سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثالث عشر
أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ : سَمِعْتُ أَبَا طَاهِرٍ الْمُخَلِّصَ ، سَمِعْتُ أَبِي : سَمِعْتُ 361 إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ ، وَكَانَ وَعَدَنَا أَنْ يُمْلِيَ عَلَيْنَا مَسْأَلَةً فِي الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى ، وَكَانَ يَجْتَمِعُ فِي مَجْلِسِهِ ثَلَاثُونَ أَلْفِ مَحْبَرَةٍ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مُقِلًّا ، وَكَانَتْ لَهُ غُرْفَةٌ ، يَصْعَدُ ، فَيُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى النَّاسِ ، فِيهَا كُوَّةٌ إِلَى الشَّارِعِ ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ ، أَشْرَفَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ لَهُمْ : قَدْ كُنْتُ وَعَدْتُكُمْ أَنْ أُمْلِي عَلَيْكُمْ فِي الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى ، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّمَنِي فِي الْكَلَامِ فِيهَا إِمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ ، فَرَأَيْتُ الْكَلَامَ فِيهِ بِدْعَةً ، فَقَامَ النَّاسُ ، وَانْصَرَفُوا .
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، أَتَاهُ رَجُلٌ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَقْعُدُ إِلَّا وَحْدَهُ ، فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَقَالَ ، أَلَمْ تَحْضُرْ مَجْلِسَنَا بِالْأَمْسِ ؟ قَالَ : بَلَى . فَقَالَ : أَتَعْرِفُ الْعِلْمَ كُلَّهُ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَاجْعَلْ هَذَا مِمَّا لَمْ تَعْرِفْ .
وَبِالْإِسْنَادِ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : مَا انْتَفَعْتُ مِنْ عِلْمِي قَطُّ إِلَّا بِنِصْفِ حَبَّةٍ ، وَقَفْتُ عَلَى إِنْسَانٍ ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ قِطْعَةً أَشْتَرِي حَاجَةً ، فَأَصَابَ فِيهَا دَانَقًا ، إِلَّا نِصْفَ حَبَّةٍ ، فَسَأَلَنِي عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَأَجَبْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ : أَعْطِ أَبَا إِسْحَاقَ بِدَانَقٍ ، وَلَا تَحُطَّهُ بِنِصْفِ حَبَّةٍ .
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَقَمْتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، كُلُّ لَيْلَةٍ إِذَا أَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي ، لَوْ أَعْطَيْتُ رَغِيفَيَّ جَارَتِي لَاحْتَجْتُ إِلَيْهِمَا .
وَيُرْوَى : أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا صَنَّفَ " غَرِيبَ الْحَدِيثِ " ، وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ كَامِلٌ فِي مَعْنَاهُ . قَالَ ثَعْلَبٌ : مَا لِإِبْرَاهِيمَ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ ؟ ، رَجُلٌ مُحَدِّثٌ . ثُمَّ حَضَرَ مَجْلِسَهُ ، فَلَمَّا حَضَرَ الْمَجْلِسَ سَجَدَ ثَعْلَبٌ ، وَقَالَ : مَا ظَنَنْتُ أَنَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ .
362 قَالَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ : حَكَى لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِبَغْدَادَ ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ كَانَ سَمِعَ مَسَائِلَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ ، وَحَصَّلَ سَمَاعَهُ مَعَ رَجُلٍ ، ثُمَّ مَالَ إِلَى طَرِيقَةِ الْكَلَامِ ، فَلَمْ يَسْتَعِرْهَا مِنْهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَرَجَعَ ، فَسَمِعَهَا مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَرَوِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي الْغَمْرِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ .
قُلْتُ : نَعَمْ ، يَظْهَرُ فِي تَصَانِيفِ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي أَحَادِيثَ ، وَيُكْثِرُ مِنْهَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ طَلَّابَةً لِلْعِلْمِ .
وَرَوَى الْمُخَلِّصُ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ الْمُعْتَضِدَ بَعَثَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ بِمَالٍ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ أَوْحَشَ رَدٍّ ، وَقَالَ : رُدَّهَا إِلَى مَنْ أَخَذْتَهَا مِنْهُ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى فَلْسٍ . وَكَانَ لَا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ إِلَّا فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً . وَلَقَدْ زَلِقَ مَرَّةً فِي الطِّينِ ، فَلَقَدْ كُنْتُ أَرَى عَلَيْهِ أَثَرَ الطِّينِ فِي ثَوْبِهِ إِلَى أَنْ غَسَلَهُ .
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّمِيمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْعَتَكِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ لِجَمَاعَةٍ عِنْدَهُ : مَنْ تَعُدُّونَ الْغَرِيبَ فِي زَمَانِكُمْ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : الْغَرِيبُ : مَنْ نَأَى عَنْ وَطَنِهِ . وَقَالَ آخَرُ : الْغَرِيبُ : مِنْ فَارَقَ أَحْبَابَهُ . فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : الْغَرِيبُ فِي زَمَانِنَا : رَجُلٌ صَالِحٌ ، عَاشَ بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحِينَ ، إِنْ أَمْرَ بِمَعْرُوفٍ آزَرُوهُ ، وَإِنْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ أَعَانُوهُ ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى سَبَبٍ مِنَ الدُّنْيَا أَمَدُّوهُ ، ثُمَّ مَاتُوا وَتَرَكُوهُ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الدِّيْنَوَرِيُّ : أَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ ، وَهُوَ جَالِسٌ 363 عَلَى بَابِ دَارِهِ ، فَسَلَّمْنَا وَجَلَسْنَا ، فَجَعَلَ يُقْبِلُ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا أَكْثَرْنَا عَلَيْهِ ، حَدَّثَنَا حَدِيثَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ لَنَا : مَثَلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَثَلُ الصَّيَّادِ الَّذِي يُلْقِي شَبَكَتَهُ فِي الْمَاءِ ، فَيَجْتَهِدُ ، فَإِنْ أَخْرَجَ سَمَكَةً ، وَإِلَّا أَخْرَجَ صَخْرَةً .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلْمٍ : حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا ، قَالَ : قِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ : هَلْ كَسَبْتَ بِالْعِلْمِ شَيْئًا ؟ قَالَ : كَسَبْتُ بِهِ نِصْفَ فَلْسٍ : كَانَتْ أُمِّي تُجْرِي عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفَيْنِ ، وَقُطَيْعَةً فِيهَا نِصْفُ دَانَقٍ ، فَخَرَجْتُ فِي يَوْمٍ ذِي طِينٍ ، وَأُجْمِعَ رَأْيِي عَلَى أَنْ آكُلَ شَيْئًا حُلْوًا ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا أَرْخَصَ مِنَ الدِّبْسِ ، فَأَتَيْتُ بَقَّالًا ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْقُطَيْعَةَ ، فَإِذَا فِيهَا قِيرَاطٌ إِلَّا نِصْفَ فَلْسٍ .
وَتَذَاكَرْنَا حَدِيثَ السَّخَاءِ وَالْكَرَمِ ، فَقَالَ الْبَقَّالُ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ ، أَنْتَ تَكْتُبُ الْأَخْبَارَ وَالْحَدِيثَ ، حَدِّثْنَا فِي السَّخَاءِ بِحَدِيثٍ ، قُلْتُ : نَعَمْ . حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ ، قَالَ : خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى ضِيَاعِهِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ، فَإِذَا فِي حَائِطٍ لِنَسِيبٍ لَهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ ، بِيَدِهِ رَغِيفٌ وَهُوَ يَأْكُلُ لُقْمَةً ، وَيَطْرَحُ لِكَلْبٍ لُقْمَةً .
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اسْتَحْسَنَهُ ، فَقَالَ : يَا أَسْوَدُ ، لِمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : لِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَالَ : وَهَذِهِ الضَّيْعَةُ لِمَنْ ؟ قَالَ : لَهُ . قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكَ عَجَبًا ، تَأْكُلُ لُقْمَةً ، وَتَطْرَحُ لِلْكَلْبِ لُقْمَةً ، قَالَ : إِنِّي لِأَسْتَحْيِيَ مِنْ عَيْنٍ تَنْظُرُ إِلَيَّ أَنْ أُوثِرَ نَفْسِي عَلَيْهَا .
قَالَ : فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَاشْتَرَى الضَّيْعَةَ وَالْعَبْدَ ، ثُمَّ رَجَعَ ، وَإِذَا بِالْعَبْدِ ، فَقَالَ : يَا أَسْوَدُ ، إِنِّي قَدْ اشْتَرَيْتُكَ مِنْ مُصْعَبٍ . فَوَثَبَ قَائِمًا ، وَقَالَ : جَعَلَنِي اللَّهُ عَلَيْكَ مَيْمُونَ الطَّلْعَةِ . قَالَ : وَإِنِّي اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الضَّيْعَةِ . فَقَالَ : أَكْمَلَ اللَّهُ لَكَ خَيْرَهَا . قَالَ : وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ . قَالَ : أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكَ .
قَالَ : وَأُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّ الضَّيْعَةَ مِنِّي هَدِيَّةً إِلَيْكَ . قَالَ : جَزَاكَ اللَّهُ بِالْحُسْنَى . ثُمَّ قَالَ الْعَبْدُ : فَأُشْهِدُ اللَّهَ وَأُشْهِدُكَ أَنَّ هَذِهِ الضَّيْعَةَ وَقْفٌ مِنِّي عَلَى الْفُقَرَاءِ . 364 فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ : الْعَبْدُ أَكْرَمُ مِنَّا .
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، أَتَاهُ رَجُلٌ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَقْعُدُ إِلَّا وَحْدَهُ ، فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَقَالَ ، أَلَمْ تَحْضُرْ مَجْلِسَنَا بِالْأَمْسِ ؟ قَالَ : بَلَى . فَقَالَ : أَتَعْرِفُ الْعِلْمَ كُلَّهُ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَاجْعَلْ هَذَا مِمَّا لَمْ تَعْرِفْ .
وَبِالْإِسْنَادِ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : مَا انْتَفَعْتُ مِنْ عِلْمِي قَطُّ إِلَّا بِنِصْفِ حَبَّةٍ ، وَقَفْتُ عَلَى إِنْسَانٍ ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ قِطْعَةً أَشْتَرِي حَاجَةً ، فَأَصَابَ فِيهَا دَانَقًا ، إِلَّا نِصْفَ حَبَّةٍ ، فَسَأَلَنِي عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَأَجَبْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ : أَعْطِ أَبَا إِسْحَاقَ بِدَانَقٍ ، وَلَا تَحُطَّهُ بِنِصْفِ حَبَّةٍ .
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَقَمْتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، كُلُّ لَيْلَةٍ إِذَا أَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي ، لَوْ أَعْطَيْتُ رَغِيفَيَّ جَارَتِي لَاحْتَجْتُ إِلَيْهِمَا .
وَيُرْوَى : أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا صَنَّفَ " غَرِيبَ الْحَدِيثِ " ، وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ كَامِلٌ فِي مَعْنَاهُ . قَالَ ثَعْلَبٌ : مَا لِإِبْرَاهِيمَ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ ؟ ، رَجُلٌ مُحَدِّثٌ . ثُمَّ حَضَرَ مَجْلِسَهُ ، فَلَمَّا حَضَرَ الْمَجْلِسَ سَجَدَ ثَعْلَبٌ ، وَقَالَ : مَا ظَنَنْتُ أَنَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ .
362 قَالَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ : حَكَى لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِبَغْدَادَ ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ كَانَ سَمِعَ مَسَائِلَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ ، وَحَصَّلَ سَمَاعَهُ مَعَ رَجُلٍ ، ثُمَّ مَالَ إِلَى طَرِيقَةِ الْكَلَامِ ، فَلَمْ يَسْتَعِرْهَا مِنْهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَرَجَعَ ، فَسَمِعَهَا مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَرَوِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي الْغَمْرِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ .
قُلْتُ : نَعَمْ ، يَظْهَرُ فِي تَصَانِيفِ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي أَحَادِيثَ ، وَيُكْثِرُ مِنْهَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ طَلَّابَةً لِلْعِلْمِ .
وَرَوَى الْمُخَلِّصُ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ الْمُعْتَضِدَ بَعَثَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ بِمَالٍ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ أَوْحَشَ رَدٍّ ، وَقَالَ : رُدَّهَا إِلَى مَنْ أَخَذْتَهَا مِنْهُ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى فَلْسٍ . وَكَانَ لَا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ إِلَّا فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً . وَلَقَدْ زَلِقَ مَرَّةً فِي الطِّينِ ، فَلَقَدْ كُنْتُ أَرَى عَلَيْهِ أَثَرَ الطِّينِ فِي ثَوْبِهِ إِلَى أَنْ غَسَلَهُ .
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّمِيمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْعَتَكِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ لِجَمَاعَةٍ عِنْدَهُ : مَنْ تَعُدُّونَ الْغَرِيبَ فِي زَمَانِكُمْ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : الْغَرِيبُ : مَنْ نَأَى عَنْ وَطَنِهِ . وَقَالَ آخَرُ : الْغَرِيبُ : مِنْ فَارَقَ أَحْبَابَهُ . فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : الْغَرِيبُ فِي زَمَانِنَا : رَجُلٌ صَالِحٌ ، عَاشَ بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحِينَ ، إِنْ أَمْرَ بِمَعْرُوفٍ آزَرُوهُ ، وَإِنْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ أَعَانُوهُ ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى سَبَبٍ مِنَ الدُّنْيَا أَمَدُّوهُ ، ثُمَّ مَاتُوا وَتَرَكُوهُ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الدِّيْنَوَرِيُّ : أَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ ، وَهُوَ جَالِسٌ 363 عَلَى بَابِ دَارِهِ ، فَسَلَّمْنَا وَجَلَسْنَا ، فَجَعَلَ يُقْبِلُ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا أَكْثَرْنَا عَلَيْهِ ، حَدَّثَنَا حَدِيثَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ لَنَا : مَثَلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَثَلُ الصَّيَّادِ الَّذِي يُلْقِي شَبَكَتَهُ فِي الْمَاءِ ، فَيَجْتَهِدُ ، فَإِنْ أَخْرَجَ سَمَكَةً ، وَإِلَّا أَخْرَجَ صَخْرَةً .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلْمٍ : حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا ، قَالَ : قِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ : هَلْ كَسَبْتَ بِالْعِلْمِ شَيْئًا ؟ قَالَ : كَسَبْتُ بِهِ نِصْفَ فَلْسٍ : كَانَتْ أُمِّي تُجْرِي عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفَيْنِ ، وَقُطَيْعَةً فِيهَا نِصْفُ دَانَقٍ ، فَخَرَجْتُ فِي يَوْمٍ ذِي طِينٍ ، وَأُجْمِعَ رَأْيِي عَلَى أَنْ آكُلَ شَيْئًا حُلْوًا ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا أَرْخَصَ مِنَ الدِّبْسِ ، فَأَتَيْتُ بَقَّالًا ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْقُطَيْعَةَ ، فَإِذَا فِيهَا قِيرَاطٌ إِلَّا نِصْفَ فَلْسٍ .
وَتَذَاكَرْنَا حَدِيثَ السَّخَاءِ وَالْكَرَمِ ، فَقَالَ الْبَقَّالُ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ ، أَنْتَ تَكْتُبُ الْأَخْبَارَ وَالْحَدِيثَ ، حَدِّثْنَا فِي السَّخَاءِ بِحَدِيثٍ ، قُلْتُ : نَعَمْ . حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ ، قَالَ : خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى ضِيَاعِهِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ، فَإِذَا فِي حَائِطٍ لِنَسِيبٍ لَهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ ، بِيَدِهِ رَغِيفٌ وَهُوَ يَأْكُلُ لُقْمَةً ، وَيَطْرَحُ لِكَلْبٍ لُقْمَةً .
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اسْتَحْسَنَهُ ، فَقَالَ : يَا أَسْوَدُ ، لِمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : لِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَالَ : وَهَذِهِ الضَّيْعَةُ لِمَنْ ؟ قَالَ : لَهُ . قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكَ عَجَبًا ، تَأْكُلُ لُقْمَةً ، وَتَطْرَحُ لِلْكَلْبِ لُقْمَةً ، قَالَ : إِنِّي لِأَسْتَحْيِيَ مِنْ عَيْنٍ تَنْظُرُ إِلَيَّ أَنْ أُوثِرَ نَفْسِي عَلَيْهَا .
قَالَ : فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَاشْتَرَى الضَّيْعَةَ وَالْعَبْدَ ، ثُمَّ رَجَعَ ، وَإِذَا بِالْعَبْدِ ، فَقَالَ : يَا أَسْوَدُ ، إِنِّي قَدْ اشْتَرَيْتُكَ مِنْ مُصْعَبٍ . فَوَثَبَ قَائِمًا ، وَقَالَ : جَعَلَنِي اللَّهُ عَلَيْكَ مَيْمُونَ الطَّلْعَةِ . قَالَ : وَإِنِّي اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الضَّيْعَةِ . فَقَالَ : أَكْمَلَ اللَّهُ لَكَ خَيْرَهَا . قَالَ : وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ . قَالَ : أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكَ .
قَالَ : وَأُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّ الضَّيْعَةَ مِنِّي هَدِيَّةً إِلَيْكَ . قَالَ : جَزَاكَ اللَّهُ بِالْحُسْنَى . ثُمَّ قَالَ الْعَبْدُ : فَأُشْهِدُ اللَّهَ وَأُشْهِدُكَ أَنَّ هَذِهِ الضَّيْعَةَ وَقْفٌ مِنِّي عَلَى الْفُقَرَاءِ . 364 فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ : الْعَبْدُ أَكْرَمُ مِنَّا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث