سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثاني والعشرون
النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ
الْخَلِيفَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ 193 بْنِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ يُوسُفَ بْنِ الْمُقْتَفِي مُحَمَّد بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُقْتَدِيِّ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ الْبَغْدَادِيُّ
مَوْلِدُهُ فِي عَاشِرِ رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَّاتٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ .
وَبُويِعَ فِي أَوَّلِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ، وَكَانَ أَبْيَضَ ، مُعْتَدِلَ الْقَامَةِ ، تُرْكِيَّ الْوَجْهِ ، مَلِيحَ الْعَيْنَيْنِ ، أَنْوَرَ الْجَبْهَةِ ، أَقْنَى الْأَنْفِ ، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ ، أَشْقَرَ رَقِيقَ الْمَحَاسِنِ ، نَقْشُ خَاتَمِهِ : " رَجَائِي مِنَ اللَّهِ عَفْوُهُ " .
وَأَجَازَ لَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْيُوسُفِيُّ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَسَاكِرَ الْبَطَائِحِيُّ ، وَشُهْدَةُ الْكَاتِبَةُ ، وَطَائِفَةٌ .
وَقَدْ أَجَازَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْكُبَرَاءِ فَكَانُوا يُحَدِّثُونَ عَنْهُ فِي أَيَّامِهِ ، وَيَتَنَافَسُونَ فِي ذَلِكَ ، وَيَتَفَاخَرُونَ بِالْوَهْمِ .
وَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَحَدٌ أَطْوَلَ دَوْلَةً مِنْهُ ، لَكِنَّ صَاحِبَ مِصْرَ الْمُسْتَنْصِرَ الْعَبِيدِيَّ وَلِيَ سِتِّينَ سَنَةَ ، وَكَذَا وَلِيَ الْأَنْدَلُسَ النَّاصِرُ الْمَرْوَانِيُّ خَمْسِينَ سَنَةً . كَانَ أَبُوهُ الْمُسْتَضِيءُ قَدْ تَخَوَّفَ مِنْهُ فَحَبَسَهُ ، وَمَالَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي 194 مَنْصُورٍ ، وَكَانَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَكُبَرَاءُ الدَّوْلَةِ مَيْلُهُمْ إِلَى أَبِي مَنْصُورٍ ، وَكَانَتْ حَظِيَّةُ الْمُسْتَضِيءِ بَنَفْشَا وَالْمَجْدُ بْنُ الصَّاحِبِ وَطَائِفَةٌ مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ ، فَلَمَّا بُويِعَ قُبِضَ عَلَى ابْنِ الْعَطَّارِ ، وَأُهْلِكَ فَسُحِبَ فِي الشَّوَارِعِ مَيِّتًا ، وَطَغَى ابْنُ الصَّاحِبِ إِلَى أَنْ قُتِلَ .
قَالَ الْمُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيفِ : كَانَ النَّاصِرُ شَابًّا مَرِحًا عِنْدَهُ مَيْعَةُ الشَّبَابِ ، يَشُقُّ الدُّرُوبَ وَالْأَسْوَاقَ أَكْثَرَ اللَّيْلِ ، وَالنَّاسُ يَتَهَيَّبُونَ لُقْيَاهُ ، وَظَهَرَ الرَّفْضُ بِسَبَبِ ابْنِ الصَّاحِبِ ثُمَّ انْطَفَأَ بِهَلَاكِهِ وَظَهَرَ التَّسَنُّنُ ثُمَّ زَالَ ، وَظَهَرَتِ الْفُتُوَّةُ وَالْبُنْدُقُ وَالْحَمَامُ الْهَادِي ، وَتَفَنَّنَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، وَدَخَلَ فِيهِ الْأَجِلَّاءُ ثُمَّ الْمُلُوكُ ، فَأُلْبِسَ الْعَادِلُ وَأَوْلَادُهُ سَرَاوِيلَ الْفُتُوَّةِ ، وَشِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيُّ صَاحِبُ غَزْنَةَ وَالْهِنْدِ وَالْأَتَابِكُ سَعْدٌ صَاحِبُ شِيرَازَ . وَتَخَوَّفَ الدِّيوَانُ مِنَ السُّلْطَانِ طُغْرِيلَ ، وَجَرَتْ مَعَهُ حُرُوبٌ وَخُطُوبٌ ، ثُمَّ اسْتَدْعَوْا خُوَارَزْمَ شَاهْ تُكَشَ لِحَرْبِهِ ، فَالْتَقَاهُ عَلَى الرَّيِّ ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ ، وَنَفَذَهُ إِلَى بَغْدَادَ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ تُكَشُ نَحْوَ بَغْدَادَ يَطْلُبُ رُسُومَ السَّلْطَنَةِ ، فَتَحَرَّكَتْ عَلَيْهِ أُمَّةُ الْخَطَا ، فَرُدَّ إِلَى خُوَارَزْمَ وَمَاتَ .
وَقَدْ خَطَبَ النَّاصِرُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ لِوَلَدِهِ الْأَكْبَرِ أَبِي نَصْرٍ ، ثُمَّ ضَيَّقَ عَلَيْهِ لَمَّا اسْتَشْعَرَ مِنْهُ وَعَيَّنَ أَخَاهُ ، وَأُخِذَ خَطٌّ بِاعْتِرَافِ أَبِي نَصْرٍ بِالْعَجْزِ ، أَفْسَدَ مَا بَيْنَهُمَا النَّصِيرُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْوَزِيرُ ، وَأَفْسَدَ قُلُوبَ الرَّعِيَّةِ وَالْجُنْدِ عَلَى النَّاصِرِ وَبَغَّضَهُ إِلَى الْمُلُوكِ ، وَزَادَ الْفَسَادُ ، ثُمَّ قُبِضَ عَلَى الْوَزِيرِ ، وَتَمَكَّنَ بِخُرَاسَانَ خُوَارَزْمُ شَاهْ مُحَمَّدُ بْنُ تُكَشَ وَتَجَبَّرَ وَاسْتَعْبَدَ الْمُلُوكَ وَأَبَادَ الْأُمَمَ مِنَ التُّرْكِ وَالْخَطَا ، وَظَلَمَ وَعَسَفَ وَقَطَعَ خُطْبَةَ النَّاصِرِ مِنْ بِلَادِهِ ، وَنَالَ مِنْهُ ، 195 وَقَصَدَ بَغْدَادَ ، وَوَصَلَ بَوَادِرُهُ إِلَى حُلْوَانَ فَأَهْلَكَهُمْ بِبَلْخَ ، دَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَاتَّعَظُوا بِذَلِكَ ، وَجَمَعَ النَّاصِرُ الْجَيْشَ ، وَأَنْفَقَ الْأَمْوَالَ ، وَاسْتَعَدَّ ، فَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ التُّرْكَ قَدْ حَشَدُوا ، وَطَمِعُوا فِي الْبِلَادِ ، فَكَرَّ إِلَيْهِمْ وَقَصَدَهُمْ فَقَصَدُوهُ وَكَثَرُوهُ إِلَى أَنْ مَزَّقُوهُ وَبَلْبَلُوا لُبَّهُ وَشَتَّتُوا شَمْلَهُ ، وَمَلَكُوا الْأَقْطَارَ ، وَصَارَ أَيْنَ تَوَجَّهَ وَجَدَ سُيُوفَهُمْ مُتَحَكِّمَةً فِيهِ ، وَتَقَاذَفَتْ بِهِ الْبِلَادُ ، فَشَرَّقَ وَغَرَّبَ ، وَأَنْجَدَ وَأَسْهَلَ ، وَأَصْحَرَ وَأَجْبَلَ ، وَالرُّعْبُ قَدْ زَلْزلَ لُبَّهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَضَى نَحْبَهُ .
قُلْتُ : جَرَى لَهُ وَلِابْنِهِ مَنْكُوبَرْتِي عَجَائِبُ وَسِيَرٌ ، وَذَلِكَ عِنْدِي فِي مُجَلَّدٍ أَلَّفَهُ النَّسَوِيُّ كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ .
قَالَ الْمُوَفَّقُ : وَكَانَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ لَمَّا ذَهَبَ فِي الرِّسَالَةِ خَاطَبَ خُوَارَزْمُ شَاهْ مُحَمَّدًا بِكُلِّ قَوْلٍ ، وَلَاطَفَهُ ، وَلَا يَزْدَادُ إِلَّا عُتُوًّا وَلَمْ يَزَلِ النَّاصِرُ فِي عِزٍّ وَقَمْعِ الْأَعْدَاءِ ، وَلَا خَرَجَ عَلَيْهِ خَارِجِيٌّ إِلَّا قَمَعَهُ ، وَلَا مُخَالِفٌ إِلَّا دَمَغَهُ ، وَلَا عَدُوٌّ إِلَّا خُذِلَ ، كَانَ شَدِيدَ الِاهْتِمَامِ بِالْمُلْكِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ كَبِيرُ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتِهِ ، أَصْحَابُ أَخْبَارِهِ فِي الْبِلَادِ ، حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهِدٌ جَمِيعَ الْبِلَادِ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، كَانَتْ لَهُ حِيَلٌ لَطِيفَةٌ ، وَخُدَعٌ لَا يَفْطِنُ إِلَيْهَا أَحَدٌ ، يُوقِعُ صَدَاقَةً بَيْنَ مُلُوكٍ مُتَعَادِينَ ، وَيُوقِعُ عَدَاوَةً بَيْنَ مُلُوكٍ مُتَوَادِّينَ وَلَا يَفْطِنُونَ .
196 إِلَى أَنْ قَالَ : وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ صَاحِبِ مَازَنْدَانَ بَغْدَادَ كَانَتْ تَأْتِيهِ كُلَّ صَبَاحٍ وَرَقَةٌ بِمَا فَعَلَ فِي اللَّيْلِ فَصَارَ يُبَالِغُ فِي التَّكَتُّمِ ، وَاخْتَلَى لَيْلَةً بِامْرَأَةٍ فَصَبَّحَتْهُ وَرَقَةٌ بِذَلِكَ ، فَتَحَيَّرَ ، وَخَرَجَ لَا يَرْتَابُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ .
قُلْتُ : أَظُنُّهُ كَانَ مَخْدُومًا مِنَ الْجِنِّ .
قَالَ : وَأَتَى رَسُولُ خُوَارَزْمَ شَاهْ بِرِسَالَةٍ مَخْفِيَّةٍ وَكِتَابٍ مَخْتُومٍ ، فَقِيلَ : ارْجِعْ فَقَدْ عَرَفْنَا مَا جِئْتَ بِهِ ! فَرَجَعَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ النَّاصِرَ وَلِيٌّ لِلَّهِ . وَجَاءَ مَرَّةً رَسُولٌ لِخُوَارَزْمَ شَاهْ فَحُبِسَ أَشْهُرًا ثُمَّ أُعْطِيَ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَذَهَبَ وَصَارَ مُنَاصِحًا لِلْخَلِيفَةِ . وَبُعِثَ قَاصِدًا يَكْشِفُ لَهُ عَسْكَرَ خُوَارَزْمَ شَاهْ ، فَشَوَّهَ وَجْهَهُ وَتَجَانَنَ ، وَأَنَّهُ ضَاعَ حِمَارُهُ ، فَسَخِرُوا مِنْهُ ، وَضَحِكُوا ، وَتَرَدَّدَ بَيْنَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ رُدَّ إِلَى بَغْدَادَ وَقَالَ : الْقَوْمُ مِائَةٌ وَتِسْعُونَ أَلْفًا يَزِيدُونَ أَلْفًا أَوْ يَنْقُصُونَ . وَكَانَ النَّاصِرُ إِذَا أَطْعَمَ أَشْبَعَ ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ ; وَصَلَ رَجَلٌ بَبَّغَاءَ تَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ هَدِيَّةً لِلنَّاصِرِ ، فَأَصْبَحَتْ مَيِّتَةً وَحَزِنَ ، فَأَتَاهُ فَرَّاشٌ يَطْلُبُ الْبَبَّغَاءَ فَبَكَى وَقَالَ : مَاتَتْ ، قَالَ : عَرَفْنَا فَهَاتِهَا مَيِّتَةً ، وَقَالَ : كَمْ كَانَ أَمَلُكَ ؟ قَالَ : خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ ، قَالَ : خُذْهَا فَقَدْ بَعَثَهَا إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِأَمْرِكَ مُنْذُ خَرَجْتَ مِنَ الْهِنْدِ ! وَكَانَ صَدْرُجَهَانَ قَدْ قَدِمَ بَغْدَادَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ فَرَسِهِ : لَا يَقْدِرُ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنِّي ; قَالَ ذَلِكَ فِي سَمَرْقَنْدَ ، وَعَرَفَ النَّاصِرُ فَأَمَرَ بَعْضَ الزَّبَّالِينَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ وَيَضْرِبَهُ وَيَأْخُذَ الْفَرَسَ مِنْهُ بِبَغْدَادَ ، وَيَهْرُبَ بِهَا فِي الزَّحْمَةِ فَفَعَلَ ، فَجَاءَ الْفَقِيهُ إِلَى الْأَبْوَابِ يَسْتَغِيثُ وَلَا يُغَاثُ ، فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْحَجِّ خُلِعَ عَلَى صَدْرُجَهَانَ 197 وَأَصْحَابِهِ سِوَى ذَلِكَ الْفَقِيهِ ، ثُمَّ بَعْدُ خُلِعَ عَلَيْهِ ، وَقُدِّمَتْ لَهُ فَرَسُهُ وَعَلَيْهَا سَرْجٌ مُذَهَّبٌ ، وَقِيلَ لَهُ : لَمْ يَأْخُذْ فَرَسَكَ الْخَلِيفَةُ ، إِنَّمَا أَخَذَهَا زَبَّالٌ ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ .
قُلْتُ : مَا تَحْتَ هَذَا الْفِعْلِ طَائِلٌ ، فَكُلُّ مَخْدُومٍ وَكَاهِنٍ يَتَأَتَّى لَهُ أَضْعَافُ ذَلِكَ .
الْخَلِيفَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ 193 بْنِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ يُوسُفَ بْنِ الْمُقْتَفِي مُحَمَّد بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُقْتَدِيِّ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ الْبَغْدَادِيُّ
مَوْلِدُهُ فِي عَاشِرِ رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَّاتٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ .
وَبُويِعَ فِي أَوَّلِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ، وَكَانَ أَبْيَضَ ، مُعْتَدِلَ الْقَامَةِ ، تُرْكِيَّ الْوَجْهِ ، مَلِيحَ الْعَيْنَيْنِ ، أَنْوَرَ الْجَبْهَةِ ، أَقْنَى الْأَنْفِ ، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ ، أَشْقَرَ رَقِيقَ الْمَحَاسِنِ ، نَقْشُ خَاتَمِهِ : " رَجَائِي مِنَ اللَّهِ عَفْوُهُ " .
وَأَجَازَ لَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْيُوسُفِيُّ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَسَاكِرَ الْبَطَائِحِيُّ ، وَشُهْدَةُ الْكَاتِبَةُ ، وَطَائِفَةٌ .
وَقَدْ أَجَازَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْكُبَرَاءِ فَكَانُوا يُحَدِّثُونَ عَنْهُ فِي أَيَّامِهِ ، وَيَتَنَافَسُونَ فِي ذَلِكَ ، وَيَتَفَاخَرُونَ بِالْوَهْمِ .
وَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَحَدٌ أَطْوَلَ دَوْلَةً مِنْهُ ، لَكِنَّ صَاحِبَ مِصْرَ الْمُسْتَنْصِرَ الْعَبِيدِيَّ وَلِيَ سِتِّينَ سَنَةَ ، وَكَذَا وَلِيَ الْأَنْدَلُسَ النَّاصِرُ الْمَرْوَانِيُّ خَمْسِينَ سَنَةً . كَانَ أَبُوهُ الْمُسْتَضِيءُ قَدْ تَخَوَّفَ مِنْهُ فَحَبَسَهُ ، وَمَالَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي 194 مَنْصُورٍ ، وَكَانَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَكُبَرَاءُ الدَّوْلَةِ مَيْلُهُمْ إِلَى أَبِي مَنْصُورٍ ، وَكَانَتْ حَظِيَّةُ الْمُسْتَضِيءِ بَنَفْشَا وَالْمَجْدُ بْنُ الصَّاحِبِ وَطَائِفَةٌ مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ ، فَلَمَّا بُويِعَ قُبِضَ عَلَى ابْنِ الْعَطَّارِ ، وَأُهْلِكَ فَسُحِبَ فِي الشَّوَارِعِ مَيِّتًا ، وَطَغَى ابْنُ الصَّاحِبِ إِلَى أَنْ قُتِلَ .
قَالَ الْمُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيفِ : كَانَ النَّاصِرُ شَابًّا مَرِحًا عِنْدَهُ مَيْعَةُ الشَّبَابِ ، يَشُقُّ الدُّرُوبَ وَالْأَسْوَاقَ أَكْثَرَ اللَّيْلِ ، وَالنَّاسُ يَتَهَيَّبُونَ لُقْيَاهُ ، وَظَهَرَ الرَّفْضُ بِسَبَبِ ابْنِ الصَّاحِبِ ثُمَّ انْطَفَأَ بِهَلَاكِهِ وَظَهَرَ التَّسَنُّنُ ثُمَّ زَالَ ، وَظَهَرَتِ الْفُتُوَّةُ وَالْبُنْدُقُ وَالْحَمَامُ الْهَادِي ، وَتَفَنَّنَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، وَدَخَلَ فِيهِ الْأَجِلَّاءُ ثُمَّ الْمُلُوكُ ، فَأُلْبِسَ الْعَادِلُ وَأَوْلَادُهُ سَرَاوِيلَ الْفُتُوَّةِ ، وَشِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيُّ صَاحِبُ غَزْنَةَ وَالْهِنْدِ وَالْأَتَابِكُ سَعْدٌ صَاحِبُ شِيرَازَ . وَتَخَوَّفَ الدِّيوَانُ مِنَ السُّلْطَانِ طُغْرِيلَ ، وَجَرَتْ مَعَهُ حُرُوبٌ وَخُطُوبٌ ، ثُمَّ اسْتَدْعَوْا خُوَارَزْمَ شَاهْ تُكَشَ لِحَرْبِهِ ، فَالْتَقَاهُ عَلَى الرَّيِّ ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ ، وَنَفَذَهُ إِلَى بَغْدَادَ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ تُكَشُ نَحْوَ بَغْدَادَ يَطْلُبُ رُسُومَ السَّلْطَنَةِ ، فَتَحَرَّكَتْ عَلَيْهِ أُمَّةُ الْخَطَا ، فَرُدَّ إِلَى خُوَارَزْمَ وَمَاتَ .
وَقَدْ خَطَبَ النَّاصِرُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ لِوَلَدِهِ الْأَكْبَرِ أَبِي نَصْرٍ ، ثُمَّ ضَيَّقَ عَلَيْهِ لَمَّا اسْتَشْعَرَ مِنْهُ وَعَيَّنَ أَخَاهُ ، وَأُخِذَ خَطٌّ بِاعْتِرَافِ أَبِي نَصْرٍ بِالْعَجْزِ ، أَفْسَدَ مَا بَيْنَهُمَا النَّصِيرُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْوَزِيرُ ، وَأَفْسَدَ قُلُوبَ الرَّعِيَّةِ وَالْجُنْدِ عَلَى النَّاصِرِ وَبَغَّضَهُ إِلَى الْمُلُوكِ ، وَزَادَ الْفَسَادُ ، ثُمَّ قُبِضَ عَلَى الْوَزِيرِ ، وَتَمَكَّنَ بِخُرَاسَانَ خُوَارَزْمُ شَاهْ مُحَمَّدُ بْنُ تُكَشَ وَتَجَبَّرَ وَاسْتَعْبَدَ الْمُلُوكَ وَأَبَادَ الْأُمَمَ مِنَ التُّرْكِ وَالْخَطَا ، وَظَلَمَ وَعَسَفَ وَقَطَعَ خُطْبَةَ النَّاصِرِ مِنْ بِلَادِهِ ، وَنَالَ مِنْهُ ، 195 وَقَصَدَ بَغْدَادَ ، وَوَصَلَ بَوَادِرُهُ إِلَى حُلْوَانَ فَأَهْلَكَهُمْ بِبَلْخَ ، دَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَاتَّعَظُوا بِذَلِكَ ، وَجَمَعَ النَّاصِرُ الْجَيْشَ ، وَأَنْفَقَ الْأَمْوَالَ ، وَاسْتَعَدَّ ، فَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ التُّرْكَ قَدْ حَشَدُوا ، وَطَمِعُوا فِي الْبِلَادِ ، فَكَرَّ إِلَيْهِمْ وَقَصَدَهُمْ فَقَصَدُوهُ وَكَثَرُوهُ إِلَى أَنْ مَزَّقُوهُ وَبَلْبَلُوا لُبَّهُ وَشَتَّتُوا شَمْلَهُ ، وَمَلَكُوا الْأَقْطَارَ ، وَصَارَ أَيْنَ تَوَجَّهَ وَجَدَ سُيُوفَهُمْ مُتَحَكِّمَةً فِيهِ ، وَتَقَاذَفَتْ بِهِ الْبِلَادُ ، فَشَرَّقَ وَغَرَّبَ ، وَأَنْجَدَ وَأَسْهَلَ ، وَأَصْحَرَ وَأَجْبَلَ ، وَالرُّعْبُ قَدْ زَلْزلَ لُبَّهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَضَى نَحْبَهُ .
قُلْتُ : جَرَى لَهُ وَلِابْنِهِ مَنْكُوبَرْتِي عَجَائِبُ وَسِيَرٌ ، وَذَلِكَ عِنْدِي فِي مُجَلَّدٍ أَلَّفَهُ النَّسَوِيُّ كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ .
قَالَ الْمُوَفَّقُ : وَكَانَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ لَمَّا ذَهَبَ فِي الرِّسَالَةِ خَاطَبَ خُوَارَزْمُ شَاهْ مُحَمَّدًا بِكُلِّ قَوْلٍ ، وَلَاطَفَهُ ، وَلَا يَزْدَادُ إِلَّا عُتُوًّا وَلَمْ يَزَلِ النَّاصِرُ فِي عِزٍّ وَقَمْعِ الْأَعْدَاءِ ، وَلَا خَرَجَ عَلَيْهِ خَارِجِيٌّ إِلَّا قَمَعَهُ ، وَلَا مُخَالِفٌ إِلَّا دَمَغَهُ ، وَلَا عَدُوٌّ إِلَّا خُذِلَ ، كَانَ شَدِيدَ الِاهْتِمَامِ بِالْمُلْكِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ كَبِيرُ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتِهِ ، أَصْحَابُ أَخْبَارِهِ فِي الْبِلَادِ ، حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهِدٌ جَمِيعَ الْبِلَادِ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، كَانَتْ لَهُ حِيَلٌ لَطِيفَةٌ ، وَخُدَعٌ لَا يَفْطِنُ إِلَيْهَا أَحَدٌ ، يُوقِعُ صَدَاقَةً بَيْنَ مُلُوكٍ مُتَعَادِينَ ، وَيُوقِعُ عَدَاوَةً بَيْنَ مُلُوكٍ مُتَوَادِّينَ وَلَا يَفْطِنُونَ .
196 إِلَى أَنْ قَالَ : وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ صَاحِبِ مَازَنْدَانَ بَغْدَادَ كَانَتْ تَأْتِيهِ كُلَّ صَبَاحٍ وَرَقَةٌ بِمَا فَعَلَ فِي اللَّيْلِ فَصَارَ يُبَالِغُ فِي التَّكَتُّمِ ، وَاخْتَلَى لَيْلَةً بِامْرَأَةٍ فَصَبَّحَتْهُ وَرَقَةٌ بِذَلِكَ ، فَتَحَيَّرَ ، وَخَرَجَ لَا يَرْتَابُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ .
قُلْتُ : أَظُنُّهُ كَانَ مَخْدُومًا مِنَ الْجِنِّ .
قَالَ : وَأَتَى رَسُولُ خُوَارَزْمَ شَاهْ بِرِسَالَةٍ مَخْفِيَّةٍ وَكِتَابٍ مَخْتُومٍ ، فَقِيلَ : ارْجِعْ فَقَدْ عَرَفْنَا مَا جِئْتَ بِهِ ! فَرَجَعَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ النَّاصِرَ وَلِيٌّ لِلَّهِ . وَجَاءَ مَرَّةً رَسُولٌ لِخُوَارَزْمَ شَاهْ فَحُبِسَ أَشْهُرًا ثُمَّ أُعْطِيَ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَذَهَبَ وَصَارَ مُنَاصِحًا لِلْخَلِيفَةِ . وَبُعِثَ قَاصِدًا يَكْشِفُ لَهُ عَسْكَرَ خُوَارَزْمَ شَاهْ ، فَشَوَّهَ وَجْهَهُ وَتَجَانَنَ ، وَأَنَّهُ ضَاعَ حِمَارُهُ ، فَسَخِرُوا مِنْهُ ، وَضَحِكُوا ، وَتَرَدَّدَ بَيْنَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ رُدَّ إِلَى بَغْدَادَ وَقَالَ : الْقَوْمُ مِائَةٌ وَتِسْعُونَ أَلْفًا يَزِيدُونَ أَلْفًا أَوْ يَنْقُصُونَ . وَكَانَ النَّاصِرُ إِذَا أَطْعَمَ أَشْبَعَ ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ ; وَصَلَ رَجَلٌ بَبَّغَاءَ تَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ هَدِيَّةً لِلنَّاصِرِ ، فَأَصْبَحَتْ مَيِّتَةً وَحَزِنَ ، فَأَتَاهُ فَرَّاشٌ يَطْلُبُ الْبَبَّغَاءَ فَبَكَى وَقَالَ : مَاتَتْ ، قَالَ : عَرَفْنَا فَهَاتِهَا مَيِّتَةً ، وَقَالَ : كَمْ كَانَ أَمَلُكَ ؟ قَالَ : خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ ، قَالَ : خُذْهَا فَقَدْ بَعَثَهَا إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِأَمْرِكَ مُنْذُ خَرَجْتَ مِنَ الْهِنْدِ ! وَكَانَ صَدْرُجَهَانَ قَدْ قَدِمَ بَغْدَادَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ فَرَسِهِ : لَا يَقْدِرُ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنِّي ; قَالَ ذَلِكَ فِي سَمَرْقَنْدَ ، وَعَرَفَ النَّاصِرُ فَأَمَرَ بَعْضَ الزَّبَّالِينَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ وَيَضْرِبَهُ وَيَأْخُذَ الْفَرَسَ مِنْهُ بِبَغْدَادَ ، وَيَهْرُبَ بِهَا فِي الزَّحْمَةِ فَفَعَلَ ، فَجَاءَ الْفَقِيهُ إِلَى الْأَبْوَابِ يَسْتَغِيثُ وَلَا يُغَاثُ ، فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْحَجِّ خُلِعَ عَلَى صَدْرُجَهَانَ 197 وَأَصْحَابِهِ سِوَى ذَلِكَ الْفَقِيهِ ، ثُمَّ بَعْدُ خُلِعَ عَلَيْهِ ، وَقُدِّمَتْ لَهُ فَرَسُهُ وَعَلَيْهَا سَرْجٌ مُذَهَّبٌ ، وَقِيلَ لَهُ : لَمْ يَأْخُذْ فَرَسَكَ الْخَلِيفَةُ ، إِنَّمَا أَخَذَهَا زَبَّالٌ ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ .
قُلْتُ : مَا تَحْتَ هَذَا الْفِعْلِ طَائِلٌ ، فَكُلُّ مَخْدُومٍ وَكَاهِنٍ يَتَأَتَّى لَهُ أَضْعَافُ ذَلِكَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث