سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الرابع
قُلْتُ : خَرَجَ الْقُرَّاءُ ، وَهُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاحِ بِالْعِرَاقِ عَلَى الْحَجَّاجِ لِظُلْمِهِ وَتَأْخِيرِهِ الصَّلَاةَ وَالْجَمْعِ فِي الْحَضَرِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مَذْهَبًا وَاهِيًا لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ " فَخَرَجَ عَلَى الْحَجَّاجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ ، وَكَانَ شَرِيفًا مُطَاعًا ، وَجَدَّتُهُ أُخْتُ الصِّدِّيقِ ، فَالْتَفَّ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ، وَضَاقَتْ عَلَى الْحَجَّاجِ الدُّنْيَا ، وَكَادَ أَنْ يَزُولَ مُلْكُهُ ، وَهَزَمُوهُ مَرَّاتٍ ، وَعَايَنَ التَّلَفَ وَهُوَ ثَابِتٌ مِقْدَامٌ ، إِلَى أَنِ انْتَصَرَ وَتَمَزَّقَ جَمْعُ ابْنِ الْأَشْعَثِ . وَقُتِلَ خَلْقٌ 307 كَثِيرٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ، فَكَانَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ الْحَجَّاجُ مِنْهُمْ قَتَلَهُ إِلَّا مَنْ بَاءَ مِنْهُمْ بِالْكُفْرِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَدَعُهُ .
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عِيسَى الْحِنَّاطِ قَالَ : قَالَ الشَّعْبِيُّ : إِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ مَنِ اجْتَمَعَتِ فِيهِ خَصْلَتَانِ : الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ ; فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا قَالَ : هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلَّا النُّسَّاكُ فَلَنْ أَطْلُبَهُ ، وَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلًا قَالَ : هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلَّا الْعُقَلَاءُ ، فَلَنْ أَطْلُبَهُ ، يَقُولُ الشَّعْبِيُّ : فَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ الْيَوْمَ مَنْ لَيْسَ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ، لَا عَقْلَ وَلَا نَسُكَ .
قُلْتُ : أَظُنُّهُ أَرَادَ بِالْعَقْلِ الْفَهْمَ وَالذَّكَاءَ .
قَالَ مُجَالِدٌ : قَالَ الشَّعْبِيُّ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ يَزْدَرِدُ الْعِلْمَ ازْدِرَادًا .
وَقَلَّمَا رَوَى الْأَعْمَشُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، فَرَوَى حَفْصٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ اللِّيطَةِ . فَقُلْتُ لِلْأَعْمَشِ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، مَا مَنَعَكَ مِنْ إِتْيَانِ الشَّعْبِيِّ ؟ قَالَ : وَيْحَكَ ، كَيْفَ كُنْتُ آتِيهِ وَهُوَ إِذَا رَآنِي سَخِرَ بِي وَيَقُولُ : هَذِهِ هَيْئَةُ عَالِمٍ ! مَا هَيْئَتُكَ إِلَّا هَيْئَةُ حَائِكٍ . وَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ أَكْرَمَنِي وَأَدْنَانِي .
قَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ : حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثٍ ، فَقُلْتُ : إِنَّ هَذَا يُرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : مَنْ دُونَهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا إِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانُ .
خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : مَا كُذِبَ عَلَى أَحَدٍ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا كُذِبَ عَلَى عَلِيٍّ .
ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : مَا جَلَسْتُ مَعَ قَوْمٍ مُذْ 308 كَذَا وَكَذَا ، فَخَاضُوا فِي حَدِيثٍ إِلَّا كُنْتُ أَعْلَمَهُمْ بِهِ .
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ ، سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَوْ أَصَبْتُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ مَرَّةً وَأَخْطَأْتُ مَرَّةً ، لَأَعَدُّوا عَلَيَّ تِلْكَ الْوَاحِدَةَ .
وَعَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَأَنِّي بِهَذَا الْعِلْمِ تَحَوَّلَ إِلَى خُرَاسَانَ .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَلِيفَةَ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أَصْبَحَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَرْبَعِ فِرَقٍ : مُحِبٍّ لِعَلِيٍّ مُبْغِضٍ لِعُثْمَانَ ، وَمُحِبٍّ لِعُثْمَانَ مُبْغِضٍ لِعَلِيٍّ ، وَمُحِبٍّ لَهُمَا ، وَمُبْغِضٍ لَهُمَا . قُلْتُ : مَنْ أَيِّهَا أَنْتَ ؟ قَالَ : مُبْغِضٌ لِبَاغِضِهِمَا .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ : حَدَّثَنَا عَمِّي ، قَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ : أُحَدِّثُكَ عَنِ الْقَوْمِ كَأَنَّكَ شَهِدْتَهُمْ ، كَانَ شُرَيْحٌ أَعْلَمَهُمْ بِالْقَضَاءِ ، وَكَانَ عَبِيدَةُ يُوَازِي شُرَيْحًا فِي عِلْمِ الْقَضَاءِ ، وَأَمَّا عَلْقَمَةُ ، فَانْتَهَى إِلَى عِلْمِ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُجَاوِزْهُ ، وَأَمَّا مَسْرُوقٌ ، فَأَخَذَ عَنْ كُلٍّ . وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ أَعْلَمَهُمْ عِلْمًا ، وَأَوْرَعَهُمْ وَرَعًا .
قَالَ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ : كَانَ الشَّعْبِيُّ يَمُرُّ بِأَبِي صَالِحٍ فَيَأْخُذُ بِأُذُنِهِ وَيَقُولُ : تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ !
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى الشَّعْبِيِّ بِدِمَشْقَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " اعْبُدُوا 309 رَبَّكُمْ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ، وَأَطِيعُوا الْأُمَرَاءَ ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَلَكُمْ ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَعَلَيْهِمْ وَأَنْتُمْ مِنْهُ بَرَآءٌ " فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ : كَذَبْتَ .
هَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فَقَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُضَارِبٍ الْعُمَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَا أَخْطَأْتَ .
قُرَادٌ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عَلَى بَابِ الشَّعْبِيِّ إِذْ جَاءَ جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيُّ ، فَدَعَا الشَّعْبِيُّ لَهُ بِوِسَادَةٍ ، فَقُلْنَا لَهُ : حَوْلَكَ أَشْيَاخٌ ، وَجَاءَ هَذَا الْغُلَامُ فَدَعَوْتَ لَهُ بِوِسَادَةٍ ! ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَلْقَى لِجَدِّهِ وِسَادَةً وَقَالَ : " إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ " .
شَبَابَةُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، قَالَ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ قَيْسٍ الْأَرْقَبِ ، فَمَرَرْنَا بِالشَّعْبِيِّ ، فَقَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ : اتَّقِ اللَّهَ لَا يُشْعِلْكَ بِنَارِهِ . فَقَالَ قَيْسٌ : أَمَا وَاللَّهِ قَدْ كُنْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ - كَذَا قَالَ ، وَلَعَلَّهُ فِي هَذَا الرَّأْيِ - ثُمَّ قَالَ لَهُ : وَمَا تَرَكْتَهُ إِلَّا لِحُبِّ الدُّنْيَا . قَالَ : فَقُلْتُ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا ، فَلَعَنَكَ اللَّهُ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ أَصْحَابَ عَلِيٍّ ؟ قَالَ الشَّعْبِيُّ : مَا كُنْتُ أَعْرِفُ فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ إِلَّا أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْنَا عَلِيٌّ ، وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُسَمَّوْنَ قَنَادِيلُ الْمَسْجِدِ ، أَوْ سُرُجُ الْمِصْرِ . قَالَ قَيْسٌ : أَفَلَا تَعْرِفُ أَصْحَابَ عَلِيٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، 310 لَقَدْ تَعَلَّمْتُ مِنْهُ حِسَابَ الْفَرَائِضِ فَخَشِيتُ عَلَى نَفْسِي مِنْهُ الْوَسْوَاسَ ، فَلَا أَدْرِي مِمَّنْ تَعْلَمَهُ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ ابْنَ صَبُورٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَمْ يَكُنْ بِفَقِيهٍ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحَانَ ؟ قَالَ : كَانَ رَجُلًا خَطِيبًا وَلَمْ يَكُنْ بِفَقِيهٍ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ رُشَيْدًا الْهَجَرِيَّ ؟ قَالَ الشَّعْبِيُّ : نَعَمْ ، بَيْنَمَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الْهَجَرِيِّينَ إِذْ قَالَ لِي رَجُلٌ : هَلْ لَكَ فِي رَجُلٍ عَلَيْنَا يُحِبُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . فَأَدْخَلَنِي عَلَى رُشَيْدٍ فَقَالَ : خَرَجْتُ حَاجًّا ، فَلَمَّا قَضَيْتُ نُسُكِي ، قُلْتُ : لَوْ أَحْدَثْتُ عَهْدًا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَمَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَيْتُ بَابَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقُلْتُ لِإِنْسَانٍ : اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى سَيِّدِ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : هُوَ نَائِمٌ ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنِّي أَعْنِي الْحَسَنَ ، قُلْتُ : لَسْتُ أَعْنِي الْحَسَنَ إِنَّمَا أَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِمَامَ الْمُتَّقِينَ ، وَقَائِدَ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ .
قَالَ : أَوَلَيْسَ قَدْ مَاتَ ! فَبَكَى . فَقُلْتُ : أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُ لِيَتَنَفَّسُ الْآنَ بِنَفْسِ حَيٍّ ، وَيَعْتَرِقُ مِنَ الدِّثَارِ الثَّقِيلِ . فَقَالَ : أَمَّا إِذْ عَرَفْتَ سِرَّ آلِ مُحَمَّدٍ ، فَادْخُلْ عَلَيْهِ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ . فَدَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، وَأَنْبَأَنِي بِأَشْيَاءَ تَكُونُ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَقُلْتُ لِرُشَيْدٍ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا ، فَلَعَنَكَ اللَّهُ ، ثُمَّ خَرَجْتُ .
وَبَلَغَ الْحَدِيثُ زِيَادًا ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ وَصَلَبَهُ قَالَ شَبَابَةُ : وَحَدَّثَنِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ .
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : أَفْرَطَ نَاسٌ فِي حُبِّ عَلِيٍّ كَمَا أَفْرَطَتِ النَّصَارَى فِي حُبِّ الْمَسِيحِ .
وَرَوَى خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَعْرِفَةُ فَضْلِهِمَا مِنَ السُّنَّةِ . 311 مَالِكُ بْنُ مِغُوَلٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : مَا بَكَيْتُ مِنْ زَمَانٍ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَيْهِ .
رَوَى مُجَالِدٌ وَغَيْرُهُ ، أَنَّ رَجُلًا مُغَفَّلًا لَقِيَ الشَّعْبِيَّ وَمَعَهُ امْرَأَةٌ تَمْشِي ، فَقَالَ : أَيُّكُمَا الشَّعْبِيُّ ؟ قَالَ : هَذِهِ .
وَعَنْ عَامِرِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ : قَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ : امْضِ بِنَا نَفِرُّ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، فَخَرَجْنَا ، قَالَ : فَمَرَّ بِنَا شَيْخٌ ، فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ : مَا صَنْعَتُكَ ؟ قَالَ : رَفَّاءٌ ، قَالَ : عِنْدَنَا دِنٌّ مَكْسُورٌ تَرْفُوهُ لَنَا ؟ قَالَ : إِنْ هَيَّأْتَ لِي سُلُوكًا مِنْ رَمْلٍ ، رَفَوْتُهُ . فَضَحِكَ الشَّعْبِيُّ حَتَّى اسْتَلْقَى .
رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : مَا اخْتَلَفَتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا ظَهَرَ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَى أَهْلِ حَقِّهَا .
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ سَلَّمَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ . فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : أَوَلَيْسَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ ، لَوْلَا ذَلِكَ ، لَهَلَكَ .
رَوَى مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ " أَرَأَيْتَ " .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ قُتِلَ الْأَحْنَفُ ، وَقُتِلَ مَعَهُ صَغِيرٌ ، أَكَانَتْ دِيَتُهُمَا سَوَاءٌ ، أَمْ يُفَضَّلُ الْأَحْنَفُ لِعَقْلِهِ وَحِلْمِهِ ؟ قُلْتُ : بَلْ سَوَاءٌ . قَالَ : فَلَيْسَ الْقِيَاسُ بِشَيْءٍ .
312 مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : نِعْمَ الشَّيْءُ الْغَوْغَاءُ ، يَسُدُّونَ السَّيْلَ وَيُطْفِئُونَ الْحَرِيقَ ، وَيُشْغِبُونَ عَلَى وُلَاةِ السُّوءِ .
وَبَلَغَنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا لَيْتَنِي أَنْفَلِتُ مِنْ عِلْمِي كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي .
إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : أَتَى رَجُلٌ الشَّعْبِيَّ ، فَقَالَ : مَا اسْمُ امْرَأَةِ إِبْلِيسَ ؟ قَالَ : ذَاكَ عُرْسٌ مَا شَهِدْتُهُ .
ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، قَالَ : سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَمَّنْ نَذَرَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ ؟ قَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ قَالَ : فَنَهَيْتُ الشَّعْبِيَّ أَنَا فَقَالَ : رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ : نَذْرُكَ فِي عُنُقِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهِ حَلْفَةً حَمْرَاءَ ، وَإِزَارًا أَصْفَرَ .
قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : اسْتَعْمَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الشَّعْبِيَّ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَلَّفَهُ أَنْ يُسَامِرَهُ فَقَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ، فَأَفْرِدْنِي بِأَحَدِهِمَا .
قَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، كَانَ الشَّعْبِيُّ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنَ الْحَسَنِ وَأَسَنَّ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ .
الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ : حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ . قَالَ : كَرِهَ الصَّالِحُونَ 313 الْأَوَّلُونَ الْإِكْثَارَ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا حَدَّثْتُ إِلَّا بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ .
قُلْتُ : الْهَيْثَمُ وَاهٍ .
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : رُزِقَ صِبْيَانُ هَذَا الزَّمَانِ مِنَ الْعَقْلِ مَا نَقَصَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ .
قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : مَرَّ الشَّعْبِيُّ - وَأَنَا مَعَهُ - بِإِنْسَانٍ وَهُوَ يَقُولُ : ﴿﴾ فُتِنَ الشَّعْبِيُّ لَمَّا رَفَعَ الطَّرَفَ إِلَيْهَا ﴿﴾
فَلَمَّا رَأَى الشَّعْبِيَّ كَأَنَّهُ وَلَمْ يُتِمَّ الْبَيْتَ ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : . . . . . . . . . . . . . . . . . . ﴿﴾ نَظَرَ الطَّرْفُ إِلَيْهَا ﴿﴾
قُلْتُ : هَذِهِ أَبْيَاتٌ مَشْهُورَةٌ ، عَمِلَهَا رَجُلٌ تَحَاكَمَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ إِلَى الشَّعْبِيِّ أَيَّامَ قَضَائِهِ يَقُولُ فِيهَا : ﴿﴾ فَتَنَتْهُ بِبَنَانٍ وَبِخَطَّيْ مُقْلَتَيْهَا ﴿﴾ ﴿﴾ قَالَ لِلْجِلْوَازِ قَدِّمْهَا وَأَحْضِرْ شَاهِدَيْهَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَقَضَى جَوْرًا عَلَى الْخَصْمِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهَا ﴿﴾
314 قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ : إِذَا عَظُمَتِ الْحَلْقَةُ فَإِنَّمَا هُوَ نِجَاءٌ أَوْ نِدَاءٌ .
قَرَأْتُ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ طَارِقٍ : أَخْبَرَكُمِ ابْنُ خَلِيلٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْمَكَارِمِ اللَّبَّانُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَارِبٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ ( ح ) ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَنْجَوَيْهِ ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِيُّ ( ح ) وَحَدَّثَنَا الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أُتِيَ بِيَ الْحَجَّاجُ مُوَثَّقًا ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى بَابِ الْقَصْرِ لَقِيَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ يَا شَعْبِيُّ لِمَا بَيْنَ دَفَّتَيْكَ مِنَ الْعِلْمِ ، وَلَيْسَ بِيَوْمِ شَفَاعَةٍ ، بُؤْ لِلْأَمِيرِ بِالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ عَلَى نَفْسِكَ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ تَنْجُوَ .
ثُمَّ لَقِيَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَةِ يَزِيدَ ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ قَالَ : وَأَنْتَ يَا شَعْبِيُّ فِيمَنْ خَرَجَ عَلَيْنَا وَكَثَّرَ ! قُلْتُ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ ، أَحْزَنَ بِنَا الْمَنْزِلُ ، وَأَجْدَبَ الْجَنَابُ وَضَاقَ الْمَسْلَكُ ، وَاكْتَحَلْنَا السَّهَرَ ، وَاسْتَحْلَسْنَا الْخَوْفَ ، وَوَقَعْنَا فِي خِزْيَةٍ لَمْ نَكُنْ فِيهَا بَرَرَةً أَتْقِيَاءَ ، وَلَا فَجَرَةً أَقْوِيَاءَ . قَالَ : صَدَقَ وَاللَّهِ ، مَا بَرُّوا فِي خُرُوجِهِمْ عَلَيْنَا ، وَلَا قَوُوا عَلَيْنَا حَيْثُ فَجَرُوا . فَأَطْلَقُوا عَنِّي . قَالَ : فَاحْتَاجَ إِلَى فَرِيضَةٍ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُ فِي أُخْتٍ وَأُمٍّ وَجَدٍّ ؟ قُلْتُ : اخْتَلَفَ فِيهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عُثْمَانُ ، وَزَيْدٌ ، وَابْنُ 315 مَسْعُودٍ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ . قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ؟ إِنْ كَانَ لَمُنَقِّبًا . قُلْتُ : جَعَلَ الْجِدَّ أَبَا وَأَعْطَى الْأُمَّ الثُّلْثَ وَلَمْ يُعْطِ الْأُخْتَ شَيْئًا .
قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ - يَعْنِي عُثْمَانَ - قُلْتُ : جَعَلَهَا أَثْلَاثًا . قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا زَيْدٌ ؟ قُلْتُ : جَعَلَهَا مِنْ تِسْعَةٍ ، فَأَعْطَى الْأُمَّ ثَلَاثًا ، وَأَعْطَى الْجَدَّ أَرْبَعًا ، وَأَعْطَى الْأُخْتَ سَهْمَيْنِ . قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا ابْنُ مَسْعُودٍ ؟ قُلْتُ : جَعَلَهَا مِنْ سِتَّةٍ ، أَعْطَى الْأُخْتَ ثَلَاثًا ، وَأَعْطَى الْأُمَّ سَهْمًا ، وَأَعْطَى الْجَدَّ سَهْمَيْنِ . قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا أَبُو تُرَابٍ ؟ قُلْتُ : جَعَلَهَا مِنْ سِتَّةٍ ، فَأَعْطَى الْأُخْتَ ثَلَاثًا ، وَالْأُمَّ سَهْمَيْنِ ، وَالْجَدَّ سَهْمًا . قَالَ : مُرِ الْقَاضِي فَلْيُمْضِهَا عَلَى مَا أَمْضَاهَا عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحَاجِبُ فَقَالَ : إِنَّ بِالْبَابِ رُسُلًا ، قَالَ : ائْذَنْ لَهُمْ .
فَدَخَلُوا عَمَائِمُهُمْ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ ، وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ ، وَكُتُبُهُمْ فِي أَيْمَانِهِمْ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، يُقَالُ لَهُ سِيَابَةُ بْنُ عَاصِمٍ ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قَالَ : مِنَ الشَّامِ ، قَالَ : كَيْفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، كَيْفَ حَشَمُهُ ؟ قَالَ : هَلْ كَانَ وَرَاءَكَ مِنْ غَيْثٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَصَابَنِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثُ سَحَائِبَ ، قَالَ : فَانْعِتْ لِي . قَالَ : أَصَابَتْنِي سَحَابَةٌ بِحَوْرَانَ ، فَوَقَعَ قَطْرٌ صِغَارٌ وَقَطْرٌ كِبَارٌ ، فَكَانَ الْكِبَارُ لُحْمَةً لِلصِّغَارِ ، فَوَقَعَ سَبْطٌ مُتَدَارِكٌ ، وَهُوَ السَّحُّ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ ، فَوَادٍ سَائِلٌ وَوَادٍ نَازِحٌ ، وَأَرْضٌ مُقْبِلَةٌ وَأَرْضٌ مُدْبِرَةٌ ، فَأَصَابَتْنِي سَحَابَةٌ بِسَوَاءَ ، أَوْ قَالَ : بِالْقَرْيَتَيْنِ - شَكَّ عِيسَى - فَلَبَّدَتِ الدِّمَاثَ ، 316 وَأَسَالَتِ الْعِزَازَ ، وَأَدْحَضَتِ التِّلَاعَ فَصَدَّعَتْ عَنِ الْكَمْأَةِ أَمَاكِنَهَا ، وَأَصَابَتْنِي - أَيْضًا - سَحَابَةٌ فَقَاءَتِ الْعُيُونُ بَعْدَ الرِّيِّ ، وَامْتَلَأَتِ الْإِخَاذُ وَأُفْعِمَتِ الْأَوْدِيَةُ ، وَجِئْتُكَ فِي مِثْلِ وَجَارِ الضَّبْعِ .
ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ . فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، فَقَالَ : هَلْ كَانَ وَرَاءَكَ مِنْ غَيْثٍ ؟ قَالَ : لَا ، كَثُرَ الْإِعْصَارُ ، وَاغْبَرَّ الْبِلَادُ ، وَأَكَلَ مَا أَشْرَفَ مِنَ الْجَنَبَةِ فَاسْتَيْقَنَّا أَنَّهُ عَامُ سَنَةٍ . فَقَالَ : بِئْسَ الْمُخْبِرُ أَنْتَ .
ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ . فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَقَالَ : هَلْ كَانَ وَرَاءَكَ مِنْ غَيْثٍ ؟ قَالَ : تَقَنَّعَتِ الرُّوَّادُ تَدْعُو إِلَى زِيَادَتِهَا ، وَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ : هَلُمَّ أُظْعِنُكُمْ إِلَى مَحَلَّةٍ تُطْفَأُ فِيهَا النِّيرَانُ ، وَتَشَّكَّى فِيهَا النِّسَاءُ ، وَتُنَافَسُ فِيهَا 317 الْمِعْزَى . قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَلَمْ يَدْرِ الْحَجَّاجُ مَا قَالَ ، فَقَالَ : وَيْحَكَ ; إِنَّمَا تُحَدِّثُ أَهْلَ الشَّامِ ، فَأَفْهِمْهُمْ . فَقَالَ : نَعَمْ ، أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ ، أَخْصَبَ النَّاسُ ، فَكَانَ التَّمْرُ وَالسَّمْنُ وَالزُّبْدُ وَاللَّبَنُ ، فَلَا تُوقَدُ نَارٌ لِيُخْتَبِزَ بِهَا ، وَأَمَّا تَشَكِّي النِّسَاءِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَظَلُّ بِرَبْقِ بُهْمِهَا تَمْخَضُ لَبَنَهَا فَتَبِيتُ وَلَهَا أَنِينٌ مِنْ عَضُدَيْهَا ، كَأَنَّهَا لَيْسَتَا مَعَهَا ، وَأَمَّا تَنَافُسُ الْمِعْزَى ، فَإِنَّهَا تَرْعَى مِنْ أَنْوَاعِ الشَّجَرِ وَأَلْوَانِ الثَّمَرِ ، وَنُورِ النَّبَاتِ مَا تُشْبِعُ بُطُونَهَا ، وَلَا تُشْبِعُ عُيُونَهَا ، فَتَبِيتُ وَقَدِ امْتَلَأَتْ أَكْرَاشُهَا ، لَهَا مِنَ الْكِظَّةِ جِرَّةٌ فَتَبْقَى الْجِرَّةُ حَتَّى تَسْتَنْزِلَ بِهَا الدَّرَّةَ .
ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ . فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي كَانَ يُقَالُ : إِنَّهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَقَالَ : هَلْ كَانَ وَرَاءَكَ مِنْ غَيْثٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنِّي لَا أُحْسِنُ أَقُولُ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ . قَالَ : قُلْ كَمَا تُحْسِنُ . قَالَ : أَصَابَتْنِي سَحَابَةٌ بِحُلْوَانَ فَلَمْ أَزَلْ أَطَأُ فِي إِثْرِهَا حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى الْأَمِيرِ . فَقَالَ الْحَجَّاجُ : لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرَهُمْ فِي الْمَطَرِ خُطْبَةً ، إِنَّكَ أَطْوَلُهُمْ بِالسَّيْفِ خُطْوَةً .
وَبِهِ ، إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى الْعُكْلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ 318 الْهُذَلِيُّ ، قَالَ : قَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ : أَلَا أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا تَحَفَظُهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، إِنْ كُنْتَ حَافِظًا كَمَا حَفِظْتُ ، إِنَّهُ لَمَّا أُتِي بِيَ الْحَجَّاجَ وَأَنَا مُقَيَّدٌ ، فَخَرَجَ إِلَيَّ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ، فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ : أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَمُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيَّا جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ، أَوْ رَأَى أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا . فَقَالَ : جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهَا اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ ، وَخَلِيفَةُ ، وَطَائِفَةٌ : مَاتَ الشَّعْبِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ زَادَ ابْنُ مُجَالِدٍ : وَقَدْ بَلَغَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ عَنْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً .
وَفِيهِمَا أَرَّخَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ . وَقَالَ الْفَلَّاسُ : فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَةٍ وَقَالَ يَحْيَى : سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ .
وَمِنْ كَلَامِهِ : ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ هَوَى لِأَنَّهُ يَهْوِي بِأَصْحَابِهِ .
أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : لَا أَدْرِي : نِصْفُ الْعِلْمِ .
319 أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، قَالُوا : أَنْبَأَنَا ابْنُ اللَّتِّيِّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْوَقْتِ ، أَنْبَأَنَا الدَّاوُدِيُّ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حَمَّوَيْهِ أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ - هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ - قَالَ : قَالَ الشَّعْبِيُّ : مَا حَدَّثُوكَ هَؤُلَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخُذْهُ ، وَمَا قَالُوهُ بِرَأْيِهِمْ فَأَلْقِهِ فِي الْحُشِّ .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ إِجَازَةً ، أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنْبَأَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ غَيْلَانَ ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السِّمَّرِيُ حَدَّثَنَا يَعْلَى وَيَزِيدُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، فَمَشَى نِصْفَ الطَّرِيقِ ثُمَّ رَكِبَ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِذَا كَانَ عَامًا قَابِلًا ، فَلْيَرْكَبْ مَا مَشَى وَلْيَمْشِ مَا رَكِبَ ، وَيَنْحَرْ بَدَنَةً .
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عِيسَى الْحِنَّاطِ قَالَ : قَالَ الشَّعْبِيُّ : إِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ مَنِ اجْتَمَعَتِ فِيهِ خَصْلَتَانِ : الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ ; فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا قَالَ : هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلَّا النُّسَّاكُ فَلَنْ أَطْلُبَهُ ، وَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلًا قَالَ : هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلَّا الْعُقَلَاءُ ، فَلَنْ أَطْلُبَهُ ، يَقُولُ الشَّعْبِيُّ : فَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ الْيَوْمَ مَنْ لَيْسَ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ، لَا عَقْلَ وَلَا نَسُكَ .
قُلْتُ : أَظُنُّهُ أَرَادَ بِالْعَقْلِ الْفَهْمَ وَالذَّكَاءَ .
قَالَ مُجَالِدٌ : قَالَ الشَّعْبِيُّ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ يَزْدَرِدُ الْعِلْمَ ازْدِرَادًا .
وَقَلَّمَا رَوَى الْأَعْمَشُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، فَرَوَى حَفْصٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ اللِّيطَةِ . فَقُلْتُ لِلْأَعْمَشِ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، مَا مَنَعَكَ مِنْ إِتْيَانِ الشَّعْبِيِّ ؟ قَالَ : وَيْحَكَ ، كَيْفَ كُنْتُ آتِيهِ وَهُوَ إِذَا رَآنِي سَخِرَ بِي وَيَقُولُ : هَذِهِ هَيْئَةُ عَالِمٍ ! مَا هَيْئَتُكَ إِلَّا هَيْئَةُ حَائِكٍ . وَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ أَكْرَمَنِي وَأَدْنَانِي .
قَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ : حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثٍ ، فَقُلْتُ : إِنَّ هَذَا يُرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : مَنْ دُونَهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا إِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانُ .
خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : مَا كُذِبَ عَلَى أَحَدٍ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا كُذِبَ عَلَى عَلِيٍّ .
ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : مَا جَلَسْتُ مَعَ قَوْمٍ مُذْ 308 كَذَا وَكَذَا ، فَخَاضُوا فِي حَدِيثٍ إِلَّا كُنْتُ أَعْلَمَهُمْ بِهِ .
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ ، سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَوْ أَصَبْتُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ مَرَّةً وَأَخْطَأْتُ مَرَّةً ، لَأَعَدُّوا عَلَيَّ تِلْكَ الْوَاحِدَةَ .
وَعَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَأَنِّي بِهَذَا الْعِلْمِ تَحَوَّلَ إِلَى خُرَاسَانَ .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَلِيفَةَ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أَصْبَحَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَرْبَعِ فِرَقٍ : مُحِبٍّ لِعَلِيٍّ مُبْغِضٍ لِعُثْمَانَ ، وَمُحِبٍّ لِعُثْمَانَ مُبْغِضٍ لِعَلِيٍّ ، وَمُحِبٍّ لَهُمَا ، وَمُبْغِضٍ لَهُمَا . قُلْتُ : مَنْ أَيِّهَا أَنْتَ ؟ قَالَ : مُبْغِضٌ لِبَاغِضِهِمَا .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ : حَدَّثَنَا عَمِّي ، قَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ : أُحَدِّثُكَ عَنِ الْقَوْمِ كَأَنَّكَ شَهِدْتَهُمْ ، كَانَ شُرَيْحٌ أَعْلَمَهُمْ بِالْقَضَاءِ ، وَكَانَ عَبِيدَةُ يُوَازِي شُرَيْحًا فِي عِلْمِ الْقَضَاءِ ، وَأَمَّا عَلْقَمَةُ ، فَانْتَهَى إِلَى عِلْمِ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُجَاوِزْهُ ، وَأَمَّا مَسْرُوقٌ ، فَأَخَذَ عَنْ كُلٍّ . وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ أَعْلَمَهُمْ عِلْمًا ، وَأَوْرَعَهُمْ وَرَعًا .
قَالَ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ : كَانَ الشَّعْبِيُّ يَمُرُّ بِأَبِي صَالِحٍ فَيَأْخُذُ بِأُذُنِهِ وَيَقُولُ : تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ !
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى الشَّعْبِيِّ بِدِمَشْقَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " اعْبُدُوا 309 رَبَّكُمْ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ، وَأَطِيعُوا الْأُمَرَاءَ ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَلَكُمْ ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَعَلَيْهِمْ وَأَنْتُمْ مِنْهُ بَرَآءٌ " فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ : كَذَبْتَ .
هَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فَقَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُضَارِبٍ الْعُمَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَا أَخْطَأْتَ .
قُرَادٌ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عَلَى بَابِ الشَّعْبِيِّ إِذْ جَاءَ جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيُّ ، فَدَعَا الشَّعْبِيُّ لَهُ بِوِسَادَةٍ ، فَقُلْنَا لَهُ : حَوْلَكَ أَشْيَاخٌ ، وَجَاءَ هَذَا الْغُلَامُ فَدَعَوْتَ لَهُ بِوِسَادَةٍ ! ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَلْقَى لِجَدِّهِ وِسَادَةً وَقَالَ : " إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ " .
شَبَابَةُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، قَالَ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ قَيْسٍ الْأَرْقَبِ ، فَمَرَرْنَا بِالشَّعْبِيِّ ، فَقَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ : اتَّقِ اللَّهَ لَا يُشْعِلْكَ بِنَارِهِ . فَقَالَ قَيْسٌ : أَمَا وَاللَّهِ قَدْ كُنْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ - كَذَا قَالَ ، وَلَعَلَّهُ فِي هَذَا الرَّأْيِ - ثُمَّ قَالَ لَهُ : وَمَا تَرَكْتَهُ إِلَّا لِحُبِّ الدُّنْيَا . قَالَ : فَقُلْتُ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا ، فَلَعَنَكَ اللَّهُ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ أَصْحَابَ عَلِيٍّ ؟ قَالَ الشَّعْبِيُّ : مَا كُنْتُ أَعْرِفُ فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ إِلَّا أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْنَا عَلِيٌّ ، وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُسَمَّوْنَ قَنَادِيلُ الْمَسْجِدِ ، أَوْ سُرُجُ الْمِصْرِ . قَالَ قَيْسٌ : أَفَلَا تَعْرِفُ أَصْحَابَ عَلِيٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، 310 لَقَدْ تَعَلَّمْتُ مِنْهُ حِسَابَ الْفَرَائِضِ فَخَشِيتُ عَلَى نَفْسِي مِنْهُ الْوَسْوَاسَ ، فَلَا أَدْرِي مِمَّنْ تَعْلَمَهُ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ ابْنَ صَبُورٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَمْ يَكُنْ بِفَقِيهٍ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحَانَ ؟ قَالَ : كَانَ رَجُلًا خَطِيبًا وَلَمْ يَكُنْ بِفَقِيهٍ . قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ رُشَيْدًا الْهَجَرِيَّ ؟ قَالَ الشَّعْبِيُّ : نَعَمْ ، بَيْنَمَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الْهَجَرِيِّينَ إِذْ قَالَ لِي رَجُلٌ : هَلْ لَكَ فِي رَجُلٍ عَلَيْنَا يُحِبُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . فَأَدْخَلَنِي عَلَى رُشَيْدٍ فَقَالَ : خَرَجْتُ حَاجًّا ، فَلَمَّا قَضَيْتُ نُسُكِي ، قُلْتُ : لَوْ أَحْدَثْتُ عَهْدًا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَمَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَيْتُ بَابَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقُلْتُ لِإِنْسَانٍ : اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى سَيِّدِ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : هُوَ نَائِمٌ ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنِّي أَعْنِي الْحَسَنَ ، قُلْتُ : لَسْتُ أَعْنِي الْحَسَنَ إِنَّمَا أَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِمَامَ الْمُتَّقِينَ ، وَقَائِدَ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ .
قَالَ : أَوَلَيْسَ قَدْ مَاتَ ! فَبَكَى . فَقُلْتُ : أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُ لِيَتَنَفَّسُ الْآنَ بِنَفْسِ حَيٍّ ، وَيَعْتَرِقُ مِنَ الدِّثَارِ الثَّقِيلِ . فَقَالَ : أَمَّا إِذْ عَرَفْتَ سِرَّ آلِ مُحَمَّدٍ ، فَادْخُلْ عَلَيْهِ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ . فَدَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، وَأَنْبَأَنِي بِأَشْيَاءَ تَكُونُ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَقُلْتُ لِرُشَيْدٍ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا ، فَلَعَنَكَ اللَّهُ ، ثُمَّ خَرَجْتُ .
وَبَلَغَ الْحَدِيثُ زِيَادًا ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ وَصَلَبَهُ قَالَ شَبَابَةُ : وَحَدَّثَنِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ .
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : أَفْرَطَ نَاسٌ فِي حُبِّ عَلِيٍّ كَمَا أَفْرَطَتِ النَّصَارَى فِي حُبِّ الْمَسِيحِ .
وَرَوَى خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَعْرِفَةُ فَضْلِهِمَا مِنَ السُّنَّةِ . 311 مَالِكُ بْنُ مِغُوَلٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : مَا بَكَيْتُ مِنْ زَمَانٍ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَيْهِ .
رَوَى مُجَالِدٌ وَغَيْرُهُ ، أَنَّ رَجُلًا مُغَفَّلًا لَقِيَ الشَّعْبِيَّ وَمَعَهُ امْرَأَةٌ تَمْشِي ، فَقَالَ : أَيُّكُمَا الشَّعْبِيُّ ؟ قَالَ : هَذِهِ .
وَعَنْ عَامِرِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ : قَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ : امْضِ بِنَا نَفِرُّ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، فَخَرَجْنَا ، قَالَ : فَمَرَّ بِنَا شَيْخٌ ، فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ : مَا صَنْعَتُكَ ؟ قَالَ : رَفَّاءٌ ، قَالَ : عِنْدَنَا دِنٌّ مَكْسُورٌ تَرْفُوهُ لَنَا ؟ قَالَ : إِنْ هَيَّأْتَ لِي سُلُوكًا مِنْ رَمْلٍ ، رَفَوْتُهُ . فَضَحِكَ الشَّعْبِيُّ حَتَّى اسْتَلْقَى .
رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : مَا اخْتَلَفَتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا ظَهَرَ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَى أَهْلِ حَقِّهَا .
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ سَلَّمَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ . فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : أَوَلَيْسَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ ، لَوْلَا ذَلِكَ ، لَهَلَكَ .
رَوَى مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ " أَرَأَيْتَ " .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ قُتِلَ الْأَحْنَفُ ، وَقُتِلَ مَعَهُ صَغِيرٌ ، أَكَانَتْ دِيَتُهُمَا سَوَاءٌ ، أَمْ يُفَضَّلُ الْأَحْنَفُ لِعَقْلِهِ وَحِلْمِهِ ؟ قُلْتُ : بَلْ سَوَاءٌ . قَالَ : فَلَيْسَ الْقِيَاسُ بِشَيْءٍ .
312 مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : نِعْمَ الشَّيْءُ الْغَوْغَاءُ ، يَسُدُّونَ السَّيْلَ وَيُطْفِئُونَ الْحَرِيقَ ، وَيُشْغِبُونَ عَلَى وُلَاةِ السُّوءِ .
وَبَلَغَنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا لَيْتَنِي أَنْفَلِتُ مِنْ عِلْمِي كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي .
إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : أَتَى رَجُلٌ الشَّعْبِيَّ ، فَقَالَ : مَا اسْمُ امْرَأَةِ إِبْلِيسَ ؟ قَالَ : ذَاكَ عُرْسٌ مَا شَهِدْتُهُ .
ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، قَالَ : سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَمَّنْ نَذَرَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ ؟ قَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ قَالَ : فَنَهَيْتُ الشَّعْبِيَّ أَنَا فَقَالَ : رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ : نَذْرُكَ فِي عُنُقِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهِ حَلْفَةً حَمْرَاءَ ، وَإِزَارًا أَصْفَرَ .
قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : اسْتَعْمَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الشَّعْبِيَّ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَلَّفَهُ أَنْ يُسَامِرَهُ فَقَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ، فَأَفْرِدْنِي بِأَحَدِهِمَا .
قَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، كَانَ الشَّعْبِيُّ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنَ الْحَسَنِ وَأَسَنَّ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ .
الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ : حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ . قَالَ : كَرِهَ الصَّالِحُونَ 313 الْأَوَّلُونَ الْإِكْثَارَ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا حَدَّثْتُ إِلَّا بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ .
قُلْتُ : الْهَيْثَمُ وَاهٍ .
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : رُزِقَ صِبْيَانُ هَذَا الزَّمَانِ مِنَ الْعَقْلِ مَا نَقَصَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ .
قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : مَرَّ الشَّعْبِيُّ - وَأَنَا مَعَهُ - بِإِنْسَانٍ وَهُوَ يَقُولُ : ﴿﴾ فُتِنَ الشَّعْبِيُّ لَمَّا رَفَعَ الطَّرَفَ إِلَيْهَا ﴿﴾
فَلَمَّا رَأَى الشَّعْبِيَّ كَأَنَّهُ وَلَمْ يُتِمَّ الْبَيْتَ ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : . . . . . . . . . . . . . . . . . . ﴿﴾ نَظَرَ الطَّرْفُ إِلَيْهَا ﴿﴾
قُلْتُ : هَذِهِ أَبْيَاتٌ مَشْهُورَةٌ ، عَمِلَهَا رَجُلٌ تَحَاكَمَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ إِلَى الشَّعْبِيِّ أَيَّامَ قَضَائِهِ يَقُولُ فِيهَا : ﴿﴾ فَتَنَتْهُ بِبَنَانٍ وَبِخَطَّيْ مُقْلَتَيْهَا ﴿﴾ ﴿﴾ قَالَ لِلْجِلْوَازِ قَدِّمْهَا وَأَحْضِرْ شَاهِدَيْهَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَقَضَى جَوْرًا عَلَى الْخَصْمِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهَا ﴿﴾
314 قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ : إِذَا عَظُمَتِ الْحَلْقَةُ فَإِنَّمَا هُوَ نِجَاءٌ أَوْ نِدَاءٌ .
قَرَأْتُ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ طَارِقٍ : أَخْبَرَكُمِ ابْنُ خَلِيلٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْمَكَارِمِ اللَّبَّانُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَارِبٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ ( ح ) ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَنْجَوَيْهِ ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِيُّ ( ح ) وَحَدَّثَنَا الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أُتِيَ بِيَ الْحَجَّاجُ مُوَثَّقًا ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى بَابِ الْقَصْرِ لَقِيَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ يَا شَعْبِيُّ لِمَا بَيْنَ دَفَّتَيْكَ مِنَ الْعِلْمِ ، وَلَيْسَ بِيَوْمِ شَفَاعَةٍ ، بُؤْ لِلْأَمِيرِ بِالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ عَلَى نَفْسِكَ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ تَنْجُوَ .
ثُمَّ لَقِيَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَةِ يَزِيدَ ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ قَالَ : وَأَنْتَ يَا شَعْبِيُّ فِيمَنْ خَرَجَ عَلَيْنَا وَكَثَّرَ ! قُلْتُ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ ، أَحْزَنَ بِنَا الْمَنْزِلُ ، وَأَجْدَبَ الْجَنَابُ وَضَاقَ الْمَسْلَكُ ، وَاكْتَحَلْنَا السَّهَرَ ، وَاسْتَحْلَسْنَا الْخَوْفَ ، وَوَقَعْنَا فِي خِزْيَةٍ لَمْ نَكُنْ فِيهَا بَرَرَةً أَتْقِيَاءَ ، وَلَا فَجَرَةً أَقْوِيَاءَ . قَالَ : صَدَقَ وَاللَّهِ ، مَا بَرُّوا فِي خُرُوجِهِمْ عَلَيْنَا ، وَلَا قَوُوا عَلَيْنَا حَيْثُ فَجَرُوا . فَأَطْلَقُوا عَنِّي . قَالَ : فَاحْتَاجَ إِلَى فَرِيضَةٍ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُ فِي أُخْتٍ وَأُمٍّ وَجَدٍّ ؟ قُلْتُ : اخْتَلَفَ فِيهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عُثْمَانُ ، وَزَيْدٌ ، وَابْنُ 315 مَسْعُودٍ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ . قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ؟ إِنْ كَانَ لَمُنَقِّبًا . قُلْتُ : جَعَلَ الْجِدَّ أَبَا وَأَعْطَى الْأُمَّ الثُّلْثَ وَلَمْ يُعْطِ الْأُخْتَ شَيْئًا .
قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ - يَعْنِي عُثْمَانَ - قُلْتُ : جَعَلَهَا أَثْلَاثًا . قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا زَيْدٌ ؟ قُلْتُ : جَعَلَهَا مِنْ تِسْعَةٍ ، فَأَعْطَى الْأُمَّ ثَلَاثًا ، وَأَعْطَى الْجَدَّ أَرْبَعًا ، وَأَعْطَى الْأُخْتَ سَهْمَيْنِ . قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا ابْنُ مَسْعُودٍ ؟ قُلْتُ : جَعَلَهَا مِنْ سِتَّةٍ ، أَعْطَى الْأُخْتَ ثَلَاثًا ، وَأَعْطَى الْأُمَّ سَهْمًا ، وَأَعْطَى الْجَدَّ سَهْمَيْنِ . قَالَ : فَمَا قَالَ فِيهَا أَبُو تُرَابٍ ؟ قُلْتُ : جَعَلَهَا مِنْ سِتَّةٍ ، فَأَعْطَى الْأُخْتَ ثَلَاثًا ، وَالْأُمَّ سَهْمَيْنِ ، وَالْجَدَّ سَهْمًا . قَالَ : مُرِ الْقَاضِي فَلْيُمْضِهَا عَلَى مَا أَمْضَاهَا عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحَاجِبُ فَقَالَ : إِنَّ بِالْبَابِ رُسُلًا ، قَالَ : ائْذَنْ لَهُمْ .
فَدَخَلُوا عَمَائِمُهُمْ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ ، وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ ، وَكُتُبُهُمْ فِي أَيْمَانِهِمْ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، يُقَالُ لَهُ سِيَابَةُ بْنُ عَاصِمٍ ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قَالَ : مِنَ الشَّامِ ، قَالَ : كَيْفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، كَيْفَ حَشَمُهُ ؟ قَالَ : هَلْ كَانَ وَرَاءَكَ مِنْ غَيْثٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَصَابَنِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثُ سَحَائِبَ ، قَالَ : فَانْعِتْ لِي . قَالَ : أَصَابَتْنِي سَحَابَةٌ بِحَوْرَانَ ، فَوَقَعَ قَطْرٌ صِغَارٌ وَقَطْرٌ كِبَارٌ ، فَكَانَ الْكِبَارُ لُحْمَةً لِلصِّغَارِ ، فَوَقَعَ سَبْطٌ مُتَدَارِكٌ ، وَهُوَ السَّحُّ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ ، فَوَادٍ سَائِلٌ وَوَادٍ نَازِحٌ ، وَأَرْضٌ مُقْبِلَةٌ وَأَرْضٌ مُدْبِرَةٌ ، فَأَصَابَتْنِي سَحَابَةٌ بِسَوَاءَ ، أَوْ قَالَ : بِالْقَرْيَتَيْنِ - شَكَّ عِيسَى - فَلَبَّدَتِ الدِّمَاثَ ، 316 وَأَسَالَتِ الْعِزَازَ ، وَأَدْحَضَتِ التِّلَاعَ فَصَدَّعَتْ عَنِ الْكَمْأَةِ أَمَاكِنَهَا ، وَأَصَابَتْنِي - أَيْضًا - سَحَابَةٌ فَقَاءَتِ الْعُيُونُ بَعْدَ الرِّيِّ ، وَامْتَلَأَتِ الْإِخَاذُ وَأُفْعِمَتِ الْأَوْدِيَةُ ، وَجِئْتُكَ فِي مِثْلِ وَجَارِ الضَّبْعِ .
ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ . فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، فَقَالَ : هَلْ كَانَ وَرَاءَكَ مِنْ غَيْثٍ ؟ قَالَ : لَا ، كَثُرَ الْإِعْصَارُ ، وَاغْبَرَّ الْبِلَادُ ، وَأَكَلَ مَا أَشْرَفَ مِنَ الْجَنَبَةِ فَاسْتَيْقَنَّا أَنَّهُ عَامُ سَنَةٍ . فَقَالَ : بِئْسَ الْمُخْبِرُ أَنْتَ .
ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ . فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَقَالَ : هَلْ كَانَ وَرَاءَكَ مِنْ غَيْثٍ ؟ قَالَ : تَقَنَّعَتِ الرُّوَّادُ تَدْعُو إِلَى زِيَادَتِهَا ، وَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ : هَلُمَّ أُظْعِنُكُمْ إِلَى مَحَلَّةٍ تُطْفَأُ فِيهَا النِّيرَانُ ، وَتَشَّكَّى فِيهَا النِّسَاءُ ، وَتُنَافَسُ فِيهَا 317 الْمِعْزَى . قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَلَمْ يَدْرِ الْحَجَّاجُ مَا قَالَ ، فَقَالَ : وَيْحَكَ ; إِنَّمَا تُحَدِّثُ أَهْلَ الشَّامِ ، فَأَفْهِمْهُمْ . فَقَالَ : نَعَمْ ، أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ ، أَخْصَبَ النَّاسُ ، فَكَانَ التَّمْرُ وَالسَّمْنُ وَالزُّبْدُ وَاللَّبَنُ ، فَلَا تُوقَدُ نَارٌ لِيُخْتَبِزَ بِهَا ، وَأَمَّا تَشَكِّي النِّسَاءِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَظَلُّ بِرَبْقِ بُهْمِهَا تَمْخَضُ لَبَنَهَا فَتَبِيتُ وَلَهَا أَنِينٌ مِنْ عَضُدَيْهَا ، كَأَنَّهَا لَيْسَتَا مَعَهَا ، وَأَمَّا تَنَافُسُ الْمِعْزَى ، فَإِنَّهَا تَرْعَى مِنْ أَنْوَاعِ الشَّجَرِ وَأَلْوَانِ الثَّمَرِ ، وَنُورِ النَّبَاتِ مَا تُشْبِعُ بُطُونَهَا ، وَلَا تُشْبِعُ عُيُونَهَا ، فَتَبِيتُ وَقَدِ امْتَلَأَتْ أَكْرَاشُهَا ، لَهَا مِنَ الْكِظَّةِ جِرَّةٌ فَتَبْقَى الْجِرَّةُ حَتَّى تَسْتَنْزِلَ بِهَا الدَّرَّةَ .
ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ . فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي كَانَ يُقَالُ : إِنَّهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَقَالَ : هَلْ كَانَ وَرَاءَكَ مِنْ غَيْثٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنِّي لَا أُحْسِنُ أَقُولُ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ . قَالَ : قُلْ كَمَا تُحْسِنُ . قَالَ : أَصَابَتْنِي سَحَابَةٌ بِحُلْوَانَ فَلَمْ أَزَلْ أَطَأُ فِي إِثْرِهَا حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى الْأَمِيرِ . فَقَالَ الْحَجَّاجُ : لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرَهُمْ فِي الْمَطَرِ خُطْبَةً ، إِنَّكَ أَطْوَلُهُمْ بِالسَّيْفِ خُطْوَةً .
وَبِهِ ، إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى الْعُكْلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ 318 الْهُذَلِيُّ ، قَالَ : قَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ : أَلَا أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا تَحَفَظُهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، إِنْ كُنْتَ حَافِظًا كَمَا حَفِظْتُ ، إِنَّهُ لَمَّا أُتِي بِيَ الْحَجَّاجَ وَأَنَا مُقَيَّدٌ ، فَخَرَجَ إِلَيَّ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ، فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ : أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَمُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيَّا جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ، أَوْ رَأَى أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا . فَقَالَ : جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهَا اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ ، وَخَلِيفَةُ ، وَطَائِفَةٌ : مَاتَ الشَّعْبِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ زَادَ ابْنُ مُجَالِدٍ : وَقَدْ بَلَغَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ عَنْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً .
وَفِيهِمَا أَرَّخَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ . وَقَالَ الْفَلَّاسُ : فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَةٍ وَقَالَ يَحْيَى : سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ .
وَمِنْ كَلَامِهِ : ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ هَوَى لِأَنَّهُ يَهْوِي بِأَصْحَابِهِ .
أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : لَا أَدْرِي : نِصْفُ الْعِلْمِ .
319 أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، قَالُوا : أَنْبَأَنَا ابْنُ اللَّتِّيِّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْوَقْتِ ، أَنْبَأَنَا الدَّاوُدِيُّ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حَمَّوَيْهِ أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ - هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ - قَالَ : قَالَ الشَّعْبِيُّ : مَا حَدَّثُوكَ هَؤُلَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخُذْهُ ، وَمَا قَالُوهُ بِرَأْيِهِمْ فَأَلْقِهِ فِي الْحُشِّ .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ إِجَازَةً ، أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنْبَأَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ غَيْلَانَ ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السِّمَّرِيُ حَدَّثَنَا يَعْلَى وَيَزِيدُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، فَمَشَى نِصْفَ الطَّرِيقِ ثُمَّ رَكِبَ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِذَا كَانَ عَامًا قَابِلًا ، فَلْيَرْكَبْ مَا مَشَى وَلْيَمْشِ مَا رَكِبَ ، وَيَنْحَرْ بَدَنَةً .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث