سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثالث
page 302 · printed p. 160
وَمُعَاوِيَةُ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ غَلَبَ عَدْلُهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ، وَمَا هُوَ بِبَرِيءٍ مِنَ الْهَنَّاتِ ، وَاللَّهُ يَعْفُو عَنْهُ .
الْمَدَائِنِيُّ : عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ، عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ ، قَالَ : خَطَبَ مُعَاوِيَةُ ، فَقَالَ : إِنِّي مِنْ زَرْعٍ قَدِ اسْتُحْصِدَ ، وَقَدْ طَالَتْ إِمْرَتِي عَلَيْكُمْ حَتَّى مَلَلْتُكُمْ وَمَلَلْتُمُونِي ، وَلَا يَأْتِيكُمْ بَعْدِي خَيْرٌ مِنِّي ، كَمَا أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلِي خَيْرٌ مِنِّي . اللَّهُمَّ قَدْ أَحْبَبْتُ لِقَاءَكَ فَأَحِبَّ لِقَائِي .
الْوَاقِدِيُّ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، قَالَ : قَالَ مُعَاوِيَةُ لِيَزِيدَ وَهُوَ يُوصِيهِ : اتَّقِ اللَّهَ ، فَقَدْ وَطَّأْتُ لَكَ الْأَمْرَ ، وَوُلِّيتُ مِنْ ذَلِكَ مَا وُلِّيتُ ، فَإِنْ يَكُ خَيْرًا فَأَنَا أَسْعَدُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ شَقِيتُ بِهِ . فَارْفُقْ بِالنَّاسِ ، وَإِيَّاكَ وَجَبَهَ أَهْلِ الشَّرَفِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ .
وَقِيلَ : إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِيَزِيدَ : إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافَهُ شَيْءٌ عَمِلْتُهُ فِي أَمْرِكَ ، شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا قَلَّمَ أَظْفَارَهُ ، وَأَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ ، فَجَمَعْتُ ذَلِكَ ، فَإِذَا مُتُّ ، فَاحْشُ بِهِ فَمِي وَأَنْفِي .
عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ : عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْصَى فَقَالَ : 160 كُنْتُ أُوَضِّئُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَعَ قَمِيصَهُ وَكَسَانِيهِ ، فَرَفَعْتُهُ ، وَخَبَّأَتْ قُلَامَةَ أَظْفَارِهِ ، فَإِذَا مُتُّ ، فَأَلْبِسُونِي الْقَمِيصَ عَلَى جِلْدِي ، وَاجْعَلُوا الْقُلَامَةَ مَسْحُوقَةً فِي عَيْنِي ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَنِي بِبَرَكَتِهَا .
حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ; قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ حِينَ أَصَابَتْهُ قُرْحَتُهُ ، فَقَالَ : هَلُمَّ يَا ابْنَ أَخِي فَانْظُرْ ; فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ سَرَتْ .
قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ : لَمَّا احْتُضِرَ مُعَاوِيَةُ ، قِيلَ لَهُ : أَلَا تُوصِي ؟ فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَقِلِ الْعَثْرَةَ ، وَاعْفُ عَنِ الزَّلَّةِ ، وَتَجَاوَزْ بِحِلْمِكَ عَنْ جَهْلِ مَنْ لَمْ يَرْجُ غَيْرَكَ ، فَمَا وَرَاءَكَ مَذْهَبٌ . وَقَالَ : ﴿﴾ هُوَ الْمَوْتُ لَا مَنْجَى مِنَ الْمَوْتِ وَالَّذِي ﴿﴾ ﴿﴾ نُحَاذِرُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَدْهَى وَأَفْظَعُ ﴿﴾
قَالَ أَبُو مِسْهَرٍ : صَلَّى الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، وَدُفِنَ بَيْنَ بَابِ الْجَابِيَةِ وَبَابِ الصَّغِيرِ فِيمَا بَلَغَنِي .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : لَمَّا ثَقُلَ مُعَاوِيَةُ ، قَالَ : احْشُوا عَيْنِي بِالْإِثْمِدِ ، وَأَوْسِعُوا رَأْسِي دُهْنًا ، فَفَعَلُوا وَبَرَّقُوا وَجْهَهُ بِالدُّهْنِ ثُمَّ مُهِّدَ لَهُ وَأُجْلِسَ وَسُنِّدَ ، ثُمَّ قَالَ : لِيَدْنُ النَّاسُ ، فَلْيُسَلِّمُوا قِيَامًا ، فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ ، وَيَقُولُ : يَقُولُونَ : هُوَ لِمَا بِهِ ، وَهُوَ أَصَحُّ النَّاسِ ، فَلَمَّا خَرَجُوا ، قَالَ مُعَاوِيَةُ : 161 ﴿﴾ وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمْ ﴿﴾ ﴿﴾ أَنِّي لِرِيَبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ ﴿﴾ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ ، قَالَ : أَخْرَجَ مُعَاوِيَةُ يَدَيْهِ كَأَنَّهُمَا عَسِيبَا نَحْلٍ ، فَقَالَ : هَلِ الدُّنْيَا إِلَّا مَا ذُقْنَا وَجَرَّبْنَا . وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَغْبُرْ فِيكُمْ إِلَّا ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَلْحَقُ بِاللَّهِ . قَالُوا : إِلَى مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ . قَالَ : إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ . قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنِّي لَمْ آلُ ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُغَيِّرَ غَيَّرَ .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، قَالَ : مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَابْنُهُ يَزِيدُ بحَوَّارِينَ .
أَبُو مِسْهَرٍ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ ، قَالَ : مَاتَ مُعَاوِيَةُ ، فَفَزِعَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَأَتَيْتُ . فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَهُمْ يَبْكُونَ فِي الْخَضْرَاءِ ، وَابْنُهُ يَزِيدُ فِي الْبَرِيَّةِ وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدِهِ ، وَكَانَ مَعَ أَخْوَالِهِ بَنِي كَلْبٍ . فَقَدِمَ فِي زِيِّهِمْ ، فَتَلَقَّيْنَاهُ ، وَهُوَ عَلَى بُخْتِيٍّ لَهُ زَجَلٌ . قَالَ : وَلَيْسَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ وَلَا سَيْفٌ . وَكَانَ عَظِيمَ الْجِسْمِ سَمِينًا ، فَسَارَ إِلَى 162 بَابِ الصَّغِيرِ ، فَنَزَلَ ، وَمَشَى بَيْنَ يَدَيْهِ الضَّحَّاكُ الْفِهْرِيُّ إِلَى قَبْرِ مُعَاوِيَةَ ، فَصَفَّنَا خَلْفَهُ ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا ، ثُمَّ رَكِبَ بَغْلَتَهُ إِلَى الْخَضْرَاءِ ثُمَّ نُودِيَ وَقْتَ الظُّهْرِ : الصَّلَاةَ جَامِعَةً ، فَاغْتَسَلَ ، وَخَرَجَ ، فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَعَجَّلَ الْعَطَاءَ ، وَأَعْفَاهُمْ مِنْ غَزْوِ الْبَحْرِ ، فَافْتَرَقُوا وَمَا يُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ أَحَدًا .
قَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَعِدَّةٌ : مَاتَ مُعَاوِيَةُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ فَقِيلَ : فِي نِصْفِ رَجَبٍ وَقِيلَ : لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْهُ وَعَاشَ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً .
مُسْنَدُهُ فِي " مُسْنَدِ بَقِيٍّ " ; مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا . وَقَدْ عَمِلَ الْأَهْوَازِيُّ مُسْنَدَهُ فِي مُجَلَّدٍ . وَاتَّفَقَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِأَرْبَعَةٍ ، وَمُسْلِمٌ بِخَمْسَةٍ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith