سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الخامس
الصفحة 748 · ص. المطبوع 119
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الْأَحَدِ بْنُ أَبِي زُرَارَةَ الْقِتْبَانِيُّ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : أَتَى فِتْيَانٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَالُوا : إِنَّ أَبَانَا تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا عِنْدَ عَمِّنَا حُمَيْدٍ الْأَمْجِيِّ فَأَحْضَرَهُ عُمَرُ ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ : أَنْتَ الْقَائِلُ : ﴿﴾ حُمَيْدُ الَّذِي أَمَجٌّ دَارُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ أَخُو الْخَمْرِ ذُو الشَّيْبَةِ الْأَصْلَعِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَتَاهُ الْمَشِيبُ عَلَى شُرْبِهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَكَانَ كَرِيمًا فَلَمْ يَنْزِعِ ﴿﴾ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : مَا أُرَانِي إِلَّا سَوْفَ أَحُدُّكَ ، إِنَّكَ أَقْرَرْتَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَإِنَّكَ لَمْ تَنْزِعْ عَنْهَا ، قَالَ : أَيْهَاتَ ! أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ ؟ أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ : وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ إِلَى قَوْلِهِ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ . 119 فَقَالَ : أَوْلَى لَكَ يَا حُمَيْدُ ، مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ أَفْلَتَّ ، وَيْحَكَ يَا حُمَيْدُ ! كَانَ أَبُوكَ رَجُلًا صَالِحًا ، وَأَنْتَ رَجُلُ سُوءٍ ، قَالَ : أَصْلَحَكَ اللَّهُ ، وَأَيُّنَا يُشْبِهُ أَبَاهُ ؟ كَانَ أَبُوكَ رَجُلَ سُوءٍ ، وَأَنْتَ رَجُلٌ صَالِحٌ . قَالَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّ أَبَاهُمْ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا عِنْدَكَ ، قَالَ : صَدَقُوا ، وَأَحْضَرَهُ بِخِتْمِ أَبِيهِمْ ، وَقَالَ : أَنْفَقْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِي ، وَهَذَا مَالُهُمْ . قَالَ : مَا أَحَدٌّ أَحَقَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِنْدَهُ مِنْكَ ، فَقَالَ : أَيَعُودُ إِلَيَّ وَقَدْ خَرَجَ مِنِّي ؟ ! .
الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ لَنَا أَنَسٌ : مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ إِمَامِكُمْ هَذَا - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قَالَ زَيْدٌ : فَكَانَ عُمَرُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، وَيُخَفِّفُ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ .
قَالَ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ : كُنْتُ مَعَ أَبِي غَدَاةَ عَرَفَةَ ، فَوَقَفْنَا لِنَنْظُرَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَاجِّ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَتَاهُ ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى اللَّهَ يُحِبُّ عُمَرَ ، قَالَ : لِمَ ؟ قُلْتُ : لِمَا أَرَاهُ دَخَلَ لَهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنَ الْمَوَدَّةِ ، وَأَنْتَ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ۝ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلُ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ الْحَدِيثَ . 120 وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ : لِكُلِّ قَوْمٍ نَجِيبَةٌ لَهُ وَإِنَّ نَجِيبَةَ بَنِي أُمَيَّةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ .
رَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ : كَانَتِ الْعُلَمَاءُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَلَامِذَةً .
مَعْمَرٌ ، عَنْ أَخِي الزُّهْرِيِّ قَالَ : كَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى عُمَرَ - وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ - أَنْ يَضْرِبَ خُبَيْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَهُ أَسْوَاطًا ، وَأَقَامَهُ فِي الْبَرْدِ ، فَمَاتَ . قُلْتُ : كَانَ عُمَرُ إِذَا أَثْنَوْا عَلَيْهِ ، قَالَ : فَمَنْ لِي بِخُبَيْبٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
قُلْتُ : قَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ حَسَنَ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ ، كَامِلَ الْعَقْلِ ، حَسَنَ السَّمْتِ ، جَيِّدَ السِّيَاسَةِ ، حَرِيصًا عَلَى الْعَدْلِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ ، وَافِرَ الْعِلْمِ ، فَقِيهَ النَّفْسِ ، ظَاهِرَ الذَّكَاءِ وَالْفَهْمِ ، أَوَّاهًا مُنِيبًا ، قَانِتًا لِلَّهِ ، حَنِيفًا زَاهِدًا مَعَ الْخِلَافَةِ ، نَاطِقًا بِالْحَقِّ مَعَ قِلَّةِ الْمُعِينِ ، وَكَثْرَةِ الْأُمَرَاءِ الظَّلَمَةِ الَّذِينَ مَلُّوهُ وَكَرِهُوا مُحَاقَقَتَهُ لَهُمْ ، وَنَقْصَهُ أُعْطِيَاتِهِمْ ، وَأَخْذَهُ كَثِيرًا مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ ، مِمَّا أَخَذُوهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى سَقَوْهُ السُّمَّ ، فَحَصُلَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ وَالسَّعَادَةُ ، وَعُدَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ .
مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : أَتَيْنَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْنَا ، فَمَا كُنَّا مَعَهُ إِلَّا تَلَامِذَةً . وَكَذَلِكَ جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ . وَفِي " الْمُوَطَّأِ " بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ 121 حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ ، الْتَفَتَ إِلَيْهَا ، فَبَكَى ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُزَاحِمُ أَتَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْهُ الْمَدِينَةُ .
ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ : خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَا مِنْ رَجُلٍ أَعْلَمَ مِنِّي ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ نَسِيتُ .
مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَمَرْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْلَةً ، فَحَدَّثْتُهُ ، فَقَالَ : كُلُّ مَا حَدَّثْتَهُ اللَّيْلَةَ فَقَدْ سَمِعْتُهُ ، وَلَكِنَّكَ حَفِظْتُ وَنَسِينَا .
عُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْوَلِيدَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالظَّهِيرَةِ ، فَوَجَدَهُ قَاطِبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، قَالَ : فَجَلَسْتُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنُ الرَّيَّانِ ، قَائِمٌ بِسَيْفِهِ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَسُبُّ الْخُلَفَاءَ ؟ أَتَرَى أَنْ يُقْتَلَ ؟ فَسَكَتُّ ، فَانْتَهَرَنِي ، وَقَالَ : مَا لَكَ ؟ فَسَكَتُّ ، فَعَادَ لِمِثْلِهَا ، فَقُلْتُ : أَقَتَلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّهُ سَبَّ الْخُلَفَاءَ ، قُلْتُ : فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُنَكَّلَ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى ابْنِ الرَّيَّانِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ فِيهِمْ لَنَابِهٌ .
عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ قَالَ : حَجَّ سُلَيْمَانُ ، وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَأَصَابَهُمْ بَرْقٌ وَرَعْدٌ حَتَّى كَادَتْ تَنْخَلِعُ قُلُوبُهُمْ ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ : يَا أَبَا حَفْصٍ ! هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَطُّ ، أَوْ سَمِعْتَ بِهَا ؟ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! هَذَا صَوْتُ رَحْمَةِ اللَّهِ ، فَكَيْفَ لَوْ سَمِعْتَ صَوْتَ عَذَابِ اللَّهِ ! ؟ .
وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ : قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا كَذَبْتُ مُنْذُ عَلِمْتُ أَنَّ الْكَذِبَ يَضُرُّ أَهْلَهُ .
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : إِنَّا كُنَّا نَتَحَدَّثُ ، وَفِي لَفْظٍ : يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ الدُّنْيَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى 122 يَلِيَ رَجُلٌ مِنْ آلِ عُمَرَ ، يَعْمَلُ بِمِثْلِ عَمَلِ عُمَرَ ، قَالَ : فَكَانَ بِلَالٌ وَلَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِوَجْهِهِ شَامَةٌ ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ هُوَ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أُمُّهُ هِيَ ابْنَةُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ . رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْهُ .
جُوَيْرِيَّةُ ، عَنْ نَافِعٍ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ : إِنَّ مِنْ وَلَدِي رَجُلًا بِوَجْهِهِ شَيْنٌ ، يَلِي فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا ، قَالَ نَافِعٌ : فَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ .
وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : لَيْتَ شِعْرِي ! مَنْ هَذَا الَّذِي مِنْ وَلَدِ عُمَرَ ، فِي وَجْهِهِ عَلَامَةٌ ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا . تَفَرَّدَ بِهِ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْهُ ، وَهُوَ صَدُوقٌ .
ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ رِيَاحِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ : خَرَجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَشَيْخٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى يَدِهِ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : هَذَا شَيْخٌ جَافٍ ، فَلَمَّا صَلَّى وَدَخَلَ ، لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ ، مَنِ الشَّيْخُ الَّذِي كَانَ يَتَّكِئُ عَلَى يَدِكَ ؟ فَقَالَ يَا رِيَاحُ ! رَأَيْتَهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : مَا أَحْسَبُكَ إِلَّا رَجُلًا صَالِحًا ، ذَاكَ أَخِي الْخَضِرُ ، أَتَانِي فَأَعْلَمَنِي أَنِّي سَأَلِي أَمْرَ الْأُمَّةِ ، وَأَنِّي سَأَعْدِلُ فِيهَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث