الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الثاني
447 كِتَابُ الْكَفَالَةِ
( وَهِيَ ) فِي اللُّغَةِ : الضَّمُّ ، قَالَ تَعَالَى ( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) أَيْ ضَمَّهَا إِلَى نَفْسِهِ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ " أَيِ الَّذِي يَضُمُّهُ إِلَيْهِ فِي التَّرْبِيَةِ ، وَيُسَمَّى النَّصِيبُ كِفْلًا لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ .
وَفِي الشَّرْعِ : ( ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي الْمُطَالَبَةِ ) هُوَ الصَّحِيحُ ، وَلِهَذَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِبَرَاءَةِ الْأَصِيلِ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْمُطَالَبَةِ ، وَلَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيلِ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهِيَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ وَغَرَامَةٍ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ وُصُولُ الْمَكْفُولِ لَهُ إِلَى إِحْيَاءِ حَقِّهِ ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ أَوَّلُهَا مَلَامَةً وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةً وَآخِرُهَا غَرَامَةً دَلَّ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " أَيِ الْكَفِيلُ ضَامِنٌ ، وَبُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يَتَكَفَّلُونَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .
وَرُكْنُهَا قَوْلُ الْكَفِيلِ : كَفَلْتُ لَكَ بِمَالِكَ عَلَى فُلَانٍ ، وَقَوْلُ الْمَكْفُولِ لَهُ : قَبِلْتُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْقَبُولُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا الْتِزَامُ مُطَالَبَةٍ لِلْحَالِ لَا غَيْرُ . وَعِنْدَهُمَا الْمُطَالَبَةُ لِلْحَالِ وَإِيجَابُ الْمِلْكِ فِي الْمُؤَدَّى عِنْدَ الْأَدَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ ، وَشَرْطُهَا : كَوْنُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ لِلْكَفِيلِ لِيَصِحَّ الِالْتِزَامُ بِالْمُطَالَبَةِ وَيُفِيدَ فَائِدَتَهَا ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ صَحِيحًا حَتَّى لَا تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا 448 وَجَبَ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ نَظَرًا لِلْعَبْدِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْعِتْقِ .
وَحُكْمُهَا : صَيْرُورَةُ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ مَضْمُومَةً إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي حَقِّ الْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لِمَا مَرَّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ الْمُطَالَبَةِ عَلَى الْكَفِيلِ وُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ مُطَالَبٌ بِالثَّمَنِ وَهُوَ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُوَكِّلَ عَنِ الثَّمَنِ جَازَ وَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ عَنِ الْوَكِيلِ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ ) لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ تَبَرُّعًا .
( وَتَجُوزُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ ) لِمَا رُوِّينَا وَذَكَرْنَا مِنَ الْحَاجَةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّسْلِيمِ .
أَمَّا الْمَالُ فَلِوِلَايَتِهِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ . وَأَمَّا النَّفْسُ بِأَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ بِمَكَانِهِ وَيُخَلِّيَ بَيْنَهُمَا وَبِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي فَيَصِحُّ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ .
قَالَ : ( وَتَنْعَقِدُ بِالنَّفْسِ بِقَوْلِهِ تَكَفَّلْتُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ وَبِكُلِّ عُضْوٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ .
( وَبِالْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالْخُمُسِ وَالْعُشْرِ ) لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَتَجَزَّأُ ، فَذِكْرُ الْبَعْضِ ذِكْرُ الْكُلِّ .
( وَبِقَوْلِهِ ضَمِنْتُهُ ) لِأَنَّهُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ .
( وَبِقَوْلِهِ : عَلَيَّ ، وَإِلَيَّ ) لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْإِيجَابِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " مَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ " أَيْ عَلَيَّ ( وَمَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دِينَارَانِ فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : هُمَا عَلَيَّ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ .
( وَ ) بِقَوْلِهِ . ( أَنَا زَعِيمٌ ) لِلنَّصِّ . ( أَوْ قَبِيلٌ ) لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْكَفِيلِ لُغَةً وَعُرْفًا ، وَكَذَا قَوْلُهُ : أَنَا 449 ضَمِينٌ ، أَوْ لَكَ عِنْدِي هَذَا الرَّجُلُ ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أُوَفِّيَكَ بِهِ ، أَوْ أَنْ أَلْقَاكَ بِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي مَعْنَى الْكَفَالَةِ .
قَالَ : ( وَالْوَاجِبُ إِحْضَارُهُ وَتَسْلِيمُهُ فِي مَكَانٍ يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ) لِيُفِيدَ تَسْلِيمَهُ .
( فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَ ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ وَحَصَلَ مَقْصُودُ الْمَكْفُولِ لَهُ; وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ لَا يَبْرَأُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي السَّوَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاكِمَ بِهَا; وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي الْمِصْرِ أَوْ فِي السُّوقِ بَرِئَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي وَالْمُسْلِمِينَ; وَقِيلَ لَا يَبْرَأُ فِي زَمَانِنَا لِمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ عَادَةً .
( وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ بَرِئَ ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ فِيهِ ، وَقَالَ : لَا يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّ شُهُودَهُ قَدْ لَا يَكُونُونَ فِيهِ ، قُلْنَا : وَقَدْ يَكُونُونَ فِيهِ .
قَالَ : ( فَإِنْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ فِيهِ إِذَا طَلَبَهُ مِنْهُ ) إِلْزَامًا لَهُ بِمَا الْتَزَمَ .
( فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ ) لِأَنَّهُ صَارَ ظَالِمًا بِمَنْعِهِ الْحَقَّ ، وَقِيلَ لَا يُحْبَسُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَا ظَهَرَ ظُلْمُهُ; وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ حَاضِرًا; فَلَوْ كَانَ غَائِبًا أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ .
( فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ ) لِامْتِنَاعِهِ مِنْ إِيفَاءِ الْحَقِّ .
( وَإِذَا حَبَسَهُ وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي عَجْزُهُ عَنْ إِحْضَارِهِ خَلَّى سَبِيلَهُ ) وَيُسَلِّمُهُ إِلَى الَّذِي حَبَسَهُ ، وَإِنْ شَاءَ لَازَمَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُلَازَمَتِهِ تَفْوِيتُ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَيُخَلِّيهِ .
( وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ ) لِعَجْزِهِ عَنْ إِحْضَارِهِ فَصَارَ كَالْمَوْتِ ، إِلَّا أَنَّ فِي الْمَوْتِ تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ أَصْلًا لِلتَّيَقُّنِ بِالْعَجْزِ ، وَهُنَا لَا لِاحْتِمَالِ الْقُدْرَةِ بِالْعِلْمِ بِمَكَانِهِ ، وَلَوِ ارْتَدَّ الْمَكْفُولُ بِهِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ إِنْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُمْكِنُهُ دُخُولُ دَارِ الْحَرْبِ وَإِحْضَارُهُ فَهُوَ كَالْغَيْبَةِ الْمَعْلُومَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ فَكَالْغَيْبَةِ الْمَجْهُولَةِ ، وَلَا تَبْطُلُ الْكَفَاءَةُ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالتَّوْبَةِ ، وَالرُّجُوعُ مُمْكِنٌ ، فَيُمْكِنُ الْكَفِيلُ إِحْضَارَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ كَالْغَيْبَةِ الْمَجْهُولَةِ .
قَالَ : ( وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ الْكَفِيلِ وَالْمَكْفُولِ بِهِ دُونَ الْمَكْفُولِ لَهُ ) أَمَّا الْكَفِيلُ فَلِعَجْزِهِ ، وَالْوَرَثَةُ لَمْ 450 يَتَكَفَّلُوهُ وَإِنَّمَا يَخْلُفُونَهُ فِيمَا لَهُ لَا فِيمَا عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْمَكْفُولُ بِهِ فَلِمَا مَرَّ ، بِخِلَافِ الْمَكْفُولِ لَهُ ، لِأَنَّ الْكَفِيلَ غَيْرُ عَاجِزٍ وَالْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَ الْمَكْفُولَ لَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ لِأَنَّهُ حَقُّهُ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ " .
قَالَ : ( وَإِنْ تَكَفَّلَ بِهِ إِلَى شَهْرٍ فَسَلَّمَهُ قَبْلَ الشَّهْرِ بَرَأَ ) لِتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَهَذَا لِأَنَّ التَّأْجِيلَ حَقُّهُ فَلَهُ إِسْقَاطُهُ .
قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ : إِنْ لَمْ أُوَفِّكَ بِهِ فَعَلَيَّ الْأَلْفُ الَّتِي عَلَيْهِ فَلَمْ يُوَفِّ بِهِ فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ ) لِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ وَوُجُودِ الشَّرْطِ .
( وَالْكَفَالَةُ بَاقِيَةٌ ) لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَفَالَتَيْنِ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ آخَرُ غَيْرُ الْأَلْفِ; وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ : لَا حَقَّ لِي قِبَلَ الْمَكْفُولِ بِهِ فَعَلَى الْكَفِيلِ تَسْلِيمُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَصِيٌّ أَوْ وَكِيلٌ ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ لَمْ يَبْرَأِ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ ، وَإِذَا سَلَّمَهُ الْكَفِيلُ إِلَيْهِ بَرَأَ وَإِذْ لَمْ يَقْبَلْهُ الطَّالِبُ كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَهُ وَكِيلُهُ أَوْ رَسُولُهُ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُ ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ عَنْ كَفَالَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ وَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْخُصُومَةِ فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْهُ كَالْمَكْفُولِ بِالْمَالِ .
قَالَ : ( وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا حَتَّى لَا تَصِحُّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ وَالسِّعَايَةِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ) لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا كَقَوْلِهِ : تَكَفَّلْتُ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ ، أَوْ بِمَا يُدْرِكُكَ ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوَسُّعِ فَتُحْتَمَلُ فِيهَا هَذِهِ الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ .
( وَإِذَا صَحَّتِ الْكَفَالَةُ فَالْمَكْفُولُ لَهُ ، إِنْ شَاءَ طَالَبَ الْكَفِيلِ ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الْأَصِيلِ ) لِمَا بَيَّنَّا مِنَ الضَّمِّ ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُمَا جَمْعًا وَتَفْرِيقًا لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الضَّمِّ ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ إِذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ أَحَدِ الْغَاصِبِينَ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ تَضْمِينَهُ فَقَدْ مَلَّكَهُ الْعَيْنَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهَا لِلْآخَرِ .
451 قَالَ : ( وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ مُطَالَبَةِ الْأَصِيلِ فَهِيَ حَوَالَةٌ ) لِوُجُودِ مَعْنَاهَا .
( كَمَا إِذَا شَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ تَكُونُ كَفَالَةً ) لِوُجُودِ مَعْنَى الْكَفَالَةِ ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي .
قَالَ : ( وَتَجُوزُ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ ) لِأَنَّهُ إِلْزَامٌ عَلَى نَفْسِهِ لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ ضَرَرٌ .
( فَإِنْ كَانَتْ بِأَمْرِهِ فَأَدَّى رَجَعَ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ .
( وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ .
( قَالَ : وَإِذَا طُولِبَ الْكَفِيلُ وَلُوزِمَ طَالَبَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ وَلَازَمَهُ ) وَيَقُولُ لَهُ أَدِّ إِلَيْهِ ، وَلَا يَقُولُ لَهُ أَدِّ إِلَيَّ ، وَكَذَا يَحْبِسُهُ إِذَا حَبَسَهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَحِقَهُ بِسَبَبِهِ فَيَأْخُذُهُ بِمِثْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ مَا لَزِمَهُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ .
قَالَ : ( وَإِنْ أَدَّى الْأَصِيلُ أَوْ أَبْرَأَهُ رَبُّ الدَّيْنِ بَرَأَ الْكَفِيلُ ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالدَّيْنِ وَلَا دَيْنَ مُحَالٌ .
( وَإِنْ أُبْرِئَ الْكَفِيلُ لَمْ يَبْرَأِ الْأَصِيلُ ) لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْأَصِيلِ ، وَبَقَاؤُهُ عَلَيْهِ بِدُونِ مُطَالَبَةِ الْكَفِيلِ جَائِزٌ .
( وَإِنْ أَخَّرَ عَنِ الْأَصِيلِ تَأَخَّرَ عَنِ الْكَفِيلِ وَبِالْعَكْسِ لَا ) لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَيُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ الْمُطْلَقِ; فَإِنْ صَالَحَ الْكَفِيلُ رَبَّ الدَّيْنِ مِنَ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ بَرِئَ هُوَ وَالْأَصِيلُ ، لِأَنَّهُ كَمَا أَضَافَهُ إِلَى الدَّيْنِ وَهُوَ عَلَى الْأَصِيلِ بَرِئَ الْأَصِيلُ فَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ بِخَمْسِمِائَةٍ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ ، وَلَوْ صَالَحَ بِخِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ رَجَعَ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَمَّا اسْتَوْجَبَ بِالْكَفَالَةِ لَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ ، لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ لَهُ عَنِ الْمُطَالَبَةِ .
قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْكَفِيلِ بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الْمَالِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْأَصِيلِ ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الْبَرَاءَةَ إِلَى فِعْلِ الْمَطْلُوبِ وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَدَاءِ فَيَرْجِعُ .
452 ( وَإِنْ قَالَ : أَبْرَأْتُكَ لَمْ يَرْجِعْ ) لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ حَتَّى لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ; وَلَوْ قَالَ : بَرِئْتُ رَجَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ ابْتِدَاؤُهَا مِنَ الْمَطْلُوبِ وَذَلِكَ بِالْإِيفَاءِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَرْجِعُ بِالشَّكِّ ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا غَابَ الطَّالِبُ أَمَّا إِذَا كَانَ حَاضِرًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُجْمَلُ .
قَالَ : ( وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا بِشَرْطٍ ) كَمَا فِي سَائِرِ الْبَرَاءَاتِ; وَقِيلَ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ إِنَّمَا عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ وَلِهَذَا لَا يَرْتَدُّ إِبْرَاؤُهُ بِالرَّدِّ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْإِبْرَاءَاتِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فَلَا تَصِحُّ مَعَ التَّعْلِيقِ . وَبِخِلَافِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ حَتَّى تَرْتَدَّ بِالرَّدِّ .
قَالَ : ( وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْمَبِيعِ فَاسِدًا ، لِأَنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ حَالَ بَقَائِهِ ، وَقِيمَتِهِ حَالَ هَلَاكِهِ ، فَكَانَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ فَيَصِحُّ .
( وَلَا تَصِحُّ بِالْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيعِ وَالْمَرْهُونِ ) لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ، وَقِيلَ يَصِحُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَتَبْطُلُ بِالْهَلَاكِ لِلْقُدْرَةِ قَبْلَ الْهَلَاكِ وَالْعَجْزِ بَعْدَهُ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِقَبُولِ الْمَكْفُولِ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ : فِي رِوَايَةٍ : يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ .
وَفِي رِوَايَةٍ : يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الطَّالِبِ فَيَسْتَبِدُّ الْكَفِيلُ بِهِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ لِانْضِمَامِ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي الْمُطَالَبَةِ . وَلَهُمَا أَنَّهُ تَمْلِيكُ الْمُطَالَبَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي سَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ .
قَالَ : ( إِلَّا إِذَا قَالَ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ تَكَفَّلْ بِمَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ ، فَتَكَفَّلَ وَالْغَرِيمُ غَائِبٌ فَيَصِحُّ ) ثُمَّ قِيلَ هُوَ وَصِيَّةٌ حَتَّى لَا تَصِحَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، وَقِيلَ تَصِحُّ لِحَاجَتِهِ إِلَى إِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ فَقَامَ مَقَامَ الطَّالِبِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ .
453 ( وَلَوْ قَالَ ) ذَلِكَ . ( لِأَجْنَبِيٍّ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ ) .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ ) وَقَالَا : تَصِحُّ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ وَجَبَ لِلطَّالِبِ وَلَمْ يُسْقِطْهُ فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ كَانَ كَفِيلًا بِهِ لَا يَسْقُطُ; وَكَذَا لَوْ تَبَرَّعَ إِنْسَانٌ بِهِ صَحَّ ، وَلَوْ سَقَطَ بِالْمَوْتِ لَمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ . وَلَهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُطَالَبَةِ وَهِيَ فِعْلٌ ، وَلِهَذَا تُوصَفُ بِالْوُجُوبِ ، إِلَّا أَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الْمَالِ وَقَدْ عَجَزَ بِنَفْسِهِ وَخَلَفِهِ فَيَسْقُطُ ضَرُورَةَ فَوَاتِ عَاقِبَةِ الِاسْتِيفَاءِ . أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ بِهِ كَفِيلٌ فَهُوَ قَادِرٌ بِخَلَفِهِ ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْأَدَاءِ فَلَا تَفُوتُ الْعَاقِبَةُ ، وَالتَّبَرُّعُ لَا يَعْتَمِدُ بَقَاءَ الدَّيْنِ .
قَالَ : ( وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ كَشَرْطِ وُجُوبِ الْحَقِّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : مَا بَايَعْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ ، أَوْ مَا ذَابَ لَكَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ ، أَوْ مَا غَصَبَكَ فَعَلَيَّ ، أَوْ بِشَرْطِ إِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ كَقَوْلِهِ : إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَعَلَيَّ وَهُوَ مَكْفُولٌ عَنْهُ ، أَوْ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ كَقَوْلِهِ : إِنْ غَابَ فَعَلَيَّ ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرْكِ ، وَأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الشُّرُوطِ .
( وَلَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ : إِنْ هَبَّتِ الرِّيحُ أَوْ جَاءَ الْمَطَرُ ) لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ .
( فَلَوْ جَعَلَهُمَا أَجَلًا بِأَنْ قَالَ : كَفَلْتُهُ إِلَى مَجِيءِ الْمَطَرِ أَوْ إِلَى هُبُوبِ الرِّيحِ لَا يَصِحُّ ) الْأَجَلُ .
( وَيَجِبُ الْمَالُ حَالًّا ) لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ; وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْكَفَالَةِ جَائِزٌ ، وَهِيَ أَقْبَلُ لِلْخِيَارِ مِنَ الْبَيْعِ حَتَّى يُقْبَلَ الْخِيَارُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فَلَأَنْ يَصِحَّ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِيهِ أَوْلَى; فَلَوْ أَقَرَّ بِكَفَالَةٍ مُؤَجَّلَةٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْأَجَلِ إِلَّا بِتَصْدِيقِ الطَّالِبِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ .
454 قَالَ : ( فَإِنْ قَالَ : تَكَفَّلْتُ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ ) لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالْمُعَايَنِ حُكْمًا ( وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَفِيلِ ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ .
( وَلَا يُسْمَعُ قَوْلُ الْأَصِيلِ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَيَلْزَمُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِمَا عُرِفَ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْحَمْلِ عَلَى دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا ، وَتَصِحُّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا ) لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُ عَلَى أَيِّ دَابَّةٍ شَاءَ ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنَةِ ، لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَوْ تَكَفَّلَ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِخِيَاطَةِ خَيَّاطٍ بِيَدِهِ ؛ لَأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ تَكَفَّلَ بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ أَوِ الْخَيَّاطِ أَوْ بِفِعْلِ الْخِيَاطَةِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُ ، فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ مُطْلَقُ الْخِيَاطَةِ ، فَأَيُّ خِيَاطَةٍ وُجِدَتْ حَصَلَ الْمَكْفُولُ بِهِ; وَلَوْ ضَمِنَ لِامْرَأَةٍ عَنْ زَوْجِهَا بِنَفَقَةِ كُلِّ شَهْرٍ جَازَ ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الضَّمَانِ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ; وَلَوْ ضَمِنَ أُجْرَةَ كُلِّ شَهْرٍ فِي الْإِجَارَةِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّبَبَ فِي النَّفَقَةِ لَمْ يَتَجَدَّدْ عَنْ رَأْسِ الشَّهْرِ بَلْ تَجِبُ فِي الشُّهُورِ كُلِّهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، وَسَبَبُ الْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ شَهْرٍ لِتَجَدُّدِ الْعَقْدِ ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الْكَفَالَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ .
قَالَ : ( عَلَيْهِمَا دَيْنٌ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنِ الْآخَرِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ فَيَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ ) لِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي النِّصْفِ كَفِيلٌ فِي النِّصْفِ ، وَالْكَفَالَةُ تَبَعٌ فَتَقَعُ عَنِ الْأَصِيلِ إِذْ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَهَمُّ ، ثُمَّ مَا يُؤَدِّيهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ عَنِ الْكَفَالَةِ لِتَعَيُّنِهَا فَيَرْجِعُ بِهِ لِمَا مَرَّ .
قَالَ : ( فَإِنْ تَكَفَّلَا عَنْ رَجُلٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنِ الْآخَرِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى الْآخَرِ ) لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا لَزِمَهُ بِالْكَفَالَةِ لِأَنَّهُ كَفَلَ عَنْ شَرِيكِهِ بِالْجَمِيعِ وَعَنِ الْأَصِيلِ بِالْجَمِيعِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا وَقَعَ شَائِعًا عَنْهُمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ ، إِذِ الْكُلُّ كَفَالَةٌ ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُوْلَى ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْأَصِيلِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَدَّيَا عَنْهُ بِأَمْرِهِ ، أَحَدُهُمَا بِنَفْسِهِ وَالْآخَرُ بِنَائِبِهِ .
455 قَالَ : ( وَإِنْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ خَرَاجَهُ وَقِسْمَتَهُ وَنَوَائِبَهُ جَازَ إِنْ كَانَتِ النَّوَائِبُ بِحَقٍّ ، كَكَرْيِ النَّهْرِ ، وَأُجْرَةِ الْحَارِسِ ، وَتَجْهِيزِ الْجَيْشِ ، وَفِدَاءِ الْأُسَارَى ) أَمَّا الْخَرَاجُ فَلِأَنَّهُ دَيْنٌ مُطَالَبٌ بِهِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ فَيَصِحُّ : وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنَ النَّوَائِبِ فَقَدْ صَارَتْ كَالدَّيْنِ . وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَهِيَ حِصَّةٌ مِنَ النَّوَائِبِ الَّتِي صَارَتْ مَعْلُومَةً لَهُمْ مُوَظَّفَةً عَلَيْهِمْ كَالدُّيُونِ ، وَبَاقِي النَّوَائِبِ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ .
( وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِحَقٍّ كَالْجِبَايَاتِ قَالُوا : تَصِحُّ فِي زَمَانِنَا ) لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالدُّيُونِ حَتَّى قَالُوا : لَوْ أُخِذَ مِنَ الْمُزَارِعِ جَبْرًا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَالِكِ . وَالْكَفَالَةُ بِالدَّرْكِ جَائِزَةٌ ، وَهُوَ الْتِزَامُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَأْكِيدُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَتَقْرِيرُهَا ، وَلَوِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ لَمْ يُؤْخَذِ الْكَفِيلُ حَتَّى يُقْضَى عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُنْتَقَضُ إِلَّا بِالْقَضَاءِ ، فَلَعَلَّ الْمُسْتَحِقَّ يُجِيزُهُ فَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ نَقْدُ الثَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ ، وَلَوْ قَضَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِالِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ عَنْهُ ، فَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ; وَالضَّمَانُ بِالْعُهْدَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ تَحْتَمِلُ الدَّرْكَ وَغَيْرَهُ فَكَانَ مَجْهُولًا . أَمَّا الدَّرْسُ فَيُسْتَعْمَلُ فِي ضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعُهْدَةَ كَالدَّرْكِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ اسْتِعْمَالُهَا فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ عَادَةً وَعُرْفًا .
تَمَّ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ " الِاخْتِيَارِ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ "
وَيَلِيهِ :
الْجُزْءُ الثَّالِثُ ، وَأَوَّلُهُ : كِتَابُ الْحَوَالَةِ
( وَهِيَ ) فِي اللُّغَةِ : الضَّمُّ ، قَالَ تَعَالَى ( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) أَيْ ضَمَّهَا إِلَى نَفْسِهِ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ " أَيِ الَّذِي يَضُمُّهُ إِلَيْهِ فِي التَّرْبِيَةِ ، وَيُسَمَّى النَّصِيبُ كِفْلًا لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ .
وَفِي الشَّرْعِ : ( ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي الْمُطَالَبَةِ ) هُوَ الصَّحِيحُ ، وَلِهَذَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِبَرَاءَةِ الْأَصِيلِ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْمُطَالَبَةِ ، وَلَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيلِ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهِيَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ وَغَرَامَةٍ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ وُصُولُ الْمَكْفُولِ لَهُ إِلَى إِحْيَاءِ حَقِّهِ ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ أَوَّلُهَا مَلَامَةً وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةً وَآخِرُهَا غَرَامَةً دَلَّ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " أَيِ الْكَفِيلُ ضَامِنٌ ، وَبُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يَتَكَفَّلُونَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .
وَرُكْنُهَا قَوْلُ الْكَفِيلِ : كَفَلْتُ لَكَ بِمَالِكَ عَلَى فُلَانٍ ، وَقَوْلُ الْمَكْفُولِ لَهُ : قَبِلْتُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْقَبُولُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا الْتِزَامُ مُطَالَبَةٍ لِلْحَالِ لَا غَيْرُ . وَعِنْدَهُمَا الْمُطَالَبَةُ لِلْحَالِ وَإِيجَابُ الْمِلْكِ فِي الْمُؤَدَّى عِنْدَ الْأَدَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ ، وَشَرْطُهَا : كَوْنُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ لِلْكَفِيلِ لِيَصِحَّ الِالْتِزَامُ بِالْمُطَالَبَةِ وَيُفِيدَ فَائِدَتَهَا ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ صَحِيحًا حَتَّى لَا تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا 448 وَجَبَ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ نَظَرًا لِلْعَبْدِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْعِتْقِ .
وَحُكْمُهَا : صَيْرُورَةُ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ مَضْمُومَةً إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي حَقِّ الْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لِمَا مَرَّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ الْمُطَالَبَةِ عَلَى الْكَفِيلِ وُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ مُطَالَبٌ بِالثَّمَنِ وَهُوَ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُوَكِّلَ عَنِ الثَّمَنِ جَازَ وَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ عَنِ الْوَكِيلِ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ ) لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ تَبَرُّعًا .
( وَتَجُوزُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ ) لِمَا رُوِّينَا وَذَكَرْنَا مِنَ الْحَاجَةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّسْلِيمِ .
أَمَّا الْمَالُ فَلِوِلَايَتِهِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ . وَأَمَّا النَّفْسُ بِأَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ بِمَكَانِهِ وَيُخَلِّيَ بَيْنَهُمَا وَبِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي فَيَصِحُّ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ .
قَالَ : ( وَتَنْعَقِدُ بِالنَّفْسِ بِقَوْلِهِ تَكَفَّلْتُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ وَبِكُلِّ عُضْوٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ .
( وَبِالْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالْخُمُسِ وَالْعُشْرِ ) لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَتَجَزَّأُ ، فَذِكْرُ الْبَعْضِ ذِكْرُ الْكُلِّ .
( وَبِقَوْلِهِ ضَمِنْتُهُ ) لِأَنَّهُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ .
( وَبِقَوْلِهِ : عَلَيَّ ، وَإِلَيَّ ) لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْإِيجَابِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " مَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ " أَيْ عَلَيَّ ( وَمَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دِينَارَانِ فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : هُمَا عَلَيَّ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ .
( وَ ) بِقَوْلِهِ . ( أَنَا زَعِيمٌ ) لِلنَّصِّ . ( أَوْ قَبِيلٌ ) لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْكَفِيلِ لُغَةً وَعُرْفًا ، وَكَذَا قَوْلُهُ : أَنَا 449 ضَمِينٌ ، أَوْ لَكَ عِنْدِي هَذَا الرَّجُلُ ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أُوَفِّيَكَ بِهِ ، أَوْ أَنْ أَلْقَاكَ بِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي مَعْنَى الْكَفَالَةِ .
قَالَ : ( وَالْوَاجِبُ إِحْضَارُهُ وَتَسْلِيمُهُ فِي مَكَانٍ يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ) لِيُفِيدَ تَسْلِيمَهُ .
( فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَ ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ وَحَصَلَ مَقْصُودُ الْمَكْفُولِ لَهُ; وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ لَا يَبْرَأُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي السَّوَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاكِمَ بِهَا; وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي الْمِصْرِ أَوْ فِي السُّوقِ بَرِئَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي وَالْمُسْلِمِينَ; وَقِيلَ لَا يَبْرَأُ فِي زَمَانِنَا لِمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ عَادَةً .
( وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ بَرِئَ ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ فِيهِ ، وَقَالَ : لَا يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّ شُهُودَهُ قَدْ لَا يَكُونُونَ فِيهِ ، قُلْنَا : وَقَدْ يَكُونُونَ فِيهِ .
قَالَ : ( فَإِنْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ فِيهِ إِذَا طَلَبَهُ مِنْهُ ) إِلْزَامًا لَهُ بِمَا الْتَزَمَ .
( فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ ) لِأَنَّهُ صَارَ ظَالِمًا بِمَنْعِهِ الْحَقَّ ، وَقِيلَ لَا يُحْبَسُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَا ظَهَرَ ظُلْمُهُ; وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ حَاضِرًا; فَلَوْ كَانَ غَائِبًا أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ .
( فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ ) لِامْتِنَاعِهِ مِنْ إِيفَاءِ الْحَقِّ .
( وَإِذَا حَبَسَهُ وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي عَجْزُهُ عَنْ إِحْضَارِهِ خَلَّى سَبِيلَهُ ) وَيُسَلِّمُهُ إِلَى الَّذِي حَبَسَهُ ، وَإِنْ شَاءَ لَازَمَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُلَازَمَتِهِ تَفْوِيتُ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَيُخَلِّيهِ .
( وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ ) لِعَجْزِهِ عَنْ إِحْضَارِهِ فَصَارَ كَالْمَوْتِ ، إِلَّا أَنَّ فِي الْمَوْتِ تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ أَصْلًا لِلتَّيَقُّنِ بِالْعَجْزِ ، وَهُنَا لَا لِاحْتِمَالِ الْقُدْرَةِ بِالْعِلْمِ بِمَكَانِهِ ، وَلَوِ ارْتَدَّ الْمَكْفُولُ بِهِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ إِنْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُمْكِنُهُ دُخُولُ دَارِ الْحَرْبِ وَإِحْضَارُهُ فَهُوَ كَالْغَيْبَةِ الْمَعْلُومَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ فَكَالْغَيْبَةِ الْمَجْهُولَةِ ، وَلَا تَبْطُلُ الْكَفَاءَةُ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالتَّوْبَةِ ، وَالرُّجُوعُ مُمْكِنٌ ، فَيُمْكِنُ الْكَفِيلُ إِحْضَارَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ كَالْغَيْبَةِ الْمَجْهُولَةِ .
قَالَ : ( وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ الْكَفِيلِ وَالْمَكْفُولِ بِهِ دُونَ الْمَكْفُولِ لَهُ ) أَمَّا الْكَفِيلُ فَلِعَجْزِهِ ، وَالْوَرَثَةُ لَمْ 450 يَتَكَفَّلُوهُ وَإِنَّمَا يَخْلُفُونَهُ فِيمَا لَهُ لَا فِيمَا عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْمَكْفُولُ بِهِ فَلِمَا مَرَّ ، بِخِلَافِ الْمَكْفُولِ لَهُ ، لِأَنَّ الْكَفِيلَ غَيْرُ عَاجِزٍ وَالْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَ الْمَكْفُولَ لَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ لِأَنَّهُ حَقُّهُ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ " .
قَالَ : ( وَإِنْ تَكَفَّلَ بِهِ إِلَى شَهْرٍ فَسَلَّمَهُ قَبْلَ الشَّهْرِ بَرَأَ ) لِتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَهَذَا لِأَنَّ التَّأْجِيلَ حَقُّهُ فَلَهُ إِسْقَاطُهُ .
قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ : إِنْ لَمْ أُوَفِّكَ بِهِ فَعَلَيَّ الْأَلْفُ الَّتِي عَلَيْهِ فَلَمْ يُوَفِّ بِهِ فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ ) لِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ وَوُجُودِ الشَّرْطِ .
( وَالْكَفَالَةُ بَاقِيَةٌ ) لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَفَالَتَيْنِ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ آخَرُ غَيْرُ الْأَلْفِ; وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ : لَا حَقَّ لِي قِبَلَ الْمَكْفُولِ بِهِ فَعَلَى الْكَفِيلِ تَسْلِيمُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَصِيٌّ أَوْ وَكِيلٌ ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ لَمْ يَبْرَأِ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ ، وَإِذَا سَلَّمَهُ الْكَفِيلُ إِلَيْهِ بَرَأَ وَإِذْ لَمْ يَقْبَلْهُ الطَّالِبُ كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَهُ وَكِيلُهُ أَوْ رَسُولُهُ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُ ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ عَنْ كَفَالَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ وَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْخُصُومَةِ فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْهُ كَالْمَكْفُولِ بِالْمَالِ .
قَالَ : ( وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا حَتَّى لَا تَصِحُّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ وَالسِّعَايَةِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ) لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا كَقَوْلِهِ : تَكَفَّلْتُ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ ، أَوْ بِمَا يُدْرِكُكَ ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوَسُّعِ فَتُحْتَمَلُ فِيهَا هَذِهِ الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ .
( وَإِذَا صَحَّتِ الْكَفَالَةُ فَالْمَكْفُولُ لَهُ ، إِنْ شَاءَ طَالَبَ الْكَفِيلِ ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الْأَصِيلِ ) لِمَا بَيَّنَّا مِنَ الضَّمِّ ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُمَا جَمْعًا وَتَفْرِيقًا لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الضَّمِّ ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ إِذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ أَحَدِ الْغَاصِبِينَ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ تَضْمِينَهُ فَقَدْ مَلَّكَهُ الْعَيْنَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهَا لِلْآخَرِ .
451 قَالَ : ( وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ مُطَالَبَةِ الْأَصِيلِ فَهِيَ حَوَالَةٌ ) لِوُجُودِ مَعْنَاهَا .
( كَمَا إِذَا شَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ تَكُونُ كَفَالَةً ) لِوُجُودِ مَعْنَى الْكَفَالَةِ ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي .
قَالَ : ( وَتَجُوزُ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ ) لِأَنَّهُ إِلْزَامٌ عَلَى نَفْسِهِ لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ ضَرَرٌ .
( فَإِنْ كَانَتْ بِأَمْرِهِ فَأَدَّى رَجَعَ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ .
( وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ .
( قَالَ : وَإِذَا طُولِبَ الْكَفِيلُ وَلُوزِمَ طَالَبَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ وَلَازَمَهُ ) وَيَقُولُ لَهُ أَدِّ إِلَيْهِ ، وَلَا يَقُولُ لَهُ أَدِّ إِلَيَّ ، وَكَذَا يَحْبِسُهُ إِذَا حَبَسَهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَحِقَهُ بِسَبَبِهِ فَيَأْخُذُهُ بِمِثْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ مَا لَزِمَهُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ .
قَالَ : ( وَإِنْ أَدَّى الْأَصِيلُ أَوْ أَبْرَأَهُ رَبُّ الدَّيْنِ بَرَأَ الْكَفِيلُ ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالدَّيْنِ وَلَا دَيْنَ مُحَالٌ .
( وَإِنْ أُبْرِئَ الْكَفِيلُ لَمْ يَبْرَأِ الْأَصِيلُ ) لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْأَصِيلِ ، وَبَقَاؤُهُ عَلَيْهِ بِدُونِ مُطَالَبَةِ الْكَفِيلِ جَائِزٌ .
( وَإِنْ أَخَّرَ عَنِ الْأَصِيلِ تَأَخَّرَ عَنِ الْكَفِيلِ وَبِالْعَكْسِ لَا ) لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَيُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ الْمُطْلَقِ; فَإِنْ صَالَحَ الْكَفِيلُ رَبَّ الدَّيْنِ مِنَ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ بَرِئَ هُوَ وَالْأَصِيلُ ، لِأَنَّهُ كَمَا أَضَافَهُ إِلَى الدَّيْنِ وَهُوَ عَلَى الْأَصِيلِ بَرِئَ الْأَصِيلُ فَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ بِخَمْسِمِائَةٍ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ ، وَلَوْ صَالَحَ بِخِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ رَجَعَ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَمَّا اسْتَوْجَبَ بِالْكَفَالَةِ لَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ ، لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ لَهُ عَنِ الْمُطَالَبَةِ .
قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْكَفِيلِ بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الْمَالِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْأَصِيلِ ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الْبَرَاءَةَ إِلَى فِعْلِ الْمَطْلُوبِ وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَدَاءِ فَيَرْجِعُ .
452 ( وَإِنْ قَالَ : أَبْرَأْتُكَ لَمْ يَرْجِعْ ) لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ حَتَّى لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ; وَلَوْ قَالَ : بَرِئْتُ رَجَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ ابْتِدَاؤُهَا مِنَ الْمَطْلُوبِ وَذَلِكَ بِالْإِيفَاءِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَرْجِعُ بِالشَّكِّ ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا غَابَ الطَّالِبُ أَمَّا إِذَا كَانَ حَاضِرًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُجْمَلُ .
قَالَ : ( وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا بِشَرْطٍ ) كَمَا فِي سَائِرِ الْبَرَاءَاتِ; وَقِيلَ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ إِنَّمَا عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ وَلِهَذَا لَا يَرْتَدُّ إِبْرَاؤُهُ بِالرَّدِّ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْإِبْرَاءَاتِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فَلَا تَصِحُّ مَعَ التَّعْلِيقِ . وَبِخِلَافِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ حَتَّى تَرْتَدَّ بِالرَّدِّ .
قَالَ : ( وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْمَبِيعِ فَاسِدًا ، لِأَنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ حَالَ بَقَائِهِ ، وَقِيمَتِهِ حَالَ هَلَاكِهِ ، فَكَانَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ فَيَصِحُّ .
( وَلَا تَصِحُّ بِالْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيعِ وَالْمَرْهُونِ ) لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ، وَقِيلَ يَصِحُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَتَبْطُلُ بِالْهَلَاكِ لِلْقُدْرَةِ قَبْلَ الْهَلَاكِ وَالْعَجْزِ بَعْدَهُ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِقَبُولِ الْمَكْفُولِ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ : فِي رِوَايَةٍ : يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ .
وَفِي رِوَايَةٍ : يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الطَّالِبِ فَيَسْتَبِدُّ الْكَفِيلُ بِهِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ لِانْضِمَامِ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي الْمُطَالَبَةِ . وَلَهُمَا أَنَّهُ تَمْلِيكُ الْمُطَالَبَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي سَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ .
قَالَ : ( إِلَّا إِذَا قَالَ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ تَكَفَّلْ بِمَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ ، فَتَكَفَّلَ وَالْغَرِيمُ غَائِبٌ فَيَصِحُّ ) ثُمَّ قِيلَ هُوَ وَصِيَّةٌ حَتَّى لَا تَصِحَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، وَقِيلَ تَصِحُّ لِحَاجَتِهِ إِلَى إِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ فَقَامَ مَقَامَ الطَّالِبِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ .
453 ( وَلَوْ قَالَ ) ذَلِكَ . ( لِأَجْنَبِيٍّ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ ) .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ ) وَقَالَا : تَصِحُّ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ وَجَبَ لِلطَّالِبِ وَلَمْ يُسْقِطْهُ فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ كَانَ كَفِيلًا بِهِ لَا يَسْقُطُ; وَكَذَا لَوْ تَبَرَّعَ إِنْسَانٌ بِهِ صَحَّ ، وَلَوْ سَقَطَ بِالْمَوْتِ لَمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ . وَلَهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُطَالَبَةِ وَهِيَ فِعْلٌ ، وَلِهَذَا تُوصَفُ بِالْوُجُوبِ ، إِلَّا أَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الْمَالِ وَقَدْ عَجَزَ بِنَفْسِهِ وَخَلَفِهِ فَيَسْقُطُ ضَرُورَةَ فَوَاتِ عَاقِبَةِ الِاسْتِيفَاءِ . أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ بِهِ كَفِيلٌ فَهُوَ قَادِرٌ بِخَلَفِهِ ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْأَدَاءِ فَلَا تَفُوتُ الْعَاقِبَةُ ، وَالتَّبَرُّعُ لَا يَعْتَمِدُ بَقَاءَ الدَّيْنِ .
قَالَ : ( وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ كَشَرْطِ وُجُوبِ الْحَقِّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : مَا بَايَعْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ ، أَوْ مَا ذَابَ لَكَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ ، أَوْ مَا غَصَبَكَ فَعَلَيَّ ، أَوْ بِشَرْطِ إِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ كَقَوْلِهِ : إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَعَلَيَّ وَهُوَ مَكْفُولٌ عَنْهُ ، أَوْ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ كَقَوْلِهِ : إِنْ غَابَ فَعَلَيَّ ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرْكِ ، وَأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الشُّرُوطِ .
( وَلَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ : إِنْ هَبَّتِ الرِّيحُ أَوْ جَاءَ الْمَطَرُ ) لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ .
( فَلَوْ جَعَلَهُمَا أَجَلًا بِأَنْ قَالَ : كَفَلْتُهُ إِلَى مَجِيءِ الْمَطَرِ أَوْ إِلَى هُبُوبِ الرِّيحِ لَا يَصِحُّ ) الْأَجَلُ .
( وَيَجِبُ الْمَالُ حَالًّا ) لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ; وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْكَفَالَةِ جَائِزٌ ، وَهِيَ أَقْبَلُ لِلْخِيَارِ مِنَ الْبَيْعِ حَتَّى يُقْبَلَ الْخِيَارُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فَلَأَنْ يَصِحَّ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِيهِ أَوْلَى; فَلَوْ أَقَرَّ بِكَفَالَةٍ مُؤَجَّلَةٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْأَجَلِ إِلَّا بِتَصْدِيقِ الطَّالِبِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ .
454 قَالَ : ( فَإِنْ قَالَ : تَكَفَّلْتُ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ ) لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالْمُعَايَنِ حُكْمًا ( وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَفِيلِ ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ .
( وَلَا يُسْمَعُ قَوْلُ الْأَصِيلِ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَيَلْزَمُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِمَا عُرِفَ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْحَمْلِ عَلَى دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا ، وَتَصِحُّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا ) لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُ عَلَى أَيِّ دَابَّةٍ شَاءَ ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنَةِ ، لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَوْ تَكَفَّلَ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِخِيَاطَةِ خَيَّاطٍ بِيَدِهِ ؛ لَأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ تَكَفَّلَ بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ أَوِ الْخَيَّاطِ أَوْ بِفِعْلِ الْخِيَاطَةِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُ ، فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ مُطْلَقُ الْخِيَاطَةِ ، فَأَيُّ خِيَاطَةٍ وُجِدَتْ حَصَلَ الْمَكْفُولُ بِهِ; وَلَوْ ضَمِنَ لِامْرَأَةٍ عَنْ زَوْجِهَا بِنَفَقَةِ كُلِّ شَهْرٍ جَازَ ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الضَّمَانِ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ; وَلَوْ ضَمِنَ أُجْرَةَ كُلِّ شَهْرٍ فِي الْإِجَارَةِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّبَبَ فِي النَّفَقَةِ لَمْ يَتَجَدَّدْ عَنْ رَأْسِ الشَّهْرِ بَلْ تَجِبُ فِي الشُّهُورِ كُلِّهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، وَسَبَبُ الْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ شَهْرٍ لِتَجَدُّدِ الْعَقْدِ ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الْكَفَالَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ .
قَالَ : ( عَلَيْهِمَا دَيْنٌ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنِ الْآخَرِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ فَيَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ ) لِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي النِّصْفِ كَفِيلٌ فِي النِّصْفِ ، وَالْكَفَالَةُ تَبَعٌ فَتَقَعُ عَنِ الْأَصِيلِ إِذْ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَهَمُّ ، ثُمَّ مَا يُؤَدِّيهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ عَنِ الْكَفَالَةِ لِتَعَيُّنِهَا فَيَرْجِعُ بِهِ لِمَا مَرَّ .
قَالَ : ( فَإِنْ تَكَفَّلَا عَنْ رَجُلٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنِ الْآخَرِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى الْآخَرِ ) لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا لَزِمَهُ بِالْكَفَالَةِ لِأَنَّهُ كَفَلَ عَنْ شَرِيكِهِ بِالْجَمِيعِ وَعَنِ الْأَصِيلِ بِالْجَمِيعِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا وَقَعَ شَائِعًا عَنْهُمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ ، إِذِ الْكُلُّ كَفَالَةٌ ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُوْلَى ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْأَصِيلِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَدَّيَا عَنْهُ بِأَمْرِهِ ، أَحَدُهُمَا بِنَفْسِهِ وَالْآخَرُ بِنَائِبِهِ .
455 قَالَ : ( وَإِنْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ خَرَاجَهُ وَقِسْمَتَهُ وَنَوَائِبَهُ جَازَ إِنْ كَانَتِ النَّوَائِبُ بِحَقٍّ ، كَكَرْيِ النَّهْرِ ، وَأُجْرَةِ الْحَارِسِ ، وَتَجْهِيزِ الْجَيْشِ ، وَفِدَاءِ الْأُسَارَى ) أَمَّا الْخَرَاجُ فَلِأَنَّهُ دَيْنٌ مُطَالَبٌ بِهِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ فَيَصِحُّ : وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنَ النَّوَائِبِ فَقَدْ صَارَتْ كَالدَّيْنِ . وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَهِيَ حِصَّةٌ مِنَ النَّوَائِبِ الَّتِي صَارَتْ مَعْلُومَةً لَهُمْ مُوَظَّفَةً عَلَيْهِمْ كَالدُّيُونِ ، وَبَاقِي النَّوَائِبِ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ .
( وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِحَقٍّ كَالْجِبَايَاتِ قَالُوا : تَصِحُّ فِي زَمَانِنَا ) لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالدُّيُونِ حَتَّى قَالُوا : لَوْ أُخِذَ مِنَ الْمُزَارِعِ جَبْرًا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَالِكِ . وَالْكَفَالَةُ بِالدَّرْكِ جَائِزَةٌ ، وَهُوَ الْتِزَامُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَأْكِيدُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَتَقْرِيرُهَا ، وَلَوِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ لَمْ يُؤْخَذِ الْكَفِيلُ حَتَّى يُقْضَى عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُنْتَقَضُ إِلَّا بِالْقَضَاءِ ، فَلَعَلَّ الْمُسْتَحِقَّ يُجِيزُهُ فَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ نَقْدُ الثَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ ، وَلَوْ قَضَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِالِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ عَنْهُ ، فَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ; وَالضَّمَانُ بِالْعُهْدَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ تَحْتَمِلُ الدَّرْكَ وَغَيْرَهُ فَكَانَ مَجْهُولًا . أَمَّا الدَّرْسُ فَيُسْتَعْمَلُ فِي ضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعُهْدَةَ كَالدَّرْكِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ اسْتِعْمَالُهَا فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ عَادَةً وَعُرْفًا .
تَمَّ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ " الِاخْتِيَارِ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ "
وَيَلِيهِ :
الْجُزْءُ الثَّالِثُ ، وَأَوَّلُهُ : كِتَابُ الْحَوَالَةِ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith