سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثالث عشر
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَلَّابُ : سَمِعْتُ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ : الْأَبْوَابُ تُبْنَى عَلَى أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ : طَبَقَةُ الْمُسْنَدِ ، وَطَبَقَةُ الصَّحَابَةِ ، وَطَبَقَةُ التَّابِعِينَ ، فَيُقَدَّمُ كِبَارُهُمْ ، كَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ ، وَبَعْدَهُمْ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ ، وَبَعْدَهُمْ تَابِعُ التَّابِعِينَ ، مِثْلُ سُفْيَانَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .
وَرَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، قَالَ : النَّاسُ عَلَى أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ : مَلِيحٌ يَتَمَلَّحُ ، وَمَلِيحٌ يَتَبَغَّضُ ، وَبَغِيضٌ يَتَمَلَّحُ ، وَبَغِيضٌ يَتَبَغَّضُ ، فَالْأَوَّلُ : هُوَ الْمُنَى ، الثَّانِي : يُحْتَمَلُ ، وَأَمَا بَغِيضٌ يَتَمَلَّحُ ، فَإِنِّي أَرْحَمُهُ ، وَأَمَّا الْبَغِيضُ ، الَّذِي يَتَبَغَّضُ ، فَأَفِرُّ مِنْهُ .
قَالَ ابْنُ بَشْكُوَالَ فِي أَخْبَارِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ : نَقَلْتُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ عَتَّابٍ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يُجَالِسُونَهُ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَوَقَفَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَأَقَرُّوا بِهِ ، فَقَالَ : ظَلَمْتُمُونِي بِتَفْضِيلِكُمْ لِي عَلَى رَجُلٍ لَا أُشْبِهُهُ ، وَلَا أَلْحَقُ بِهِ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ ، لَا أُسْمِعَكُمْ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ أَبَدًا ، فَلَا تَأْتُونِي بَعْدَ يَوْمِكُمْ .
مَاتَ الْحَرْبِيُّ بِبَغْدَادَ ، فَدُفِنَ فِي دَارِهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي أَيَّامِ الْمُعْتَضِدِ .
قَالَ الْمَسْعُودِيُّ : كَانَتْ وَفَاةُ الْحَرْبِيِّ الْمُحَدِّثِ الْفَقِيهِ فِي الْجَانِبِ 365 الْغَرْبِيِّ ، وَلَهُ نَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً . . . . وَكَانَ صَدُوقًا ، عَالِمًا ، فَصِيحًا ، جَوَادًا ، عَفِيفًا ، زَاهِدًا ، عَابِدًا ، نَاسِكًا ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ ضَاحِكَ السِّنِّ ، ظَرِيفَ الطَّبْعِ . . . وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَكَبُّرٌ وَلَا تَجَبُّرٌ ، وَرُبَّمَا مَزَحَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ بِمَا يُسْتَحْسَنُ مِنْهُ ، وَيُسْتَقْبَحُ مِنْ غَيْرِهِ .
وَكَانَ شَيْخَ الْبَغْدَادِيِّينَ فِي وَقْتِهِ ، وَظَرِيفَهُمْ ، وَزَاهِدَهُمْ ، وَنَاسِكَهُمْ ، وَمُسْنِدَهُمْ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَانَ يَتَفَقَّهُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَكَانَ لَهُ مَجْلِسٌ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ الْغَرْبِيِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ ، قَالَ : كُنْتُ أَجْلِسُ فِي حَلْقَةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، وَكَانَ يَجْلِسُ إِلَيْنَا غُلَامَانِ فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ مِنَ الصُّورَةِ وَالْبَزَّةِ وَكَأَنَّهُمَا رُوحٌ فِي جَسَدٍ ، إِنْ قَامَا قَامَا مَعًا ، وَإِنْ حَضَرًا ، فَكَذَلِكَ .
فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْجُمَعِ ، حَضَرَ أَحَدُهُمَا وَقَدْ بَانَ الِاصْفِرَارُ بِوَجْهِهِ وَالِانْكِسَارُ فِي عَيْنَيْهِ . . . ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ ، حَضَرَ الْغَائِبُ ، وَلَمْ يَحْضُرِ الَّذِي جَاءَ فِي الْجُمْعَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا ، وَإِذِ الصُّفْرَةُ وَالِانْكِسَارُ بَيِّنٌ فِي لَوْنِهِ . . . وَقُلْتُ : إِنَّ ذَلِكَ لِلْفِرَاقِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ لِلْأُلْفَةِ الْجَامِعَةِ لَهُمَا .
فَلَمْ يَزَالَا يَتَسَابَقَانِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ إِلَى الْحَلْقَةِ ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ صَاحِبَهُ إِلَى الْحَلْقَةِ لَمْ يَجْلِسِ الْآخَرُ . . . فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْجُمَعِ ، حَضَرَ أَحَدُهُمَا فَجَلَسَ إِلَيْنَا ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَأَشْرَفَ عَلَى الْحَلْقَةِ فَوَجْدَ صَاحِبَهُ قَدْ سَبَقَ ، وَإِذَا الْمَسْبُوقُ قَدْ أَخَذَتْهُ الْعَبْرَةُ ، فَتَبَيَّنْتُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي دَائِرَةِ عَيْنَيْهِ ، وَإِذَا فِي يُسْرَاهُ رِقَاعٌ صِغَارٌ 366 مَكْتُوبَةٌ ، فَقَبَضَ بِيَمِينِهِ رُقْعَةً مِنْهَا ، وَحَذَفَ بِهَا فِي وَسَطِ الْحَلْقَةِ ، وَانْسَابَ بَيْنَ النَّاسِ مُسْتَخْفِيًا وَأَنَا أَرْمُقُهُ ، وَكَانَ ثَمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ حَرْبَوَيْهِ ، فَنَشَرَ الرُّقْعَةَ وَقَرَأَهَا . . . وَفِيهَا دُعَاءٌ ، أَنْ يَدْعُوَ لِصَاحِبِهَا مَرِيضًا كَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَيُؤَمِّنُ عَلَى الدُّعَاءِ مَنْ حَضَرَ .
فَقَالَ الشَّيْخُ : اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَهُمَا ، وَأَلِّفْ قُلُوبَهُمَا ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ فِيمَا يُقَرِّبُ مِنْكَ ، وَيُزْلِفُ لَدَيْكَ . وَأَمَّنُوا عَلَى دُعَائِهِ . . ثُمَّ طَوَى الرُّقْعَةَ وَحَذَفَنِي بِهَا ، فَتَأَمَّلْتُ مَا فِيهَا . . . فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ : ﴿﴾ عَفَا اللَّهُ عَنْ عَبْدٍ أَعَانَ بِدَعْوَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ لِخَلِيلَيْنِ كَانَا دَائِمَيْنِ عَلَى الْوُدِّ ﴿﴾ ﴿﴾ إِلَى أَنْ وَشَى وَاشِي الْهَوَى بِنَمِيمَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ إِلَى ذَاكَ مِنْ هَذَا فَحَالَا عَنِ الْعَهْدِ ﴿﴾ . . . فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ حَضَرَا جَمِيعًا ، وَإِذَا الِاصْفِرَارُ وَالِانْكِسَارُ قَدْ زَالَ ، فَقُلْتُ لِابْنِ حَرْبَوَيْهِ : إِنِّي أَرَى الدَّعْوَةَ قَدْ أُجِيبَتْ ، وَأَنَّ دُعَاءَ الشَّيْخِ كَانَ عَلَى التَّمَامِ . . . فَلَمَّا كَانَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ كُنْتُ فِيمَنْ حَجَّ ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُلَامَيْنِ مُحْرِمَينِ . . بَيْنَ مِنًى وَعَرَفَةَ ، فَلَمْ أَزَلْ أَرَاهُمَا مُتَآلِفَيْنِ إِلَى أَنْ تَكَهَّلَا .
قَالَ الْقِفْطِيُّ فِي " تَارِيخِ النُّحَاةِ " لَهُ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ رَأْسًا فِي الزُّهْدِ ، عَارِفًا بِالْمَذَاهِبِ ، بَصِيرًا بِالْحَدِيثِ ، حَافِظًا لَهُ . . . . لَهُ فِي اللُّغَةِ كِتَابُ : " غَرِيبُ الْحَدِيثِ " ، وَهُوَ مِنْ أَنْفَسِ الْكُتُبِ وَأَكْبَرِهَا فِي هَذَا النَّوْعِ .
367 أَبُو الْحَسَنِ بْنُ جَهْضَمٍ -وَاهٍ- : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخَلَدِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاهَانَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ : أَجْمَعَ عُقَلَاءُ كُلِّ مِلَّةٍ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَجْرِ مَعَ الْقَدَرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِعَيْشِهِ .
وَكَانَ يَقُولُ : قَمِيصِي أَنْظَفُ قَمِيصٍ ، وَإِزَارِي أَوْسَخُ إِزَارٍ ، مَا حَدَّثْتُ نَفْسِي أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ قَطُّ ، وَفَرْدُ عَقِبِي صَحِيحٌ وَالْآخَرُ مَقْطُوعٌ ، وَلَا أَحُدِّثُ نَفْسِي أَنِّي أُصْلِحُهُمَا ، وَلَا شَكَوْتُ إِلَى أَهْلِي وَأَقَارِبِي حُمَّى أَجِدُهَا ، لَا يَغُمُّ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ ، وَلِي عَشْرُ سِنِينٍ أُبْصِرُ بِفَرْدِ عَيْنٍ ، مَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا .
وَأَفْنَيْتُ مِنْ عُمْرِي ثَلَاثِينَ سَنَةً بِرَغِيفَيْنِ ، إِنْ جَاءَتْنِي بِهِمَا أُمِّي أَوْ أُخْتِي ، وَإِلَّا بَقِيتُ جَائِعًا إِلَى اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ ، وَأَفْنَيْتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً بِرَغِيفٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، إِنْ جَاءَتْنِي امْرَأَتِي أَوْ بَنَاتِي بِهِ ، وَإِلَّا بَقِيتُ جَائِعًا ، وَالْآنَ آكُلُ نِصْفَ رَغِيفٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ تَمْرَةً ، وَقَامَ إِفْطَارِي فِي رَمَضَانَ هَذَا بِدِرْهَمٍ وَدَانَقَيْنِ وَنِصْفٍ .
وَرَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، قَالَ : النَّاسُ عَلَى أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ : مَلِيحٌ يَتَمَلَّحُ ، وَمَلِيحٌ يَتَبَغَّضُ ، وَبَغِيضٌ يَتَمَلَّحُ ، وَبَغِيضٌ يَتَبَغَّضُ ، فَالْأَوَّلُ : هُوَ الْمُنَى ، الثَّانِي : يُحْتَمَلُ ، وَأَمَا بَغِيضٌ يَتَمَلَّحُ ، فَإِنِّي أَرْحَمُهُ ، وَأَمَّا الْبَغِيضُ ، الَّذِي يَتَبَغَّضُ ، فَأَفِرُّ مِنْهُ .
قَالَ ابْنُ بَشْكُوَالَ فِي أَخْبَارِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ : نَقَلْتُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ عَتَّابٍ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يُجَالِسُونَهُ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَوَقَفَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَأَقَرُّوا بِهِ ، فَقَالَ : ظَلَمْتُمُونِي بِتَفْضِيلِكُمْ لِي عَلَى رَجُلٍ لَا أُشْبِهُهُ ، وَلَا أَلْحَقُ بِهِ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ ، لَا أُسْمِعَكُمْ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ أَبَدًا ، فَلَا تَأْتُونِي بَعْدَ يَوْمِكُمْ .
مَاتَ الْحَرْبِيُّ بِبَغْدَادَ ، فَدُفِنَ فِي دَارِهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي أَيَّامِ الْمُعْتَضِدِ .
قَالَ الْمَسْعُودِيُّ : كَانَتْ وَفَاةُ الْحَرْبِيِّ الْمُحَدِّثِ الْفَقِيهِ فِي الْجَانِبِ 365 الْغَرْبِيِّ ، وَلَهُ نَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً . . . . وَكَانَ صَدُوقًا ، عَالِمًا ، فَصِيحًا ، جَوَادًا ، عَفِيفًا ، زَاهِدًا ، عَابِدًا ، نَاسِكًا ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ ضَاحِكَ السِّنِّ ، ظَرِيفَ الطَّبْعِ . . . وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَكَبُّرٌ وَلَا تَجَبُّرٌ ، وَرُبَّمَا مَزَحَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ بِمَا يُسْتَحْسَنُ مِنْهُ ، وَيُسْتَقْبَحُ مِنْ غَيْرِهِ .
وَكَانَ شَيْخَ الْبَغْدَادِيِّينَ فِي وَقْتِهِ ، وَظَرِيفَهُمْ ، وَزَاهِدَهُمْ ، وَنَاسِكَهُمْ ، وَمُسْنِدَهُمْ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَانَ يَتَفَقَّهُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَكَانَ لَهُ مَجْلِسٌ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ الْغَرْبِيِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ ، قَالَ : كُنْتُ أَجْلِسُ فِي حَلْقَةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، وَكَانَ يَجْلِسُ إِلَيْنَا غُلَامَانِ فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ مِنَ الصُّورَةِ وَالْبَزَّةِ وَكَأَنَّهُمَا رُوحٌ فِي جَسَدٍ ، إِنْ قَامَا قَامَا مَعًا ، وَإِنْ حَضَرًا ، فَكَذَلِكَ .
فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْجُمَعِ ، حَضَرَ أَحَدُهُمَا وَقَدْ بَانَ الِاصْفِرَارُ بِوَجْهِهِ وَالِانْكِسَارُ فِي عَيْنَيْهِ . . . ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ ، حَضَرَ الْغَائِبُ ، وَلَمْ يَحْضُرِ الَّذِي جَاءَ فِي الْجُمْعَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا ، وَإِذِ الصُّفْرَةُ وَالِانْكِسَارُ بَيِّنٌ فِي لَوْنِهِ . . . وَقُلْتُ : إِنَّ ذَلِكَ لِلْفِرَاقِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ لِلْأُلْفَةِ الْجَامِعَةِ لَهُمَا .
فَلَمْ يَزَالَا يَتَسَابَقَانِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ إِلَى الْحَلْقَةِ ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ صَاحِبَهُ إِلَى الْحَلْقَةِ لَمْ يَجْلِسِ الْآخَرُ . . . فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْجُمَعِ ، حَضَرَ أَحَدُهُمَا فَجَلَسَ إِلَيْنَا ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَأَشْرَفَ عَلَى الْحَلْقَةِ فَوَجْدَ صَاحِبَهُ قَدْ سَبَقَ ، وَإِذَا الْمَسْبُوقُ قَدْ أَخَذَتْهُ الْعَبْرَةُ ، فَتَبَيَّنْتُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي دَائِرَةِ عَيْنَيْهِ ، وَإِذَا فِي يُسْرَاهُ رِقَاعٌ صِغَارٌ 366 مَكْتُوبَةٌ ، فَقَبَضَ بِيَمِينِهِ رُقْعَةً مِنْهَا ، وَحَذَفَ بِهَا فِي وَسَطِ الْحَلْقَةِ ، وَانْسَابَ بَيْنَ النَّاسِ مُسْتَخْفِيًا وَأَنَا أَرْمُقُهُ ، وَكَانَ ثَمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ حَرْبَوَيْهِ ، فَنَشَرَ الرُّقْعَةَ وَقَرَأَهَا . . . وَفِيهَا دُعَاءٌ ، أَنْ يَدْعُوَ لِصَاحِبِهَا مَرِيضًا كَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَيُؤَمِّنُ عَلَى الدُّعَاءِ مَنْ حَضَرَ .
فَقَالَ الشَّيْخُ : اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَهُمَا ، وَأَلِّفْ قُلُوبَهُمَا ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ فِيمَا يُقَرِّبُ مِنْكَ ، وَيُزْلِفُ لَدَيْكَ . وَأَمَّنُوا عَلَى دُعَائِهِ . . ثُمَّ طَوَى الرُّقْعَةَ وَحَذَفَنِي بِهَا ، فَتَأَمَّلْتُ مَا فِيهَا . . . فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ : ﴿﴾ عَفَا اللَّهُ عَنْ عَبْدٍ أَعَانَ بِدَعْوَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ لِخَلِيلَيْنِ كَانَا دَائِمَيْنِ عَلَى الْوُدِّ ﴿﴾ ﴿﴾ إِلَى أَنْ وَشَى وَاشِي الْهَوَى بِنَمِيمَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ إِلَى ذَاكَ مِنْ هَذَا فَحَالَا عَنِ الْعَهْدِ ﴿﴾ . . . فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ حَضَرَا جَمِيعًا ، وَإِذَا الِاصْفِرَارُ وَالِانْكِسَارُ قَدْ زَالَ ، فَقُلْتُ لِابْنِ حَرْبَوَيْهِ : إِنِّي أَرَى الدَّعْوَةَ قَدْ أُجِيبَتْ ، وَأَنَّ دُعَاءَ الشَّيْخِ كَانَ عَلَى التَّمَامِ . . . فَلَمَّا كَانَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ كُنْتُ فِيمَنْ حَجَّ ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُلَامَيْنِ مُحْرِمَينِ . . بَيْنَ مِنًى وَعَرَفَةَ ، فَلَمْ أَزَلْ أَرَاهُمَا مُتَآلِفَيْنِ إِلَى أَنْ تَكَهَّلَا .
قَالَ الْقِفْطِيُّ فِي " تَارِيخِ النُّحَاةِ " لَهُ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ رَأْسًا فِي الزُّهْدِ ، عَارِفًا بِالْمَذَاهِبِ ، بَصِيرًا بِالْحَدِيثِ ، حَافِظًا لَهُ . . . . لَهُ فِي اللُّغَةِ كِتَابُ : " غَرِيبُ الْحَدِيثِ " ، وَهُوَ مِنْ أَنْفَسِ الْكُتُبِ وَأَكْبَرِهَا فِي هَذَا النَّوْعِ .
367 أَبُو الْحَسَنِ بْنُ جَهْضَمٍ -وَاهٍ- : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخَلَدِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاهَانَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ : أَجْمَعَ عُقَلَاءُ كُلِّ مِلَّةٍ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَجْرِ مَعَ الْقَدَرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِعَيْشِهِ .
وَكَانَ يَقُولُ : قَمِيصِي أَنْظَفُ قَمِيصٍ ، وَإِزَارِي أَوْسَخُ إِزَارٍ ، مَا حَدَّثْتُ نَفْسِي أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ قَطُّ ، وَفَرْدُ عَقِبِي صَحِيحٌ وَالْآخَرُ مَقْطُوعٌ ، وَلَا أَحُدِّثُ نَفْسِي أَنِّي أُصْلِحُهُمَا ، وَلَا شَكَوْتُ إِلَى أَهْلِي وَأَقَارِبِي حُمَّى أَجِدُهَا ، لَا يَغُمُّ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ ، وَلِي عَشْرُ سِنِينٍ أُبْصِرُ بِفَرْدِ عَيْنٍ ، مَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا .
وَأَفْنَيْتُ مِنْ عُمْرِي ثَلَاثِينَ سَنَةً بِرَغِيفَيْنِ ، إِنْ جَاءَتْنِي بِهِمَا أُمِّي أَوْ أُخْتِي ، وَإِلَّا بَقِيتُ جَائِعًا إِلَى اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ ، وَأَفْنَيْتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً بِرَغِيفٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، إِنْ جَاءَتْنِي امْرَأَتِي أَوْ بَنَاتِي بِهِ ، وَإِلَّا بَقِيتُ جَائِعًا ، وَالْآنَ آكُلُ نِصْفَ رَغِيفٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ تَمْرَةً ، وَقَامَ إِفْطَارِي فِي رَمَضَانَ هَذَا بِدِرْهَمٍ وَدَانَقَيْنِ وَنِصْفٍ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث