سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء السادس
الصفحة 943 · ص. المطبوع 61
وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ، خَرَجَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ الْخُزَاعِيُّ ، مِنْ كِبَارِ قُوَّادِ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَيْهِ ، وَعَسْكَرَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ . وَكَانَ قَدْ جَاءَهُ عَهْدٌ بِوِلَايَةِ خُرَاسَانَ مِنَ السَّفَّاحِ ، وَأَنْ يَغْتَالَ أَبَا مُسْلِمٍ ، إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ .
فَظَفِرَ أَبُو مُسْلِمٍ بِرَسُولِ السَّفَّاحِ ، فَقَتَلَهُ ، ثُمَّ تَفَلَّلَ عَنْ زِيَادٍ جُمُوعُهُ ، وَلَحِقُوا بِأَبِي مُسْلِمٍ ، فَلَجَأَ زِيَادٌ إِلَى دِهْقَانَ فَقَتَلَهُ غِيلَةً وَجَاءَ بِرَأْسِهِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ .
وَفِي سَنَةِ سِتٍّ ، بَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى السَّفَّاحِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْقُدُومِ ، فَأَذِنَ لَهُ ، وَاسْتَنَابَ عَلَى خُرَاسَانَ خَالِدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ ، فَقَدِمَ فِي هَيْئَةٍ عَظِيمَةٍ ، فَاسْتَأْذَنَ فِي الْحَجِّ ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنَّ أَخِي حَجَّ لَوَلَّيْتُكَ الْمَوْسِمَ .
وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ لِلسَّفَّاحِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَطِعْنِي وَاقْتُلْ أَبَا مُسْلِمٍ 61 فَوَاللَّهِ إِنْ فِي رَأْسِهِ لَغَدْرَةً ، فَقَالَ : يَا أَخِي ، قَدْ عَرَفْتَ بَلَاءَهُ ، وَمَا كَانَ مِنْهُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ يُرَاجِعُهُ .
ثُمَّ حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو مُسْلِمٍ . فَلَمَّا قَفَلَا تَلَقَّاهُمَا مَوْتُ السَّفَّاحِ بِالْجُدَرِيِّ ، فَوَلِيَ الْخِلَافَةَ أَبُو جَعْفَرٍ .
وَخَرَجَ عَلَيْهِ عَمُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِالشَّامِ ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ ، وَأَقَامَ شُهُودًا بِأَنَّهُ وَلِيُّ عَهْدِ السَّفَّاحِ ، وَأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ سَارَ لِحَرْبِ مَرْوَانَ وَهَزَمَهُ ، وَاسْتَأْصَلَهُ .
فَخَلَا الْمَنْصُورُ بِأَبِي مُسْلِمٍ وَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ أَنَا وَأَنْتَ ، فَسِرْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ عَمِّي ، فَسَارَ بِجُيُوشِهِ مِنَ الْأَنْبَارِ ، وَسَارَ لِحَرْبِهِ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقَدْ خَشِيَ أَنْ يُخَامِرَ عَلَيْهِ الْخُرَاسَانِيَّةُ ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا صَبْرًا . ثُمَّ نَزَلَ نَصِيبِينَ ، وَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ ، فَكَاتَبَ عَبْدَ اللَّهِ : إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتَالِكَ ، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّانِي الشَّامَ وَأَنَا أُرِيدُهَا . وَذَلِكَ مِنْ مَكْرِ أَبِي مُسْلِمٍ لِيُفْسِدَ نِيَّاتِ الشَّامِيِّينَ .
فَقَالَ جُنْدُ الشَّامِيِّينَ لِعَبْدِ اللَّهِ : كَيْفَ نُقِيمُ مَعَكَ ، وَهَذَا يَأْتِي بِلَادَنَا فَيَقْتُلُ وَيَسْبِي ؟ وَلَكِنْ نَمْنَعُهُ عَنْ بِلَادِنَا .
فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّهُ مَا يُرِيدُ الشَّامَ ، وَلَئِنْ أَقَمْتُمْ ، لَيَقْصِدَنَّكُمْ ، قَالَ : فَكَانَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْقِتَالُ مُدَّةَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ ، وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ أَكْثَرَ فُرْسَانًا ، وَأَكْمَلَ عُدَّةً ، فَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَمِيرُ بَكَّارُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ الْأَمِيرُ حَبِيبُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَسَدِيُّ .
وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ أَبِي مُسْلِمٍ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ حَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، وَطَالَ الْحَرْبُ ، وَيَسْتَظْهِرُ الشَّامِيُّونَ غَيْرَ مَرَّةٍ . وَكَادَ جَيْشُ أَبِي مُسْلِمٍ أَنْ يَنْهَزِمَ ، وَأَبُو مُسْلِمٍ يُثَبِّتُهُمْ وَيَرْتَجِزُ : ﴿﴾ مَنْ كَانَ يَنْوِي أَهْلَهُ فَلَا رَجَعْ ﴿﴾ ﴿﴾ فَرَّ مِنَ الْمَوْتِ وَفِي الْمَوْتِ وَقَعْ ﴿﴾
ثُمَّ إِنَّهُ أَرْدَفَ مَيْمَنَتَهُ ، وَحَمَلُوا عَلَى مَيْسَرَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَمَزَّقُوهَا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ 62 لِابْنِ سُرَاقَةَ الْأَزْدِيِّ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ تَصْبِرَ وَتُقَاتِلَ فَإِنَّ الْفِرَارَ قَبِيحٌ بِمِثْلِكَ . وَقَدْ عِبْتَهُ عَلَى مَرْوَانَ ، قَالَ : إِنِّي أَذْهَبُ إِلَى الْعِرَاقِ قَالَ : فَأَنَا مَعَكُمْ فَانْهَزَمُوا ، وَتَرَكُوا الذَّخَائِرَ وَالْخَزَائِنَ وَالْمُعَسْكَرَ ، فَاحْتَوَى أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى الْكُلِّ ، وَكَتَبَ بِالنَّصْرِ إِلَى الْمَنْصُورِ .
وَاخْتَفَى عَبْدُ اللَّهِ ، وَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ مَوْلَاهُ لِيُحْصِيَ مَا حَوَاهُ أَبُو مُسْلِمٍ ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو مُسْلِمٍ ، وَهَمَّ بِقَتْلِ ذَلِكَ الْمَوْلَى . وَقَالَ : إِنَّمَا لِلْخَلِيفَةِ مِنْ هَذَا الْخُمُسُ .
وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى الْكُوفَةِ ، فَدَخَلَا عَلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى وَلِيِّ الْعَهْدِ ، فَاسْتَأْمَنَ لِعَبْدِ الصَّمَدِ ، فَأَمَّنَهُ الْمَنْصُورُ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ ، فَقَصَدَ أَخَاهُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَلِيٍّ بِالْبَصْرَةِ ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ مُخْتَفِيًا .
وَلَمَّا عَلِمَ الْمَنْصُورُ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ قَدْ تَغَيَّرَ كَتَبَ إِلَيْهِ يُلَاطِفُهُ : وَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ مِصْرَ وَالشَّامَ ، فَانْزِلْ بِالشَّامِ وَاسْتَنِبْ عَنْكَ بِمِصْرَ ، فَلَمَّا جَاءَهُ الْكِتَابُ ، أَظْهَرَ الْغَضَبَ وَقَالَ : يُوَلِّينِي هَذَا وَخُرَاسَانُ كُلُّهَا لِي ؟! وَشَرَعَ فِي الْمُضِيِّ إِلَى خُرَاسَانَ .
وَيُقَالُ : إِنَّهُ شَتَمَ الْمَنْصُورَ ، وَأَجْمَعَ عَلَى الْخِلَافِ ، وَسَارَ وَخَرَجَ الْمَنْصُورُ إِلَى الْمَدَائِنِ ، وَكَاتَبَ أَبَا مُسْلِمٍ لِيَقْدَمَ عَلَيْهِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ ، وَهُوَ قَاصِدٌ طَرِيقَ حُلْوَانَ : إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَكَ عَدُوٌّ إِلَّا أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْهُ . وَقَدْ كُنَّا نَرْوِي عَنْ مُلُوكِ آلِ سَاسَانَ : إِنَّ أَخْوَفَ مَا يَكُونُ الْوُزَرَاءُ ، إِذَا سَكَنَتِ الدَّهْمَاءُ . فَنَحْنُ نَافِرُونَ مِنْ قُرْبِكَ ، حَرِيصُونَ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِكَ مَا وَفَّيْتَ ، فَإِنْ أَرْضَاكَ ذَلِكَ ، فَأَنَا كَأَحْسَنِ عَبِيدِكَ ، وَإِنْ أَبَيْتَ نَقَضْتُ مَا أَبْرَمْتُ مِنْ عَهْدِكَ ضَنًّا بِنَفْسِي وَالسَّلَامُ .
فَرَدَّ عَلَيْهِ الْجَوَابَ يُطَمْئِنُهُ وَيُمَنِّيهِ مَعَ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ ، وَكَانَ دَاهِيَةَ وَقْتِهِ ، فَخَدَعَهُ وَرَدَّهُ .
63 وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ ، فَنَقَلَ عَنْ جَمَاعَةٍ قَالُوا : كَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي اتَّخَذْتُ رَجُلًا إِمَامًا ، وَدَلِيلًا عَلَى مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ فِي مَحَلَّةِ الْعِلْمِ نَازِلًا ، فَاسْتَجْهَلَنِي بِالْقُرْآنِ ، فَحَرَّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ طَمَعًا فِي قَلِيلٍ قَدْ نَعَاهُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ ، وَكَانَ كَالَّذِي دُلِّيَ بِغُرُورٍ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُجَرِّدَ السَّيْفَ ، وَأَرْفَعَ الرَّحْمَةَ ، فَفَعَلْتُ تَوْطِئَةً لِسُلْطَانِكُمْ ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَنِي اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ . فَإِنْ يَعْفُ عَنِّي فَقَدَمًا عُرِفَ بِهِ ، وَنُسِبَ إِلَيْهِ ، وَإِنْ يُعَاقِبْنِي فَبِمَا قَدَّمَتْ يَدَايَ ثُمَّ سَارَ نَحْوَ خُرَاسَانَ مُرَاغَمًا .
فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَكْتُبُونَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ ، يُعَظِّمُونَ شَأْنَهُ ، وَأَنْ يَتِمَّ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَيُحَسِّنُونَ لَهُ الْقُدُومَ عَلَى الْمَنْصُورِ .
ثُمَّ قَالَ الْمَنْصُورُ لِلرَّسُولِ أَبِي حُمَيْدٍ الْمَرْوَرُّوذِيِّ : كَلِّمْ أَبَا مُسْلِمٍ بِأَلْيَنِ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَمَنِّهِ وَعَرِّفْهُ أَنِّي مُضْمِرٌ لَهُ كُلَّ خَيْرٍ ، فَإِنْ أَيِسْتَ مِنْهُ ، فَقُلْ لَهُ : قَالَ : وَاللَّهِ لَوْ خُضْتَ الْبَحْرَ ، لَخُضْتُهُ وَرَاءَكَ ، وَلَوِ اقْتَحَمْتَ النَّارَ ، لَاقْتَحَمْتُهَا حَتَّى أَقْتُلَكَ .
فَقَدِمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِحُلْوَانَ ، قَالَ : فَاسْتَشَارَ أَبُو مُسْلِمٍ خَوَاصَّهُ . فَقَالُوا : احْذَرْهُ .
فَلَمَّا طَلَبَ الرَّسُولُ الْجَوَابَ قَالَ : ارْجِعْ إِلَى صَاحِبِكَ ، فَلَسْتُ آتِيهِ ، وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى خِلَافِهِ . فَقَالَ : لَا تَفْعَلْ .
فَلَمَّا آيَسَهُ مِنَ الْمَجِيءِ ، كَلَّمَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ الْمَنْصُورُ ، فَوَجَمَ لَهَا طَوِيلًا ، ثُمَّ قَالَ : قُمْ . وَكَسَرَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ وَأَرْعَبَهُ .
وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَبِي دَاوُدَ خَلِيفَةِ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى خُرَاسَانَ ، فَاسْتَمَالَهُ وَقَالَ : إِمْرَةُ خُرَاسَانَ لَكَ . فَكَتَبَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَلُومُهُ ، 64 وَيَقُولُ : إِنَّا لَمْ نَخْرُجْ لِمَعْصِيَةِ خُلَفَاءِ اللَّهِ ، وَأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ، فَلَا تُخَالِفَنَّ إِمَامَكَ .
فَوَافَاهُ كِتَابُهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَزَادَهُ هَمًّا وَرُعْبًا . ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أُمَرَائِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ ، فَلَمَّا قَدِمَ ، تَلَقَّاهُ بَنُو هَاشِمٍ بِكُلِّ مَا يُحِبُّ ، وَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ : اصْرِفْهُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَلَكَ إِمْرَةُ بِلَادِهِ ، فَرَجَعَ وَقَالَ : لَمْ أَرَ مَكْرُوهًا ، وَرَأَيْتُهُمْ مُعَظِّمِينَ لِحَقِّكَ ، فَارْجِعْ ، وَاعْتَذِرْ .
فَأَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى الرُّجُوعِ ، فَقَالَ رَسُولُهُ أَبُو إِسْحَاقَ : ﴿﴾ مَا لِلرِّجَالِ مَعَ الْقَضَاءِ مَحَالَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ ذَهَبَ الْقَضَاءُ بِحِيلَةِ الْأَقْوَامِ ﴿﴾
خَارَ اللَّهُ لَكَ ، احْفَظْ عَنِّي وَاحِدَةً : إِذَا دَخَلْتَ عَلَى الْمَنْصُورِ فَاقْتُلْهُ ، ثُمَّ بَايِعْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّ النَّاسَ لَا يُخَالِفُونَكَ .
ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ سَيَّرَ أُمَرَاءَ لِتَلَقِّي أَبِي مُسْلِمٍ ، وَلَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُ بَعَثَهُمْ لِيُطَمْئِنَهُ ، وَيَذْكُرُونَ حُسْنَ نِيَّةِ الْمَنْصُورِ لَهُ ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ ، انْخَدَعَ الْمَغْرُورُ وَفَرِحَ .
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَدَائِنِ ، أَمَرَ الْمَنْصُورُ أَكَابِرَ دَوْلَتِهِ فَتَلَقَّوْهُ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ، سَلَّمَ عَلَيْهِ قَائِمًا ، فَقَالَ : انْصَرِفْ يَا أَبَا مُسْلِمٍ فَاسْتَرِحْ ، وَادْخُلِ الْحَمَّامَ ثُمَّ اغْدُ . فَانْصَرَفَ ، وَكَانَ مِنْ نِيَّةِ الْمَنْصُورِ أَنْ يَقْتُلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَمَنَعَهُ وَزِيرُهُ أَبُو أَيُّوبَ الْمُورِيَانِيُّ .
قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : فَدَخَلْتُ بَعْدَ خُرُوجِهِ ، فَقَالَ لِي الْمَنْصُورُ : أَقْدِرُ عَلَى هَذَا ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ ، قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ ، وَلَا أَدْرِي مَا يَحْدُثُ فِي لَيْلَتِي ، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي الْفَتْكِ بِهِ . فَلَمَّا غَدَوْتُ عَلَيْهِ ، قَالَ لِي : يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ لَا مَرْحَبًا بِكَ . أَنْتَ مَنَعْتَنِي مِنْهُ أَمْسِ ؟ وَاللَّهِ مَا نِمْتُ الْبَارِحَةَ ، ادْعُ لِي عُثْمَانَ بْنَ نَهِيكٍ ، 65 فَدَعَوْتُهُ ، فَقَالَ : يَا عُثْمَانُ كَيْفَ بَلَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ ؟ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا عَبْدُكَ ، وَلَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَتَّكِئَ عَلَى سَيْفِي حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي ، لَفَعَلْتُ . قَالَ : كَيْفَ أَنْتَ إِنْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ . قَالَ : فَوَجَمَ لَهَا سَاعَةً لَا يَتَكَلَّمُ . فَقُلْتُ : مَا لَكَ سَاكِتًا ؟ فَقَالَ قَوْلَةً ضَعِيفَةً : أَقْتُلُهُ .
فَقَالَ : انْطَلِقْ ، فَجِئ بِأَرْبَعَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْحَرَسِ ، شُجْعَانٍ ، فَأَحْضَرَ أَرْبَعَةً ، مِنْهُمْ شَبِيبُ بْنُ وَاجٍ ، فَكَلَّمَهُمْ فَقَالُوا : نَقْتُلُهُ ، فَقَالَ : كُونُوا خَلْفَ الرِّوَاقِ ، فَإِذَا صَفَّقْتُ ، فَاخْرُجُوا ، فَاقْتُلُوهُ .
ثُمَّ طَلَبَ أَبَا مُسْلِمٍ فَأَتَاهُ .
قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : وَخَرَجْتُ لِأَنْظُرَ مَا يَقُولُ النَّاسُ ، فَتَلَقَّانِي أَبُو مُسْلِمٍ دَاخِلًا ، فَتَبَسَّمَ ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَدَخَلَ ، فَرَجَعْتُ فَإِذَا هُوَ مَقْتُولٌ . ثُمَّ دَخَلَ أَبُو الْجَهْمِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَلَا أَرُدُّ النَّاسَ ؟ قَالَ : بَلَى .
فَأَمَرَ بِمَتَاعٍ يُحَوَّلُ إِلَى رِوَاقٍ آخَرَ ، وَفَرْشٍ . وَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ لِلنَّاسِ : انْصَرِفُوا ، فَإِنَّ الْأَمِيرَ أَبَا مُسْلِمٍ يُرِيدُ أَنْ يُقِيلَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَرَأَوُا الْفَرْشَ وَالْمَتَاعَ يُنْقَلُ ، فَظَنُّوهُ صَادِقًا ، فَانْصَرَفُوا .
وَأَمَرَ الْمَنْصُورُ لِلْأُمَرَاءِ بِجَوَائِزِهِمْ .
قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : فَقَالَ لِي الْمَنْصُورُ : دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو مُسْلِمٍ فَعَاتَبْتُهُ ، ثُمَّ شَتَمْتُهُ ، وَضَرَبَهُ عُثْمَانُ بْنُ نَهِيكٍ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا ، وَخَرَجَ شَبِيبُ بْنُ وَاجٍ ، فَضَرَبُوهُ ، فَسَقَطَ ، فَقَالَ وَهُمْ يَضْرِبُونَهُ : الْعَفْوَ ، قُلْتُ : يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ ، الْعَفْوَ وَالسُّيُوفُ تَعْتَوِرُكَ ؟ وَقُلْتُ : اذْبَحُوهُ . فَذَبَحُوهُ .
وَقِيلَ : أَلْقَى جَسَدَهُ فِي دِجْلَةَ .
وَيُقَالُ : لَمَّا دَخَلَ وَهُمْ خَلْوَةٌ ، قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ : أَخْبِرْنِي عَنْ سَيْفَيْنِ أَصَبْتَهُمَا فِي مَتَاعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ ، فَقَالَ : هَذَا أَحَدُهُمَا ، قَالَ : أَرِنِيهِ . فَانْتَضَاهُ ، فَنَاوَلَهُ ، 66 فَهَزَّهُ أَبُو جَعْفَرٍ ، ثُمَّ وَضَعَهُ تَحْتَ مِفْرَشِهِ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يُعَاتِبُهُ .
وَقَالَ : أَخْبِرْنِي عَنْ كِتَابِكَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَخِي ، تَنْهَاهُ عَنِ الْمَوَاتِ . أَرَدْتَ أَنْ تُعَلِّمَنَا الدِّينَ ؟ قَالَ : ظَنَنْتُ أَخْذَهُ لَا يَحِلُّ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ تَقَدُّمِكَ عَلَيَّ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ . قَالَ : كَرِهْتُ اجْتِمَاعَنَا عَلَى الْمَاءِ فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ . قَالَ : فَجَارِيَةُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَرَدْتَ أَنْ تَتَّخِذَهَا ؟ قَالَ : لَا . وَلَكِنْ خِفْتُ عَلَيْهَا أَنْ تَضِيعَ فَحَمَلْتُهَا فِي قُبَّةٍ وَوَكَّلْتُ بِهَا . قَالَ : فَمُرَاغَمَتُكَ وَخُرُوجُكَ إِلَى خُرَاسَانَ ؟ قَالَ : خِفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَكَ مِنِّي شَيْءٌ ، فَقُلْتُ أَذْهَبُ إِلَيْهَا ، وَإِلَيْكَ أَبْعَثُ بِعُذْرِي . وَالْآنَ فَقَدْ ذَهَبَ مَا فِي نَفْسِكَ عَلَيَّ . قَالَ : تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ . وَضَرَبَ بِيَدِهِ ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِ .
وَقِيلَ : إِنَّهُ قَالَ لَهُ : أَلَسْتَ الْكَاتِبَ إِلَيَّ تَبْدَأُ بِنَفْسِكَ ؟ وَالْكَاتِبَ إِلَيَّ تَخْطُبُ أَمِينَةَ بِنْتَ عَلِيٍّ عَمَّتِي ؟ وَتَزْعُمُ أَنَّكَ ابْنُ سَلِيطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ؟
وَأَيْضًا فَمَا دَعَاكَ إِلَى قَتْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ ، مَعَ أَثَرِهِ فِي دَعْوَتِنَا ، وَهُوَ أَحَدُ نُقَبَائِنَا ؟ .
قَالَ : عَصَانِي ، وَأَرَادَ الْخِلَافَ عَلَيَّ ، فَقَتَلْتُهُ . قَالَ : وَأَنْتَ قَدْ خَالَفْتَ عَلَيَّ -قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ . وَضَرَبَهُ بِعَمُودٍ ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ .
وَيُقَالُ : إِنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا سَبَّهُ ، انْكَبَّ عَلَى يَدِهِ يُقَبِّلُهَا وَيَعْتَذِرُ .
وَقِيلَ : أَوَّلُ مَا ضَرَبَهُ ابْنُ نَهِيكٍ لَمْ يَصْنَعْ أَكْثَرَ مِنْ قَطْعِ حَمَائِلِ سَيْفِهِ ، فَصَاحَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اسْتَبْقِنِي لِعَدُوِّكَ ، قَالَ : لَا أَبْقَانِي اللَّهُ إِذًا ، وَأَيُّ عَدْوٍ أَعْدَى لِي مِنْكَ .
ثُمَّ هَمَّ الْمَنْصُورُ بِقَتْلِ الْأَمِيرِ أَبِي إِسْحَاقَ صَاحِبِ حَرَسِ أَبِي مُسْلِمٍ ، وَبِقَتْلِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ الْخُزَاعِيِّ ، فَكَلَّمَهُ فِيهِمَا أَبُو الْجَهْمِ ، وَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، 67 إِنَّمَا جُنْدُهُ جُنْدُكَ ، أَمَرْتَهُمْ بِطَاعَتِهِ ، فَأَطَاعُوهُ .
ثُمَّ إِنَّهُ أَعْطَاهُمَا مَالًا جَزِيلًا . وَفَرَّقَ عَسَاكِرَ أَبِي مُسْلِمٍ . وَكَتَبَ بِعَهْدٍ لِلْأَمِيرِ أَبِي دَاوُدَ خَالِدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى خُرَاسَانَ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ ، وَالطَّغَامِ مِنَ التَّنَاسُخِيَّةِ ، اعْتَقَدُوا أَنَّ الْبَارِيَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- حَلَّ فِي أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ الْمَقْتُولِ ، عِنْدَمَا رَأَوْا مِنْ تَجَبُّرِهِ ، وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى الْمَمَالِكِ ، وَسَفْكِهِ لِلدِّمَاءِ . فَأَخْبَارُ هَذَا الطَّاغِيَةِ يَطُولُ شَرْحُهَا .
قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ قَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ بِالْمَدَائِنِ ، فَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : قَتَلَهُ وَهُوَ فِي سُرَادِقَاتِهِ -يَعْنِي الدِّهْلِيزَ- ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى وَلِيِّ الْعَهْدِ ، فَأَعْلَمَهُ ، وَأَعْطَاهُ الرَّأْسَ وَالْمَالَ فَخَرَجَ بِهِ ، فَأَلْقَاهُ إِلَيْهِمْ ، وَنَثَرَ الذَّهَبَ ، فَتَشَاغَلُوا بِأَخْذِهِ .
وَقَالَ خَلِيفَةُ فِي مَكَانٍ آخَرَ : فَلَمَّا حَلَّ أَبُو مُسْلِمٍ بِحُلْوَانَ ، تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ ، فَمِنْ ذَلِكَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّهُ يَرِينُ عَلَى الْقُلُوبِ وَيُطْبَعُ عَلَيْهَا الْمَعَاصِي ، فَقَعْ أَيُّهَا الطَّائِرُ ، وَأَفِقْ أَيُّهَا السَّكْرَانُ ، وَانْتَبِهْ أَيُّهَا الْحَالِمُ ، فَإِنَّكَ مَغْرُورٌ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ كَاذِبَةٍ ، وَفِي بَرْزَخِ دُنْيَا قَدْ غَرَّتْ قَبْلَكَ سَوَالِفَ الْقُرُونِ ، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْجِزُهُ مَنْ هَرَبَ ، وَلَا يَفُوتُهُ مَنْ طَلَبَ ، فَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ شِيعَتِي وَأَهْلِ دَعْوَتِي . فَكَأَنَّهُمْ قَدْ صَاوَلُوكَ إِنْ أَنْتَ خَلَعْتَ الطَّاعَةَ ، وَفَارَقْتَ الْجَمَاعَةَ ، فَبَدَا لَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَسِبُ . فَمَهْلًا مَهْلًا ، احْذَرِ الْبَغْيَ أَبَا مُسْلِمٍ ، فَإِنَّ مَنْ بَغَى وَاعْتَدَى تَخَلَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَنَصَرَ عَلَيْهِ مَنْ يَصْرَعُهُ لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ .
فَأَجَابَهُ أَبُو مُسْلِمٍ بِكِتَابٍ فِيهِ غِلَظٌ يَقُولُ فِيهِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ : إِنِّي كُنْتُ 68 فِيكُمْ مُتَأَوِّلًا فَأَخْطَأْتُ .
فَأَجَابَهُ : أَيُّهَا الْمُجْرِمُ ، تَنْقِمُ عَلَى أَخِي وَإِنَّهُ لَإِمَامُ هُدًى ، أَوْضَحَ لَكَ السَّبِيلَ! فَلَوْ بِهِ اقْتَدَيْتَ مَا كُنْتَ عَنِ الْحَقِّ حَائِدًا ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْنَحْ لَكَ أَمْرَانِ إِلَّا كُنْتَ لِأَرْشَدِهِمَا تَارِكًا ، وَلِأَغْوَاهُمَا مُوَافِقًا ، تَقْتُلُ قَتْلَ الْفَرَاعِنَةِ ، وَتَبْطِشُ بَطْشَ الْجَبَّارِينَ ، ثُمَّ إِنَّ مِنْ خِيْرَتِي -أَيُّهَا الْفَاسِقُ- أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُ خُرَاسَانَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ . فَأَمَرْتَهُ بِالْمَقَامِ بِنَيْسَابُورَ ، فَهُوَ مِنْ دُونِكَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قُوَّادِي وَشِيعَتِي ، وَأَنَا مُوَجِّهٌ لِلِقَائِكَ أَقْرَانَكَ ، فَاجْمَعْ كَيْدَكَ وَأَمْرَكَ غَيْرَ مُوَفَّقٍ وَلَا مُسَدَّدٍ ، وَحَسْبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
فَشَاوَرَ الْبَائِسُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ ، فَقَالَ لَهُ : مَا الرَّأْيُ ، هَذَا مُوسَى بْنُ كَعْبٍ لَنَا دُونَ خُرَاسَانَ ، وَهَذِهِ سُيُوفُ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ خَلْفِنَا وَقَدْ أَنْكَرْتُ مَنْ كُنْتُ أَثِقُ بِهِ مِنْ أُمَرَائِي ؟ .
فَقَالَ : أَيُّهَا الْأَمِيرُ هَذَا رَجُلٌ يَضْطَغِنُ عَلَيْكَ أُمُورًا مُتَقَدِّمَةً ، فَلَوْ كُنْتَ إِذْ ذَاكَ هَذَا رَأْيُكَ ، وَوَالَيْتَ رَجُلًا مِنْ آلِ عَلِيٍّ ، كَانَ أَقْرَبَ . وَلَوْ أَنَّكَ قَبِلْتَ تَوْلِيَتَهُ إِيَّاكَ خُرَاسَانَ وَالشَّامَ وَالصَّائِفَةَ مَدَّتْ بِكَ الْأَيَّامُ ، وَكُنْتَ فِي فُسْحَةٍ مِنْ أَمْرِكَ ، فَوَجَّهْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَاخْتَلَسْتَ عَلَوِيًّا ، فَنَصَّبْتَهُ إِمَامًا ، فَاسْتَمَلْتَ أَهْلَ خُرَاسَانَ ، وَأَهْلَ الْعِرَاقِ ، وَرَمَيْتَ أَبَا جَعْفَرٍ بِنَظِيرِهِ ، لَكُنْتَ عَلَى طَرِيقِ تَدْبِيرٍ . أَتَطْمَعُ أَنْ تُحَارِبَ أَبَا جَعْفَرٍ وَأَنْتَ بِحُلْوَانَ ، وَعَسَاكِرُهُ بِالْمَدَائِنِ ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ؟ لَيْسَ مَا ظَنَنْتَ . لَكِنْ بَقِيَ لَكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَى قُوَّادِكَ ، وَتَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا .
فَقَالَ : هَذَا رَأْيٌ ، إِنْ وَافَقَنَا عَلَيْهِ قُوَّادُنَا . قَالَ : فَمَا دَعَاكَ إِلَى خَلْعِ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ مِنْ قُوَّادِكَ ؟ أَنَا أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ مِنْ قَتِيلٍ ، أَرَى أَنْ تُوَجِّهَ بِي 69 إِلَيْهِ حَتَّى أَسْأَلَهُ لَكَ الْأَمَانَ ، فَإِمَّا صَفْحٌ ، وَإِمَّا قَتْلٌ عَلَى عِزٍّ ، قَبْلَ أَنْ تَرَى الْمَذَلَّةَ وَالصَّغَارَ مِنْ عَسْكَرِكَ ، إِمَّا قَتَلُوكَ ، وَإِمَّا أَسْلَمُوكَ .
قَالَ : فَسَفَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْصُورِ السُّفَرَاءُ ، وَطَلَبُوا لَهُ أَمَانًا ، فَأَتَى الْمَدَائِنَ . فَأَمَرَ أَبُو جَعْفَرٍ ، فَتَلَقَّوْهُ وَأَذِنَ لَهُ ، فَدَخَلَ عَلَى فَرَسِهِ ، وَرَحَّبَ بِهِ ، وَعَانَقَهُ ، وَقَالَ : انْصَرِفْ إِلَى مَنْزِلِكَ ، وَضَعْ ثِيَابَكَ ، وَادْخُلِ الْحَمَّامَ ، وَجَعَلَ يَنْتَظِرُ بِهِ الْفُرَصَ ، فَأَقَامَ أَيَّامًا يَأْتِي أَبَا جَعْفَرٍ ، فَيَرَى كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْإِكْرَامِ مَا لَمْ يَرَهُ قَبْلُ .
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى التَّجَنِّي عَلَيْهِ ، فَأَتَى أَبُو مُسْلِمٍ الْأَمِيرَ عِيسَى بْنَ مُوسَى ، فَقَالَ : ارْكَبْ مَعِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنِّي قَدْ أَرَدْتُ عِتَابَهُ ، قَالَ : تَقَدَّمْ وَأَنَا أَجِيءُ قَالَ : إِنِّي أَخَافُهُ ، قَالَ : أَنْتَ فِي ذِمَّتِي ، قَالَ : فَأَقْبَلَ ، فَلَمَّا صَارَ فِي الرِّوَاقِ الدَّاخِلِ ، قِيلَ لَهُ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَتَوَضَّأُ ، فَلَوْ جَلَسْتَ ، وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ عِيسَى ، وَقَدْ هَيَّأَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عُثْمَانَ بْنَ نَهِيكٍ فِي عِدَّةٍ ، وَقَالَ : إِذَا عَايَنْتَهُ وَعَلَا صَوْتِي ، فَدُونَكُمُوهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث