَلَى الْخُرُوجِ . قَالَ : مَا شِئْتَ . فَأَلْقَى عَلَيْهِ رَجَاءٌ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ ، وَأَبُو عَبْدُ اللَّهِ يُجِيبُ إِلَى أَنْ سَكَتَ رَجَاءٌ عَنِ الْإِلْقَاءِ . فَقَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : تَرَى بَقِيَ شَيْءٌ لَمْ نَذْكُرْهُ ، فَأَخَذَ مُحَمَّدٌ يُلْقِي ، وَيَقُولُ رَجَاءٌ : مَنْ رَوَى هَذَا ؟ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَجِيءُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَنْ أَلْقَى قَرِيبًا مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا . وَتَغَيَّرَ رَجَاءٌ تَغَيُّرًا شَدِيدًا ، وَحَانَتْ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ نَظْرَةٌ إِلَى وَجْهِهِ ، فَعَرَفَ التَّغَيُّرَ فِيهِ ، فَقَطَعَ الْحَدِيثَ . فَلَمَّا خَرَجَ رَجَاءٌ قَالَ مُحَمَّدٌ : أَرَدْتُ أَنْ أَبْلُغَ بِهِ ضِعْفَ مَا أَلْقَيْتُهُ ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ يَدْخُلَهُ شَيْءٌ ، فَأَمْسَكْتُ . .
وَقَالَ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ الْخَفَّافَ يَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْ إِسْحَاقَ بْنِ راهْوَيْهِ وَأَحْمَدَ بْنِ 436 حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا بِعِشْرِينَ دَرَجَةً ; وَمَنْ قَالَ فِيهِ شَيْئًا ، فَمِنِّي عَلَيْهِ أَلْفُ لَعْنَةٍ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الْعَالِمُ الَّذِي لَمْ أَرَ مِثْلَهُ . وَرُوِيَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِعُبَيْدٍ الْعِجْلِ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ يَبْلُغُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ . وَرَأَيْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَأَبَا حَاتِمٍ يَسْتَمِعَانِ إِلَى مُحَمَّدٍ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُ ، يَجْلِسُونَ إِلَى جَنْبِهِ ، فَذُكِرَ لِعُبَيْدٍ الْعَجَلِ قِصَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، فَقَالَ : مَا لَهُ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ؟ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ ، وَكَانَ أَعْلَمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بِكَذَا وَكَذَا ، وَكَانَ دَيِّنًا فَاضِلًا يُحْسِنُ كُلَّ شَيْءٍ .
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدُونَ الْقَصَّارُ : سَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ ، وَجَاءَ إِلَى الْبُخَارِيِّ ، فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَقَالَ : دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ . ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَكَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ فَمَا عِلَّتُهُ ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ 437 إِسْمَاعِيلَ : هَذَا حَدِيثٌ مَلِيحٌ ، وَلَا أَعْلَمُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الدُّنْيَا حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ فِي هَذَا الْبَابِ ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وَهِيبٌ ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَوْلَهُ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَهَذَا أَوْلَى ، فَإِنَّهُ لَا يُذْكَرُ لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ سَمَاعٌ مِنْ سُهَيْلٍ . فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ : لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا حَاسِدٌ ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُكَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَخْرَمِ : سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ : لَمَّا قَدِمَ الْبُخَارِيُّ نَيْسَابُورَ اسْتَقْبَلَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ رُكْبَانًا عَلَى الْخَيْلِ ، سِوَى مَنْ رَكِبَ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا وَسِوَى الرَّجَّالَةِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ الْآمُلِيُّ : وَدِدْتُ أَنِّي شَعْرَةٌ فِي صَدْرِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ وَآخَرَ يَقُولَانِ : كَانَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْبَصْرَةِ يَعْدُونَ خَلْفَ الْبُخَارِيِّ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ شَابٌّ حَتَّى يَغْلِبُوهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَيُجْلِسُوهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ، فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ أُلُوفٌ أَكْثَرُهُمْ مِمَّنْ يَكْتُبُ عَنْهُ قَالَا : وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ شَابًّا ، لَمْ يَخْرُجْ وَجْهُهُ . 438
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَهْدَوِيُّ ، سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيَّ ، سَمِعْتُ أَبَا سَهْلٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيَّ ، سَمِعْتُ أَبَا زَيْدٍ الْمَرْوَزِيَّ الْفَقِيهَ يَقُولُ : كُنْتُ نَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَقَالَ لِي : يَا أَبَا زَيْدٍ ، إِلَى مَتَى تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا تَدْرُسُ كِتَابِي ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا كِتَابُكَ ؟ قَالَ : " جَامِعُ " مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَجَدْتُ فَائِدَةً مَنْقُولَةً عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ بْنِ دِحْيَةَ ، أَنَّ الرَّمْلِيَّ الْكَذَّابَةَ قَالَ : الْبُخَارِيُّ مَجْهُولٌ ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى الْفِرَبْرِيُّ . قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَاللَّهِ كَذَبَ فِي هَذَا وَفَجَرَ ، وَالْتَقَمَ الْحَجْرَ ، بَلِ الْبُخَارِيُّ مَشْهُورٌ بِالْعِلْمِ وَحَمَلِهِ ; مُجْمَعٌ عَلَى حِفْظِهِ وَنُبْلِهِ ، جَابَ الْبِلَادَ ، وَطَلَبَ الرِّوَايَةَ وَالْإِسْنَادَ . رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنْ قَالَ : وَأَمَّا كِتَابُهُ فَقَدْ عَرَضَهُ عَلَى حَافِظِ زَمَانِهِ أَبِي زُرْعَةَ ، فَقَالَ : كِتَابُكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ .
قَالَ : وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ : لَا يَكْذِبُ الْكَاذِبُ إِلَّا مِنْ مَهَانَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَهُ : مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ ، فَقَالَ : مُحَمَّدٌ أَبْصَرُ مِنِّي ، لِأَنَّ هَمَّهُ النَّظَرُ فِي الْحَدِيثِ ، وَأَنَا مَشْغُولٌ مَرِيضٌ ، ثُمَّ قَالَ : مُحَمَّدٌ أَكْيَسُ خَلْقِ اللَّهِ ، إِنَّهُ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَنَهَى عَنْهُ فِي كِتَابِهِ ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ . إِذَا قَرَأَ مُحَمَّدٌ الْقُرْآنَ ، شَغَلَ قَلْبَهُ وَبَصَرَهُ وَسَمْعَهُ ، وَتَفَكَّرَ فِي أَمْثَالِهِ ، وَعَرَفَ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ .
وَقَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ سُلَيْمَانُ بْنُ مُجَالِدٍ ، إِنِّي سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِيَّ عَنْ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَعْلَمُنَا وَأَفْقَهُنَا 427 وَأَغْوَصُنَا ، وَأَكْثَرُنَا طَلَبًا .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبَ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ طَلَبُ مُحَمَّدٍ لِلْحَدِيثِ طَلَبَنَا ، كَانَ إِذَا نَظَرَ فِي حَدِيثِ رَجُلٍ أَنْزَفَهُ .
وَقَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ وَرَّاقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : سَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ كِتَابِ " الْأَدَبِ " مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَقَالَ : احْمِلْهُ لِأَنْظُرَ فِيهِ ، فَأَخَذَ الْكِتَابِ مِنِّي ، وَحَبَسَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَلَمَّا أَخَذْتُ مِنْهُ ، قُلْتُ : هَلْ رَأَيْتَ فِيهِ حَشْوًا ، أَوْ حَدِيثًا ضَعِيفًا؟ فَقَالَ : ابْنُ إِسْمَاعِيلَ لَا يَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ إِلَّا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، وَهَلْ يُنْكَرُ عَلَى مُحَمَّدٍ؟ ! .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الطَّيِّبِ حَاتِمَ بْنَ مَنْصُورٍ الْكِسِّيَّ يَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي بَصَرِهِ وَنَفَاذِهِ مِنَ الْعِلْمِ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الْمُسْتَنِيرَ بْنَ عَتِيقٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَجَاءً الْحَافِظَ يَقُولُ : فَضْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَلَى الْعُلَمَاءِ كَفَضْلِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ؟! فَقَالَ : هُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ : سَأَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَبَا رَجَاءٍ 428 الْبَغْلَانِيَّ -يَعْنِي : قُتَيْبَةَ - إِخْرَاجَ أَحَادِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، فَقَالَ : مُنْذُ كَتَبْتُهَا مَا عَرَضْتُهَا عَلَى أَحَدٍ ، فَإِنِ احْتَسَبْتَ وَنَظَرْتَ فِيهَا ، وَعَلَّمْتَ عَلَى الْخَطَأِ مِنْهَا فَعَلْتُ ، وَإِلَّا لَمْ أُحَدِّثْ بِهَا ؛ لِأَنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا بَعْضُ الْخَطَأِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الزِّحَامَ كَانَ كَثِيرًا ، وَكَانَ النَّاسُ يُعَارِضُونَ كُتُبَهُمْ ، فَيُصَحِّحُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَتَرَكْتُ كِتَابِي كَمَا هُوَ ، فَسُرَّ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ ، وَقَالَ : وُفِّقْتَ . ثُمَّ أَخَذَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ صَلَاةَ الْغَدَاةِ ، فَيَنْظُرُ فِيهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَجْلِسِ ، وَيُعَلِّمُ عَلَى الْخَطَأِ مِنْهُ . فَسَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ رَدَّ عَلَى أَبِي رَجَاءٍ يَوْمًا حَدِيثًا ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، هَذَا مِمَّا كَتَبَ عَنِّي أَهْلُ بَغْدَادَ ، وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَلَا أَقْدِرُ أُغَيِّرُهُ . فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إِنَّمَا كَتَبَ أُولَئِكَ عَنْكَ لِأَنَّكَ كُنْتَ مُجْتَازًا ، وَأَنَا قَدْ كُتِبْتُ هَذَا عَنْ عِدَّةٍ عَلَى مَا أَقُولُ لَكَ ، كَتَبْتُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، وَابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَكَاتِبِ اللَّيْثِ عَنِ اللَّيْثِ . فَرَجَعَ أَبُو رَجَاءٍ ، وَفَهِمَ قَوْلَهُ ، وَخَضَعَ لَهُ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ : كَانَ زَكَرِيَّا اللُّؤْلُؤِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ شُجَاعٍ بِبَلْخَ يَمْشِيَانِ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْمَشَايِخِ إِجْلَالًا لَهُ وَإِكْرَامًا .
قَالَ : وَسَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : رَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ راهْوَيْهِ جَالِسًا عَلَى السَّرِيرِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ مَعَهُ ، وَإِسْحَاقُ يَقُولُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَتَّى مَرَّ عَلَى حَدِيثٍ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ . 429 ثُمَّ رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ رَافِعٍ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ يَسْأَلَانِهِ عَنْ عِلَلِ الْحَدِيثِ ، فَلَمَّا قَامَا قَالَا لِمَنْ حَضَرَ : لَا تُخْدَعُوا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ أَفْقَهُ مِنَّا وَأَعْلَمُ وَأَبْصَرُ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كُنَّا عِنْدَ إِسْحَاقَ وَعَمْرِو بْنِ زُرارَةَ ثَمَّ ، وَهُوَ يَسْتَمْلِي عَلَى الْبُخَارِيِّ ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَكْتُبُونَ عَنْهُ ، وَإِسْحَاقُ يَقُولُ : هُوَ أَبْصَرُ مِنِّي . وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَوْمئِذٍ شَابًّا .
وَقَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : كُنَّا مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، فَسَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ حَدِيثٍ ، فَأَجَابَهُ ، فَقَالَ : هَذَا أَفْقَهُ خَلْقِ اللَّهِ فِي زَمَانِنَا . وَأَشَارَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ مُجَاهِدٍ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ وَكِيعًا وَابْنَ عُيَيْنَةَ وَابْنَ الْمُبَارَكِ كَانُوا فِي الْأَحْيَاءِ ، لَاحْتَاجُوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : انْظُرْ فِي كُتُبِي وَمَا أَمْلِكُهُ لَكَ ، وَأَنَا شَاكِرٌ لَكَ مَا دُمْتُ حَيًّا .
وَقَالَ : قَالَ لِي أَبُو عَمْرٍو الْكِرْمَانِيُّ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَلِيِّ الصَّيْرَفِيَّ يَقُولُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَدِيقِي ، لَيْسَ بِخُرَاسَانَ مِثْلُهُ .
فَحَكَيْتُ لِمِهْيَارٍ بِالْبَصْرَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : رَحَلَ إِلَيَّ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا ، فَمَا رَحَلَ إِلَيَّ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَقَالَ مِهْيَارٌ : صَدَقَ . أَنَا رَأَيْتُهُ مَعَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَهُمَا يَخْتَلِفَانِ جَمِيعًا إِلَى 430 مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَرَأَيْتُ يَحْيَى يَنْقَادُ لَهُ فِي الْمَعْرِفَةِ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْأَشَجَّ ، وَخَرَجَ إِلَيْنَا فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ ، وَهُوَ يَرْتَعِدُ مِنَ الْبَرْدِ ، فَقَالَ : أَيَكُونُ عِنْدَكُمْ مِثْلُ ذَا الْبَرْدِ؟ فَقُلْتُ : مِثْلُ ذَا يَكُونُ فِي الْخَرِيفِ وَالرَّبِيعِ ، وَرُبَّمَا نُمْسِي وَالنَّهْرُ جَارٍ ، فَنُصْبِحُ وَنَحْتَاجُ إِلَى الْفَأْسِ فِي نَقْبِ الْجَمَدِ . فَقَالَ لِي : مَنْ أَيِّ خُراسَانَ أَنْتَ؟ قُلْتُ مِنْ بُخارَى . فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ : هُوَ مِنْ وَطَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَقَالَ لَهُ : إِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ مَنْ يُتَوَسَّلُ بِهِ فَاعْرِفْ لَهُ حَقَّهُ ، فَإِنَّهُ إِمَامٌ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ الشَّاشِيَّ ، سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ : مَا أَخَذَ عَنِّي أَحَدٌ مَا أَخَذَ عَنِّي مُحَمَّدٌ ، نَظَرَ إِلَى كُتُبِي ، فَرَآهَا دَارِسَةً ، فَقَالَ لِي : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُجَدِّدَهَا ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فَاسْتَخْرَجَ عَامَّةَ حَدِيثِي بِهَذِهِ الْعِلَّةِ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ يَقُولُ : دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ سَاعَةَ وَدَّعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : قُلْ فِي أَدَبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا شِئْتَ ، وَقُلْ فِي عِلْمِ مُحَمَّدٍ مَا شِئْتَ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ يَقُولُ : وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ ، فَسَمِعَ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ يُفَضِّلُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : إِذَا قَدَّمْتُمُوهُ فَقَدِّمُوهُ فِي الشِّعْرِ وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا تُقَدِّمُوهُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ .
وَقَالَ : سَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَدُسُّ إِلَيَّ أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِ الْمُشْكِلَةِ عَلَيْهِ ، يَسْأَلُنِي أَنْ أَعْرِضَهَا عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ لَا يَعْلَمَ مُحَمَّدٌ ، فَكُنْتُ إِذَا عَرَضْتُ عَلَيْهِ شَيْئًا يَقُولُ : مِنْ ثَمَّ جَاءَتْ؟ . 431
وَعَنْ قُتَيْبَةَ قَالَ : لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِي الصَّحَابَةِ لَكَانَ آيَةً .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْهَمَذَانِيُّ : كُنَّا عِنْدَ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، فَجَاءَ رَجُلٌ شَعْرانِيٌّ يُقَالُ لَهُ : أَبُو يَعْقُوبَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَنَكَّسَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : يَا هَؤُلَاءِ ، نَظَرْتُ فِي الْحَدِيثِ ، وَنَظَرْتُ فِي الرَّأْيِ ، وَجَالَسْتُ الْفُقَهَاءَ وَالزُّهَّادَ وَالْعُبَّادَ ، مَا رَأَيْتُ مُنْذُ عَقَلْتُ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَقَالَ حَاشِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ يَقُولُ : مَثَلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ فِي صِدْقِهِ وَوَرَعِهِ كَمَا كَانَ عُمَرُ فِي الصَّحَابَةِ .
وَقَالَ حَاشِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : لَمْ يَجِئْنَا مِنْ خُرَاسَانَ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ قَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَعْلَمُ مَنْ دَخَلَ الْعِرَاقَ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، سَمِعَ بِبُخارَى هَارُونَ بْنَ الْأَشْعَثِ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ سَلَامٍ ، وَسَمَّى خَلْقًا مِنْ شُيُوخِهِ .
ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الطَّيِّبِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْمُذَكِّرِ ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَحْفَظَ لَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ . 432
ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْحَافِظَ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : رَأَيْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ بَيْنَ يَدِيِ الْبُخَارِيِّ يَسْأَلُهُ سُؤَالَ الصَّبِيِّ . ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيَّ الْمُعَدَّلَ ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَمْدُونَ يَقُولُ : رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ فِي جِنَازَةِ سَعِيدِ بْنِ مَرْوَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ يَسْأَلُهُ عَنِ الْأَسَامِي وَالْكُنَى وَالْعِلَلِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَمُرُّ فِيهِ مِثْلَ السَّهْمِ ، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْمُطَّوِّعِيُّ بِبُخَارَى ، حَدَّثَنَا مُسَبِّحُ بْنُ سَعِيدٍ الْبُخَارِيُّ ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِيَّ يَقُولُ : قَدْ رَأَيْتُ الْعُلَمَاءَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقَيْنِ ، فَمَا رَأَيْتُ فِيهِمْ أَجْمَعَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ بْنِ رُسْتُمَ : سَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ ، وَجَاءَ إِلَى الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ .
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : لَمْ أَرَ بِالْعِرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي مَعْنَى الْعِلَلِ وَالتَّارِيخِ وَمَعْرِفَةِ الْأَسَانِيدِ أَعْلَمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ . 433
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيرٍ ، فَلَمَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، جَعَلَكَ اللَّهُ زَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : اسْتُجِيبَ لَهُ فِيهِ .
قُلْتُ : ابْنُ مُنِيرٍ مِنْ كِبَارِ الزُّهَّادِ ، قَالَ . . . . . . قِيلَ : إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الْعِرَاقِ ، قَدْمَتَهُ الْآخِرَةَ ، وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ ، وَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ ، وَبَالَغُوا فِي بِرِّهِ . قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : كَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمْ يَوْمَ دُخُولِنَا الْبَصْرَةَ؟ .
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَزَرَةُ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَجْلِسُ بِبَغْدَادَ ، وَكُنْتُ أَسْتَمْلِي لَهُ ، وَيَجْتَمِعُ فِي مَجْلِسِهِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا .
وَقَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ النَّسَفِيُّ : سَأَلْتُ أَبَا عَلِيٍّ صَالِحَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الدَّارِمِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَأَبِي زُرْعَةَ ، فَقَالَ : أَعْلَمُهُمْ بِالْحَدِيثِ مُحَمَّدٌ ، وَأَحْفَظُهُمْ أَبُو زُرْعَةَ .
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ زَبْرَكَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الرَّازِيَّ يَقُولُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ : يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ خُرَاسَانَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا أَحْفَظُ مِنْهُ ، وَلَا قَدِمَ الْعِرَاقَ أَعْلَمُ مِنْهُ . فَقَدِمَ عَلَيْنَا الْبُخَارِيُّ . 434
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : قَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَافِظُ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُنَصِّبُوا آخَرَ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ الدَّغُولِيُّ : كَتَبَ أَهْلُ بَغْدَادَ إِلَى الْبُخَارِيِّ : ﴿﴾ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا بَقِيتَ لَهُمْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ ﴿﴾
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ : سُئِلَ أَبُو زَرْعَةَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةٍ ، فَقَالَ : تَرَكَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلُ . وَسُئِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، فَقَالَ : تَرَكَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ . فَذُكِرَ ذَلِكَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : بِرُّهُ لَنَا قَدِيمٌ .
قَالَ الْخَطِيبُ : وَسُئِلَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّازِيُّ الصَّائِغُ : أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ، أَبُو زُرْعَةَ أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ؟ فَقَالَ : الْتَقَيْتُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بَيْنَ حُلْوَانَ وَبَغْدَادَ ، فَرَجَعتُ مَعَهُ مَرْحَلَةً ، وَجَهِدْتُ أَنْ أَجِيءَ بِحَدِيثٍ لَا يَعْرِفُهُ ، فَمَا أَمْكَنَنِي ، وَأَنَا أُغَرِّبُ عَلَى أَبِي زُرْعَةَ عَدَدَ شَعْرِهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ فِي " تَارِيخِهِ " : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ طَلَبَ الْعِلْمَ ، وَجَالِسَ النَّاسَ ، وَرَحَلَ فِي الْحَدِيثِ ، وَمَهَرَ فِيهِ وَأَبْصَرَ ، 435 وَكَانَ حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ ، وَالْحِفْظِ ، وَكَانَ يَتَفَقَّهُ .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : رَأَيْتُ أَبِي يُطْنِبُ فِي مَدْحِ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ ، وَيَذْكُرُهُ بِالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ .
وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْأَشْقَرُ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى بُخارَى يُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّاشِ ، نَزَلَ الرِّبَاطَ ، وَسَارَ إِلَيْهِ مَشَايِخُنَا ، وَسِرْتُ فِيمَنْ سَارَ إِلَيْهِ ، فَسَأَلَنِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِسَلَامَتِهِ ، وَقُلْتُ : لَعَلَّهُ يَجِيئُكَ السَّاعَةَ ، فَأَمْلَى عَلَيْنَا ، وَانْقَضَى الْمَجْلِسُ ، وَلَمْ يَجِئْ . فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي لَمْ يَجِئْهُ . فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ رَجَاءٌ : إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَرَنَا أَهْلًا لِلزِّيَارَةِ ، فَمُرُّوا بِنَا إِلَيْهِ نَقْضِ حَقَّهُ ، فَإِنِّي عَلَى الْخُرُوجِ -وَكَانَ كَالْمُتَرَغَّمِ عَلَيْهِ- فَجِئْنَا بِجَمَاعَتِنَا إِلَيْهِ ، فَقَالَ رَجَاءٌ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، كُنْتُ بِالْأَشْوَاقِ إِلَيْكَ ، وَأَشْتَهِي أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ ، فَإِنِّي عَلَى الْخُرُوجِ . قَالَ : مَا شِئْتَ . فَأَلْقَى عَلَيْهِ رَجَاءٌ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ ، وَأَبُو عَبْدُ اللَّهِ يُجِيبُ إِلَى أَنْ سَكَتَ رَجَاءٌ عَنِ الْإِلْقَاءِ . فَقَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : تَرَى بَقِيَ شَيْءٌ لَمْ نَذْكُرْهُ ، فَأَخَذَ مُحَمَّدٌ يُلْقِي ، وَيَقُولُ رَجَاءٌ : مَنْ رَوَى هَذَا ؟ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَجِيءُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَنْ أَلْقَى قَرِيبًا مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا . وَتَغَيَّرَ رَجَاءٌ تَغَيُّرًا شَدِيدًا ، وَحَانَتْ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ نَظْرَةٌ إِلَى وَجْهِهِ ، فَعَرَفَ التَّغَيُّرَ فِيهِ ، فَقَطَعَ الْحَدِيثَ . فَلَمَّا خَرَجَ رَجَاءٌ قَالَ مُحَمَّدٌ : أَرَدْتُ أَنْ أَبْلُغَ بِهِ ضِعْفَ مَا أَلْقَيْتُهُ ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ يَدْخُلَهُ شَيْءٌ ، فَأَمْسَكْتُ . .
وَقَالَ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ الْخَفَّافَ يَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْ إِسْحَاقَ بْنِ راهْوَيْهِ وَأَحْمَدَ بْنِ 436 حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا بِعِشْرِينَ دَرَجَةً ; وَمَنْ قَالَ فِيهِ شَيْئًا ، فَمِنِّي عَلَيْهِ أَلْفُ لَعْنَةٍ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الْعَالِمُ الَّذِي لَمْ أَرَ مِثْلَهُ . وَرُوِيَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِعُبَيْدٍ الْعِجْلِ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ يَبْلُغُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ . وَرَأَيْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَأَبَا حَاتِمٍ يَسْتَمِعَانِ إِلَى مُحَمَّدٍ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُ ، يَجْلِسُونَ إِلَى جَنْبِهِ ، فَذُكِرَ لِعُبَيْدٍ الْعَجَلِ قِصَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، فَقَالَ : مَا لَهُ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ؟ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ ، وَكَانَ أَعْلَمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بِكَذَا وَكَذَا ، وَكَانَ دَيِّنًا فَاضِلًا يُحْسِنُ كُلَّ شَيْءٍ .
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدُونَ الْقَصَّارُ : سَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ ، وَجَاءَ إِلَى الْبُخَارِيِّ ، فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَقَالَ : دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ . ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَكَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ فَمَا عِلَّتُهُ ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ 437 إِسْمَاعِيلَ : هَذَا حَدِيثٌ مَلِيحٌ ، وَلَا أَعْلَمُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الدُّنْيَا حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ فِي هَذَا الْبَابِ ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وَهِيبٌ ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَوْلَهُ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَهَذَا أَوْلَى ، فَإِنَّهُ لَا يُذْكَرُ لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ سَمَاعٌ مِنْ سُهَيْلٍ . فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ : لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا حَاسِدٌ ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُكَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَخْرَمِ : سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ : لَمَّا قَدِمَ الْبُخَارِيُّ نَيْسَابُورَ اسْتَقْبَلَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ رُكْبَانًا عَلَى الْخَيْلِ ، سِوَى مَنْ رَكِبَ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا وَسِوَى الرَّجَّالَةِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ الْآمُلِيُّ : وَدِدْتُ أَنِّي شَعْرَةٌ فِي صَدْرِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَمِعْتُ حَاشِدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ وَآخَرَ يَقُولَانِ : كَانَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْبَصْرَةِ يَعْدُونَ خَلْفَ الْبُخَارِيِّ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ شَابٌّ حَتَّى يَغْلِبُوهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَيُجْلِسُوهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ، فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ أُلُوفٌ أَكْثَرُهُمْ مِمَّنْ يَكْتُبُ عَنْهُ قَالَا : وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ شَابًّا ، لَمْ يَخْرُجْ وَجْهُهُ . 438
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَهْدَوِيُّ ، سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيَّ ، سَمِعْتُ أَبَا سَهْلٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيَّ ، سَمِعْتُ أَبَا زَيْدٍ الْمَرْوَزِيَّ الْفَقِيهَ يَقُولُ : كُنْتُ نَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَقَالَ لِي : يَا أَبَا زَيْدٍ ، إِلَى مَتَى تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا تَدْرُسُ كِتَابِي ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا كِتَابُكَ ؟ قَالَ : " جَامِعُ " مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ .
وَجَدْتُ فَائِدَةً مَنْقُولَةً عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ بْنِ دِحْيَةَ ، أَنَّ الرَّمْلِيَّ الْكَذَّابَةَ قَالَ : الْبُخَارِيُّ مَجْهُولٌ ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى الْفِرَبْرِيُّ . قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَاللَّهِ كَذَبَ فِي هَذَا وَفَجَرَ ، وَالْتَقَمَ الْحَجْرَ ، بَلِ الْبُخَارِيُّ مَشْهُورٌ بِالْعِلْمِ وَحَمَلِهِ ; مُجْمَعٌ عَلَى حِفْظِهِ وَنُبْلِهِ ، جَابَ الْبِلَادَ ، وَطَلَبَ الرِّوَايَةَ وَالْإِسْنَادَ . رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنْ قَالَ : وَأَمَّا كِتَابُهُ فَقَدْ عَرَضَهُ عَلَى حَافِظِ زَمَانِهِ أَبِي زُرْعَةَ ، فَقَالَ : كِتَابُكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث