الذخيرة
الذخيرة · الجزء السابع
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا لَمْ يَحْضُرِ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ انْتَظَرَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، قَالَ التُّونِسِيُّ : اخْتُلِفَ فِي تَأْخِيرِ الْمُشْتَرِي ، فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُؤَخَّرُ فِي النَّقْدِ ، وَعَنْهُ : يُؤَخَّرُ إِلَى الثَّلَاثِ ، وَإِذَا تَلَوَّمَ فِي النَّقْدِ فَلَمْ يَأْتِ : قَالَ أَشْهَبُ : يُبَاعُ الشِّقْصُ وَغَيْرُهُ فِي الثَّمَنِ ، 356 وَقِيلَ : يَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ ، وَالْأَشْبَهُ تَخْيِيرُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ عَلَى أَخْذِ الثَّمَنِ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى مِنْهُ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالثَّمَنِ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْضَ بِالْبَيْعِ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِشَرْطِ مَجِيئِهِ بِالثَّمَنِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ، وَهِيَ مُدَّةُ التَّلَوُّمِ ثَلَاثًا ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ مُحَمَّدٌ : إِنَّمَا يُؤَخَّرُ إِلَى الثَّلَاثِ إِذَا أَخَذَ ، أَمَّا إِذَا وَقَفَهُ الْإِمَامُ : فَقَالَ : أَخِّرُونِي لِأَنْظُرَ فِي ذَلِكَ ، فَلَا بَلْ يَأْخُذُ شُفْعَتَهُ فِي مَقَامِهِ ، وَإِلَّا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يُؤَخِّرُهُ الْإِمَامُ إِلَى الثَّلَاثِ لِيَسْتَشِيرَ وَيَنْظُرَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَإِنْ وَقَفَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ فَذَلِكَ بِيَدِهِ حَتَّى يُوقِفَهُ الْإِمَامُ ، وَإِذَا أَخَذَ وَأُخِّرَ بِالثَّمَنِ فَمَضَتِ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ لِعَجْزِ الشَّفِيعِ ، وَإِنْ أَخَذَ أَوْ أَخَّرَ لِيَأْتِيَ بِالثَّمَنِ ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ وَيَأْبَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَهُ لَزِمَهُ الْأَخْذُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِيعَ عَلَيْهِ مَا شَفَعَ فِيهِ وَحِصَّتُهُ الْأَصْلِيَّةُ ، حَتَّى يُوفِيَ الْمُشْتَرِي إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُشْتَرِي بِالْإِقَالَةِ ، قَالَ الْلَخْمِيُّ : لِلْمُشْتَرِي الْقِيَامُ عَلَى الشَّفِيعِ فَيَأْخُذُ أَوْ يَتْرُكُ ، وَإِلَّا رَفَعَهُ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَلْزَمَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا قِيلَ : كَالْأَوَّلِ وَقِيلَ : يُمْهَلُ إِلَى الثَّلَاثِ ، قَالَهُ مَالِكٌ ، وَعَنْهُ إِلَى الْعَشَرَةِ ، وَعَنْ أَصْبَغَ : الْخَمْسَةَ عَشَرَ إِلَى الْعِشْرِينَ بِقَدْرِ الشِّقْصِ وَمَا يَحْتَاجُ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ ، وَالشَّهْرُ إِنْ رَأَى ذَلِكَ الْحَاكِمُ ، وَإِذَا أَخَذَ وَلَمْ يَأْتِ بِالْمَالِ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ إِمْضَاءِ الْأَخْذِ وَيُبَاعُ ذَلِكَ الشِّقْصُ وَغَيْرُهُ فِي الثَّمَنِ ، أَوْ يُرَدُّ ، وَكَذَلِكَ إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ لِذَلِكَ الْأَجَلِ وَلَمْ يَزِدْهُ عَلَيْهِ ، أَمَّا إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ : إِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ فَلَا شُفْعَةَ فَعَجَزَ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُسَلِّمَهُ لِيُبَاعَ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ لِسُقُوطِ الْحَقِّ عَنْهُ بِالتَّسْلِيمِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَوْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ لِيَتَرَوَّى ، فَفِي وُجُوبِ إِسْعَافِهِ لِذَلِكَ خِلَافٌ ، وَيَمْلِكُ الشَّفِيعُ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمُشْتَرِي ، وَيَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ الطَّلَبِ ، وَبِمُجَرَّدِ الْإِشْهَادِ عَلَى الْأَخْذِ ، وَبِقَوْلِهِ : أَخَذْتُ وَتَمَلَّكْتُ ، ثُمَّ تَلْزَمُهُ إِنْ عَلِمَ بِقَدْرِ الثَّمَنِ ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَفِي النَّوَادِرِ : أَجْمَعَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، قَالَ أَشْهَبُ : وَإِلَيْهِ يَدْفَعُ الثَّمَنَ إِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ دَفَعَهُ لِلْبَائِعِ ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي قَبْضُ الشِّقْصِ ; فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا وَلَمْ يَدْفَعِ الثَّمَنَ دَفَعَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي قَبْضُ الشِّقْصِ لِلشَّفِيعِ ، وَإِنْ شَاءَ الشَّفِيعُ قَبَضَهُ مِنَ الْبَائِعِ ، وَالْعُهْدَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ ; فَإِنْ غَابَ الْمُبْتَاعُ 357 قَبْلَ أَنْ يُنْقَدَ فَمَنَعَ الْبَائِعُ الشِّقْصَ لِأَجْلِ الثَّمَنِ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَنْظُرُ السُّلْطَانُ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : إِنْ عُرِفَتْ غَيْبَتُهُ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَقْدِمَ لِيَكْتُبَ عَلَيْهِ الْعُهْدَةَ ، وَإِنْ بَعُدَتْ قُضِيَ لِلشَّفِيعِ بِشُفْعَتِهِ ، وَلِلْبَائِعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْضَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ قَبَضَهُ أَخَذَهُ الْإِمَامُ مِنَ الشَّفِيعِ فَوَقَفَهُ لِلْمُبْتَاعِ ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْعُهْدَةَ ; فَإِنْ قَدِمَ أَشْهَدَ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ; فَإِنْ مَاتَ فَالْعُهْدَةُ عَلَى تَرِكَتِهِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَإِذَا حَكَمَ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِالشُّفْعَةِ فَأَبَى مَنْ أَخَذَ الثَّمَنَ فَأَرَى أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِهَا ، وَتُكْتَبَ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمُبْتَاعِ ، وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ فَيُوَقِفُهُ لَهُ ، وَقَدْ بَرِئَ مِنْهُ الشَّفِيعُ ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ : إِنْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ الشِّقْصَ وَسَكَنَهُ ، ثُمَّ مَاتَ وَقَامَ غُرَمَاؤُهُ وَقَامَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ وَقَامَ الشَّفِيعُ : فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِالثَّمَنِ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْفَلَسِ لَا فِي الْمَوْتِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَلَوْ فَلَّسَ الْمُبْتَاعُ فَالشَّفِيعُ أَحَقُّ بِالشِّقْصِ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ لِثُبُوتِ حَقِّهِ بِالْعَقْدِ .
فَرْعٌ
فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ : إِذَا اشْتَرَى حَظَّ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ فِي ثَلَاثِ صَفَقَاتٍ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ ذَلِكَ بِأَيِّ صَفْقَةٍ شَاءَ ; فَإِنْ أَخَذَ بِالْأُولَى لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ شُفْعَةٌ ، لِعَدَمِ بَقَاءِ شَرِكَتِهِ ، أَوْ بِالثَّانِيَةِ فَالْأَوَّلُ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ ، أَوْ بِالثَّالِثَةِ اسْتَشْفَعَ بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ; فَإِنْ كَانَتِ الصَّفْقَةُ وَاحِدَةً فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ بَعْضِهِمَا لِتَضَرُّرِ الْمُشْتَرِي بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا أَخَذَ وَلَمْ يَقْبِضْ حَتَّى انْهَدَمَتْ فَالضَّمَانُ مِنَ الشَّفِيعِ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : لَا يَضْمَنُ الْمُبْتَاعُ لِلشَّفِيعِ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنْ هَدْمٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ مَا غَارَ مِنْ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ ، وَلَا يَحُطُّ الشَّفِيعُ لِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الثَّمَنِ لِئَلَّا تَتَفَرَّقَ 358 الصَّفْقَةُ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُخَيَّرُ : إِمَّا يَأْخُذُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ هَدَمَ الْمُبْتَاعُ الْبِنَاءَ لِيَبْنِيَهُ أَوْ يُوَسِّعَ فِيهِ : فَإِمَّا أَخَذَهُ مَهْدُومًا مَعَ نَقْضِهِ بِالثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ الْمُبْتَاعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَحْصُلُ لَهُ ، وَلَوْ هَدَمَ ثُمَّ بَنَى يَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ مَا عُمِّرَ ، وَإِلَّا فَلَا يُقَامُ الضَّرَرُ ، وَلَوْ هَدَمَهَا وَبَاعَ النَّقْضَ ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ نَصِفَهَا وَقَدْ فَاتَ النَّقْضُ عِنْدَ مُبْتَاعِهِ ; فَإِنْ لَمْ يُجِزِ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيْعَ فِي نَصِيبِهِ أَخَذَ نِصْفَهَا وَنِصْفَ ثَمَنِ النَّقْضِ بِالِاسْتِحْقَاقِ ، وَلَهُ بَقِيَّتُهَا بِالشُّفْعَةِ ; فَإِنْ أَخَذَهُ قُسِّمَ ثَمَنُ نِصْفِ الدَّارِ عَلَى قِيمَةِ نِصْفِ الْأَرْضِ ، وَقِيمَةِ نِصْفِ النَّقْضِ يَوْمَ الصَّفْقَةِ ، ثُمَّ أَخَذَ نِصْفَ الْأَرْضِ بِمَا يَنُوبُهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى ثَمَنِ مَا بَاعَ مِنْهُ ، وَأَمَّا مَا قَابَلَ ذَلِكَ مِنَ النَّقْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِفَوَاتِهِ ، وَثَمَنُهُ لِلْمُبْتَاعِ ، وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْتَحِقُّ النَّقْضَ لَمْ يَبِعْ أَوْ بِيعَ وَهُوَ حَاضِرٌ لَمْ يَفُتْ ، فَلَهُ نِصْفُهُ مَعَ نِصْفِ الْعَرْصَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ ، وَبَاقِيهَا بِالشُّفْعَةِ ، وَلَا يَضْمَنُ الْمُبْتَاعُ فِي الْوَجْهَيْنِ هَدْمَهُ ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الدَّارِ مَهْدُومًا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ حِصَّتَهُ ، وَلَوْ هَدَمَ الدَّارَ أَجْنَبِيٌّ وَأَتْلَفَ النَّقْضَ فَلَمْ يَقُمِ الْمُبْتَاعَ حَتَّى قِيَامَ الْمُسْتَحِقِّ وَاسْتَشْفَعَ فَلَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ بِالتَّقْدِيمِ ، ثُمَّ يَفُضُّ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ مَا هُدِمَ وَمَا بَقِيَ فَيَأْخُذُهُ بِحِصَّتِهِ ، ثُمَّ يَتْبَعُ الْمُشْتَرِي الْهَادِمَ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا هَدَمَ ، وَيَتْبَعَهُ الْمُسْتَحِقُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَلَوْ تَرَكَ الْمُبْتَاعُ لِلْهَادِمِ قِيمَةَ مَا هَدَمَ ، فَلِلْمُسْتَحِقِّ طَلَبُ الْهَادِمِ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ مِنَ النِّصْفِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَتَسْقُطُ عَنْهُ حِصَّةُ الْمُبْتَاعِ ، وَإِنْ كَانَ الْهَادِمُ عَدِيمًا اتَّبَعَهُ الْمُسْتَحِقُّ دُونَ الْمُبْتَاعِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَوْهُوبِ فِي الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ كَالْمُشْتَرِي ، وَلَوْ وَهَبَ الدَّارَ مُبْتَاعُهَا ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ نِصْفُهَا أَخَذَ بَاقِيهَا بِالشُّفْعَةِ ، وَثَمَنُ النِّصْفِ الْمُسْتَشْفَعِ لِلْوَاهِبِ ، بِخِلَافِ مَنْ وَهَبَ شِقْصًا ابْتَاعَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ شَفِيعًا قِيمَتُهُ لِلْمَوْهُوبِ إِذَا أَخَذَهُ الشَّفِيعُ ، وَمَنْ وَهَبَ أَمَةً ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ بُحُرِّيَّةٍ أَوْ أَنَّهَا مَسْرُوقَةٌ ، فَمَا رَجَعَ بِهِ مِنْ ثَمَنِهَا فَلِلْوَاهِبِ دُونَ الْمَوْهُوبِ ، قَالَ التُّونِسِيُّ : إِذَا بَاعَ النَّقْضَ وَكَانَ قَائِمًا فَأَحْسَنُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ إِلَّا بِأَنْ يَنْقُضَ بَيْعَ النَّقْضِ وَيَأْخُذَهُ ، إِذْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْعَرْصَةِ بِمَا يَنُوبُهَا مِنَ الثَّمَنِ مَعَ وُجُودِ النَّقْضِ ; فَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ : قِيلَ : لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعَرْصَةَ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَخْذِ النَّقْضِ ; فَإِنْ عَرَفَ 359 مَا يَنُوبُ النَّقْضُ مِنَ الثَّمَنِ وَمَا يَنُوبُ الْعَرْصَةَ ، قِيلَ : لَا يَلْزَمْ ذَلِكَ الْبَائِعُ لِلنَّقْضِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِبَيْعٍ يُرَخَّصُ لِبَقَاءِ الْأَصْلِ ، فَإِذَا أَخَذَ فَلَا تَرْضَيْ ( كَذَا ) بِثَمَنِ النَّقْضِ فَالْقَوْلُ لَهُ ; فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ لِلنَّقْضِ بِذَلِكَ قِيلَ : ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ بَيِّنٌ ، لِأَنَّهُ كَمَنْ رَاضَاهُ عَلَى أَخْذِ بَعْضِ مَا لَهُ مِنَ الشُّفْعَةِ وَيُسَلِّمُ بَعْضَهَا فَأَمَّا لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ بَيْعَ نَصِيبِهِ مِنَ النَّقْضِ فِي نَصِيبِهِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ ، وَأَخَذَ النِّصْفَ الْآخَرَ مَعَ نِصْفِ الْعَرْصَةِ بِالشُّفْعَةِ دُونَ الْأَنْقَاضِ يُخَيِّرُ الْمُشْتَرِي فِي النِّصْفِ لِمُسْتَحَقٍّ مِنَ النَّقْضِ ; فَإِنْ قِيلَ : لِمَ جَعَلْتُمْ لَهُ الْخِيَارَ وَهُوَ لَوِ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ نِصْفُ النَّقْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ هَاهُنَا لِنِصْفِ النَّقْضِ قَادِرٌ عَلَى إِجَازَةِ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَالْمَأْخُوذُ بِالشُّفْعَةِ إِذَا أُخِذَ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ النَّقْضِ كَمَنِ اشْتَرَى جُمْلَةَ سِلْعَةٍ بِالصِّفَةِ ، لَيْسَ لَهُ إِمْضَاءُ بَعْضِهَا دُونَ الْبَعْضِ إِلَّا قَوْلٌ لِأَصْبَغَ ; فَإِنْ فَاتَ النَّقْضُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَهُ نِصْفُ ثَمَنِهِ فِي النِّصْفِ الْمُسْتَحَقِّ وَيَفُضُّ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الْقَاعَةِ يَوْمَ الْبَيْعِ ، وَعَلَى النَّقْضِ مَنْقُوضًا وَيَحُطُّ مِنْ ذَلِكَ مَا قَابَلَ النَّقْضَ فِي نِصْفِ الشُّفْعَةِ ، وَيَأْخُذُ بِالْقَاعَةِ بِمَا يَنُوبُهَا وَجَعَلَتُ ذَلِكَ كَسِلْعَةٍ جُمِعَتْ مَعَ النَّقْضِ فَتُمْضَى بِمَا يَنُوبُهَا مِنَ الثَّمَنِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : إِنَّمَا يَحْسُبُ الْأَقَلَّ مِمَّا أَخَذَ مِنْ ثَمَنِ النَّقْضِ ، أَوْ مَا يَنُوبُ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُشْتَرِي إِذَا بَاعَ النَّقْضَ بِأَقَلَّ مِمَّا يَنُوبُهُ مِنَ الثَّمَنِ مَنْقُوضًا كَمَا إِذَا نُقِضَ عِنْدَهُ ، فَلَمَّا لَمْ يُحَاسَبْ بِهَا إِذَا هَلَكَتْ وَكَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ فِيهَا مِنَ الثَّمَنِ مِثْلَ نِصْفِ قِيمَتِهَا قَبْلُ ، وَكَانَ يَجِبُ إِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرِ مِمَّا يَنُوبُهُ مِنَ الثَّمَنِ أَنْ يَحُطَّ ذَلِكَ عَنِ الشَّفِيعِ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخْسَرْ لَمْ يَرْبَحْ ، وَإِنَّمَا ضَمَّنَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَدْرِ مَا يَنُوبُهُ مِنَ النَّقْضِ ، لِأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ النَّقْضَ عِنْدَهُ فَانْتَفَعَ بِهِ الْمَوْهُوبُ وَأَفَاتَهُ فَضَّ الثَّمَنَ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِثْلَ هَلَاكِهَا عِنْدَهُ ، لِأَنَّ هَلَاكَهَا عِنْدَ الْمَوْهُوبِ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَرَأَى أَشْهَبُ أَنَّ ثَمَنَ الْأَنْقَاضِ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ لَمَّا كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ ، وَإِنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَأَخَذَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَنَاهَا بِنَقْضِهَا لَكَانَ عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ 360 الْمُسْتَشْفَعِ قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا ، وَحَطَّ عَنْهُ قَدْرَ مَا يَنُوبُ النَّقْضُ مِنَ الْعَرْصَةِ يَوْمَ الْبَيْعِ ، وَأَمَّا فِي النِّصْفِ الْمُسْتَحَقِّ فَلَهُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ النَّقْضِ يَوْمَ بِنَائِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَفَاتَهُ ، وَإِذَا هَدَمَ الدَّارَ فَبَنَاهَا بِنَقْضِهَا فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ لِنِصْفِهَا أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ قِيمَةِ النَّقْضِ الْمُسْتَحَقِّ يَوْمَ بِنَائِهِ ، وَقِيلَ لَهُ : ادْفَعْ قِيمَةَ نِصْفِ الْبِنَاءِ قَائِمًا ; فَإِنِ امْتَنَعَ : قِيلَ لِلْمُشْتَرِي : ادْفَعْ إِلَيْهِ قِيمَةَ الْقَاعَةِ ; فَإِنْ فَعَلَ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الثَّانِي بِالشُّفْعَةِ فَضَّ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ النَّقْضِ مَنْقُوضًا وَقِيمَةِ الْعَرْصَةِ يَوْمَ الْبَيْعِ ، يَأْخُذُ بِذَلِكَ وَبِقِيمَةِ نِصْفِ الْبِنَاءِ قَائِمًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا بَاعَ فَإِنَّهُ يَسْتَشْفِعُ ، وَلَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِذَا بَاعَ الشِّقْصَ الَّذِي يَسْتَشْفِعُ بَعْدَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ لَهُ هَاهُنَا ، وَإِذَا جَنَى عَلَى الدَّارِ رَجُلٌ فَهَدَمَهَا ، ثُمَّ لَمْ يُؤْخَذْ ، وَجَاءَ الشَّفِيعُ فَمَا قَابَلَ نِصْفَهُ مِنْ ذَلِكَ اتَّبَعَ بِهِ الْهَادِمَ ، وَمَا قَابَلَ النِّصْفَ الْمُسْتَشْفَعَ : فَذَكَرَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ الشَّفِيعَ إِذَا أَخَذَ فَضَّ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ النَّقْضِ مَنْقُوضًا ، وَعَلَى قِيمَةِ الْعَرْصَةِ ، فَيَأْخُذُ ذَلِكَ الشَّفِيعُ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَتْبَعُ بِهِ الْمُشْتَرِي الْهَادِمَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ ; فَإِنَّهَا كَالْبَيْعِ سَوَاءٌ ، وَلَا يُشَبَّهُ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ لِأَنَّ الْبَائِعَ إِنَّمَا بَاعَ مَهْدُومًا ، وَمَا أَحْدَثَ هُوَ مِنَ الْهَدْمِ لَا يَضْمَنُهُ فَلَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ ، فَالْجَانِي هَاهُنَا مُتَعَدٍّ فِي الْهَدْمِ ، وَهُوَ يُتْبَعُ بِمَا هَدَمَ قَائِمًا فَكَيْفَ يَرْبَحُ الْمُشْتَرِي ؟ وَأَمَّا مُحَمَّدٌ : فَجَعَلَ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَخْذِ مِنَ الْهَادِمِ وَهُوَ أَبْيَنُ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُ لَمْ يَنْتَفِعِ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ ، فَأَشْبَهَ الْهَدْمَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَالْبِنَاءُ يُفِيتُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ ; فَإِنْ فَاتَ النَّقْضُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَخَذَ الشَّفِيعُ بِالْقِيمَةِ ; فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ رَدَّ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَفُوتَ عِنْدَ الشَّفِيعِ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضَهُ هُوَ ، أَوِ الْقِيمَةُ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ لِفَوَاتِهِ عِنْدَهُ ; فَإِنْ قَالَ : فَإِنِّي لَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ رَدَّ قِيمَةَ مَا قَبَضَ ، وَإِنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ أَخَذَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ كَانَ أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ فَوَاتِهِ لَرَدَّ إِنْ لَمْ يَفُتْ عِنْدَهُ ; فَإِنْ فَاتَ عِنْدَهُ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ كَمَا تَقَدَّمَ ; فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ اشْتَرَى بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ أَسْلَفَ عَشَرَةً وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمَائَةٍ فَلَهُ رَدُّهُ ، وَإِذَا رَدَّهُ انْفَسَخَ الْأَوَّلُ ، وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمَائَةٍ عَلَى أَنْ أَسْلَفَ عَشَرَةَ الشَّفِيعِ وَقَالَ : اشْتَرَيْتُهَا بِمِائَةٍ فَبَاعَهَا عَلَى 361 ذَلِكَ ; فَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْمِائَةِ أَخَذَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا ; فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْمِائَةِ أَوْ تَنْقُصْ عَنِ التِسْعِينَ ، وَقِيلَ : تُقَوَّمُ الْعَشَرَةُ السَّلَفُ فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا خَمْسَةً : كَانَ ثَمَنُهَا خَمْسَةً وَتِسْعِينَ ، فَلَا يَنْقُضُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمِائَةِ ، وَهَذَا الْبَيْعُ الثَّانِي لَيْسَ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ ، بَلْ بَيْعُ تَدْلِيسِ كَالْكَذِبِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَتَقْوِيمُ السَّلَفِ أَوْجُهٌ ، لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُقَوِّمِ السَّلَفَ وَكَانَتْ قِيمَتُهَا تِسْعِينَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمُشْتَرِي ، لِأَنَّهُ يَقُولُ : أَخْرَجْتُ مِائَةً ، وَإِنَّمَا دَفَعَ لِي عَشَرَةً لِأَرُدَّهَا فَأَنَا لِي فِيهَا الِانْتِفَاعُ ، فَهُوَ الَّذِي يَحُطُّ مِنَ الْمَائَةِ ، وَإِذَا تَمَسَّكَ بِهَا الْمُشْتَرِي كَانَ ذَلِكَ فَوْتًا لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ الثَّانِي ، كَمَنِ اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا فَبَاعَ وَدَلَّسَ بِعَيْبٍ فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ ، وَإِذَا اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ فَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجَعَ بَائِعُ الشِّقْصِ عَلَى مُشْتَرِيهِ بِقِيمَةِ شِقْصِهِ ، فَكَانَ ثَمَنُ شِقْصِهِ سِتِّينَ فَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، لِأَنَّ أَخْذَ الشَّفِيعِ تَفْوِيتٌ ، وَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ بِأَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قِيمَةُ الشِّقْصِ أَرْبَعِينَ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الشِّقْصِ سِتِّينَ : فَالْآخِذُ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَدَّى عَشَرَةً تَمَامَ قِيمَةِ الشِّقْصِ أَوْ يَرُدُّ الشِّقْصَ فَيَرْجِعُ إِلَى بَائِعِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ اسْتَرْجَعَ عَشَرَةً ، لِأَنَّهُ قَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّ قِيمَتَهُ هُوَ ثَمَنُهُ فِيهِ ، وَأَمَّا حِنْطَةٌ بِعَيْنِهَا فَاسْتُحِقَّتْ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ ، وَلَا شُفْعَةَ ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : يُؤْتَى بِمِثْلِ الطَّعَامِ ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ : لَمْ يُرَدَّ وَغَرِمَ مِثْلَ طَعَامِهِ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يُغَرَّمُ مُشْتَرِي الشِّقْصِ ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الشَّفِيعَ هُوَ الَّذِي يَغْرَمُ مِثْلَ الطَّعَامِ ; فَإِنْ بَايَعَ الشِّقْصَ بِمِثْلِ الطَّعَامِ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ ، وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ لَمَّا فَاتَ بِالْأَخْذِ وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ إِتْمَامِ الْبَيْعِ فِيهِ كَانَ غَرْمُ مِثْلِ الطَّعَامِ أَهْوَنَ غَرِمَ قِيمَتَهُ ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ ، لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَا يُرَادُ بِعَيْنِهِ فَيُشْبِهُ الذَّهَبَ فَيُؤْتَى بِمِثْلِهِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَفِي النَّوَادِرِ : لَوْ تَصَرَّفَ الْمُبْتَاعُ فِي رَقِيقِ الْحَائِطِ وَوَهَبَهُمْ فَهُوَ كَالْبَيْعِ ، يَأْخُذُ الْحَائِطُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَأَمَّا فِي الْمَوْتِ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَدَعَ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ أَشْهَبُ : وَلَوِ اشْتَرَى أَشْقَاصًا فَانْهَدَمَ بَعْضُهَا فَلَا يَأْخُذُ إِلَّا الْجَمِيعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ ، انْهَدَمَ أَوْ هَدَمَهُ الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ بَاعَ الْمُبْتَاعُ حِصَّتَهُ مِنْ رَقِيقِ الْحَائِطِ وَآلَتِهِ لَيْسَ 362 لِلشَّفِيعِ تَسْلِيمُ بَيْعِ الرَّقِيقِ وَآلَاتِهِ وَأَخْذُ الشِّقْصِ مِنَ الْحَائِطِ ، لِأَنَّهُ بِيعَ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ إِلَّا أَنْ يَفُوتَ ذَلِكَ الرَّقِيقَ وَكَذَلِكَ النَّقْضُ مَعَ الْعَرْصَةِ ، وَلَوْ بَاعَ الْمُبْتَاعُ الشِّقْصَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ : فَقَالَ الشَّفِيعُ : أُسَلِّمُ بَيْعَ النَّقْضِ وَآخُذُهُ مِنْ مُبْتَاعِهِ بِالشُّفْعَةِ ، امْتَنَعَ ، لِأَنَّ تَسْلِيمَ بَيْعِ النَّقْضِ يُصَيِّرُهُ شَرِيكًا لِمُبْتَاعِ النَّقْضِ فِي نَقْضٍ مُفْرَدٍ ، وَلَا شُفْعَةَ فِي النَّقْضِ الْمُفْرَدِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَغَيْرُهُ : إِذَا اشْتَرَى نَصِيبَكَ مِنْ ثَمَرَةٍ فَلَمْ يَأْتِ الشَّفِيعُ حَتَّى فَاتَتْ فَلَا شُفْعَةَ ، وَبَاعَ مِنْهَا يَسِيرًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوَهَا فَالشَّفِيعُ أَحَقُّ بِمَا أَدْرَكَ مِنْهَا ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَا يَحُطُّ الشَّفِيعُ لِأَجْلِ هَدْمٍ شَيْئًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَنَ حَتَّى تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ .
تَمْهِيدٌ : تُتَصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ عِلْمِ الشَّفِيعِ غَصْبًا . . وَإِنَّمَا يُبْنَى وَيُغْرَسُ بَعْدَ الْقَسْمِ وَحِينَئِذٍ لَا شُفْعَةَ ، وَقَدْ صَوَّرَهَا فِي صُوَرٍ وَقَعَتْ فِيهَا الْقِسْمَةُ بَعْدَ الشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ إِسْقَاطِ شُفْعَةٍ ، مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ غَائِبًا فَيَطْلُبُ الْمُشْتَرِي الْقِسْمَةَ فَيُقَاسِمُهُ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ ، أَوْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي كَذَبَ فِي الثَّمَنِ فَتَرَكَ الِاسْتِشْفَاعَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فَطَلَبَ ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ غَائِبًا وَوَكَّلَ فِي مُقَاسَمَةِ شَرِيكِهِ وَلَمْ يَأْخُذْ بِالشُّفْعَةِ ، أَوْ يَكُونَ الشَّفِيعُ غَائِبًا وَلَهُ وَكِيلٌ حَاضِرٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فَبَاعَ الشَّرِيكُ فَلَمْ يَرَ الْوَكِيلُ الْأَخْذَ وَقَاسَمَ ، أَوْ يَقُولُ : اسْتَوْهَبْتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ .
فِي الْكِتَابِ : إِذَا لَمْ يَحْضُرِ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ انْتَظَرَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، قَالَ التُّونِسِيُّ : اخْتُلِفَ فِي تَأْخِيرِ الْمُشْتَرِي ، فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُؤَخَّرُ فِي النَّقْدِ ، وَعَنْهُ : يُؤَخَّرُ إِلَى الثَّلَاثِ ، وَإِذَا تَلَوَّمَ فِي النَّقْدِ فَلَمْ يَأْتِ : قَالَ أَشْهَبُ : يُبَاعُ الشِّقْصُ وَغَيْرُهُ فِي الثَّمَنِ ، 356 وَقِيلَ : يَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ ، وَالْأَشْبَهُ تَخْيِيرُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ عَلَى أَخْذِ الثَّمَنِ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى مِنْهُ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالثَّمَنِ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْضَ بِالْبَيْعِ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِشَرْطِ مَجِيئِهِ بِالثَّمَنِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ، وَهِيَ مُدَّةُ التَّلَوُّمِ ثَلَاثًا ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ مُحَمَّدٌ : إِنَّمَا يُؤَخَّرُ إِلَى الثَّلَاثِ إِذَا أَخَذَ ، أَمَّا إِذَا وَقَفَهُ الْإِمَامُ : فَقَالَ : أَخِّرُونِي لِأَنْظُرَ فِي ذَلِكَ ، فَلَا بَلْ يَأْخُذُ شُفْعَتَهُ فِي مَقَامِهِ ، وَإِلَّا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يُؤَخِّرُهُ الْإِمَامُ إِلَى الثَّلَاثِ لِيَسْتَشِيرَ وَيَنْظُرَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَإِنْ وَقَفَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ فَذَلِكَ بِيَدِهِ حَتَّى يُوقِفَهُ الْإِمَامُ ، وَإِذَا أَخَذَ وَأُخِّرَ بِالثَّمَنِ فَمَضَتِ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ لِعَجْزِ الشَّفِيعِ ، وَإِنْ أَخَذَ أَوْ أَخَّرَ لِيَأْتِيَ بِالثَّمَنِ ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ وَيَأْبَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَهُ لَزِمَهُ الْأَخْذُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِيعَ عَلَيْهِ مَا شَفَعَ فِيهِ وَحِصَّتُهُ الْأَصْلِيَّةُ ، حَتَّى يُوفِيَ الْمُشْتَرِي إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُشْتَرِي بِالْإِقَالَةِ ، قَالَ الْلَخْمِيُّ : لِلْمُشْتَرِي الْقِيَامُ عَلَى الشَّفِيعِ فَيَأْخُذُ أَوْ يَتْرُكُ ، وَإِلَّا رَفَعَهُ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَلْزَمَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا قِيلَ : كَالْأَوَّلِ وَقِيلَ : يُمْهَلُ إِلَى الثَّلَاثِ ، قَالَهُ مَالِكٌ ، وَعَنْهُ إِلَى الْعَشَرَةِ ، وَعَنْ أَصْبَغَ : الْخَمْسَةَ عَشَرَ إِلَى الْعِشْرِينَ بِقَدْرِ الشِّقْصِ وَمَا يَحْتَاجُ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ ، وَالشَّهْرُ إِنْ رَأَى ذَلِكَ الْحَاكِمُ ، وَإِذَا أَخَذَ وَلَمْ يَأْتِ بِالْمَالِ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ إِمْضَاءِ الْأَخْذِ وَيُبَاعُ ذَلِكَ الشِّقْصُ وَغَيْرُهُ فِي الثَّمَنِ ، أَوْ يُرَدُّ ، وَكَذَلِكَ إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ لِذَلِكَ الْأَجَلِ وَلَمْ يَزِدْهُ عَلَيْهِ ، أَمَّا إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ : إِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ فَلَا شُفْعَةَ فَعَجَزَ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُسَلِّمَهُ لِيُبَاعَ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ لِسُقُوطِ الْحَقِّ عَنْهُ بِالتَّسْلِيمِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَوْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ لِيَتَرَوَّى ، فَفِي وُجُوبِ إِسْعَافِهِ لِذَلِكَ خِلَافٌ ، وَيَمْلِكُ الشَّفِيعُ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمُشْتَرِي ، وَيَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ الطَّلَبِ ، وَبِمُجَرَّدِ الْإِشْهَادِ عَلَى الْأَخْذِ ، وَبِقَوْلِهِ : أَخَذْتُ وَتَمَلَّكْتُ ، ثُمَّ تَلْزَمُهُ إِنْ عَلِمَ بِقَدْرِ الثَّمَنِ ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَفِي النَّوَادِرِ : أَجْمَعَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، قَالَ أَشْهَبُ : وَإِلَيْهِ يَدْفَعُ الثَّمَنَ إِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ دَفَعَهُ لِلْبَائِعِ ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي قَبْضُ الشِّقْصِ ; فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا وَلَمْ يَدْفَعِ الثَّمَنَ دَفَعَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي قَبْضُ الشِّقْصِ لِلشَّفِيعِ ، وَإِنْ شَاءَ الشَّفِيعُ قَبَضَهُ مِنَ الْبَائِعِ ، وَالْعُهْدَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ ; فَإِنْ غَابَ الْمُبْتَاعُ 357 قَبْلَ أَنْ يُنْقَدَ فَمَنَعَ الْبَائِعُ الشِّقْصَ لِأَجْلِ الثَّمَنِ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَنْظُرُ السُّلْطَانُ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : إِنْ عُرِفَتْ غَيْبَتُهُ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَقْدِمَ لِيَكْتُبَ عَلَيْهِ الْعُهْدَةَ ، وَإِنْ بَعُدَتْ قُضِيَ لِلشَّفِيعِ بِشُفْعَتِهِ ، وَلِلْبَائِعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْضَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ قَبَضَهُ أَخَذَهُ الْإِمَامُ مِنَ الشَّفِيعِ فَوَقَفَهُ لِلْمُبْتَاعِ ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْعُهْدَةَ ; فَإِنْ قَدِمَ أَشْهَدَ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ; فَإِنْ مَاتَ فَالْعُهْدَةُ عَلَى تَرِكَتِهِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَإِذَا حَكَمَ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِالشُّفْعَةِ فَأَبَى مَنْ أَخَذَ الثَّمَنَ فَأَرَى أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِهَا ، وَتُكْتَبَ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمُبْتَاعِ ، وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ فَيُوَقِفُهُ لَهُ ، وَقَدْ بَرِئَ مِنْهُ الشَّفِيعُ ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ : إِنْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ الشِّقْصَ وَسَكَنَهُ ، ثُمَّ مَاتَ وَقَامَ غُرَمَاؤُهُ وَقَامَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ وَقَامَ الشَّفِيعُ : فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِالثَّمَنِ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْفَلَسِ لَا فِي الْمَوْتِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَلَوْ فَلَّسَ الْمُبْتَاعُ فَالشَّفِيعُ أَحَقُّ بِالشِّقْصِ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ لِثُبُوتِ حَقِّهِ بِالْعَقْدِ .
فَرْعٌ
فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ : إِذَا اشْتَرَى حَظَّ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ فِي ثَلَاثِ صَفَقَاتٍ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ ذَلِكَ بِأَيِّ صَفْقَةٍ شَاءَ ; فَإِنْ أَخَذَ بِالْأُولَى لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ شُفْعَةٌ ، لِعَدَمِ بَقَاءِ شَرِكَتِهِ ، أَوْ بِالثَّانِيَةِ فَالْأَوَّلُ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ ، أَوْ بِالثَّالِثَةِ اسْتَشْفَعَ بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ; فَإِنْ كَانَتِ الصَّفْقَةُ وَاحِدَةً فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ بَعْضِهِمَا لِتَضَرُّرِ الْمُشْتَرِي بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا أَخَذَ وَلَمْ يَقْبِضْ حَتَّى انْهَدَمَتْ فَالضَّمَانُ مِنَ الشَّفِيعِ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : لَا يَضْمَنُ الْمُبْتَاعُ لِلشَّفِيعِ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنْ هَدْمٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ مَا غَارَ مِنْ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ ، وَلَا يَحُطُّ الشَّفِيعُ لِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الثَّمَنِ لِئَلَّا تَتَفَرَّقَ 358 الصَّفْقَةُ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُخَيَّرُ : إِمَّا يَأْخُذُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ هَدَمَ الْمُبْتَاعُ الْبِنَاءَ لِيَبْنِيَهُ أَوْ يُوَسِّعَ فِيهِ : فَإِمَّا أَخَذَهُ مَهْدُومًا مَعَ نَقْضِهِ بِالثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ الْمُبْتَاعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَحْصُلُ لَهُ ، وَلَوْ هَدَمَ ثُمَّ بَنَى يَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ مَا عُمِّرَ ، وَإِلَّا فَلَا يُقَامُ الضَّرَرُ ، وَلَوْ هَدَمَهَا وَبَاعَ النَّقْضَ ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ نَصِفَهَا وَقَدْ فَاتَ النَّقْضُ عِنْدَ مُبْتَاعِهِ ; فَإِنْ لَمْ يُجِزِ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيْعَ فِي نَصِيبِهِ أَخَذَ نِصْفَهَا وَنِصْفَ ثَمَنِ النَّقْضِ بِالِاسْتِحْقَاقِ ، وَلَهُ بَقِيَّتُهَا بِالشُّفْعَةِ ; فَإِنْ أَخَذَهُ قُسِّمَ ثَمَنُ نِصْفِ الدَّارِ عَلَى قِيمَةِ نِصْفِ الْأَرْضِ ، وَقِيمَةِ نِصْفِ النَّقْضِ يَوْمَ الصَّفْقَةِ ، ثُمَّ أَخَذَ نِصْفَ الْأَرْضِ بِمَا يَنُوبُهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى ثَمَنِ مَا بَاعَ مِنْهُ ، وَأَمَّا مَا قَابَلَ ذَلِكَ مِنَ النَّقْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِفَوَاتِهِ ، وَثَمَنُهُ لِلْمُبْتَاعِ ، وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْتَحِقُّ النَّقْضَ لَمْ يَبِعْ أَوْ بِيعَ وَهُوَ حَاضِرٌ لَمْ يَفُتْ ، فَلَهُ نِصْفُهُ مَعَ نِصْفِ الْعَرْصَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ ، وَبَاقِيهَا بِالشُّفْعَةِ ، وَلَا يَضْمَنُ الْمُبْتَاعُ فِي الْوَجْهَيْنِ هَدْمَهُ ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الدَّارِ مَهْدُومًا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ حِصَّتَهُ ، وَلَوْ هَدَمَ الدَّارَ أَجْنَبِيٌّ وَأَتْلَفَ النَّقْضَ فَلَمْ يَقُمِ الْمُبْتَاعَ حَتَّى قِيَامَ الْمُسْتَحِقِّ وَاسْتَشْفَعَ فَلَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ بِالتَّقْدِيمِ ، ثُمَّ يَفُضُّ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ مَا هُدِمَ وَمَا بَقِيَ فَيَأْخُذُهُ بِحِصَّتِهِ ، ثُمَّ يَتْبَعُ الْمُشْتَرِي الْهَادِمَ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا هَدَمَ ، وَيَتْبَعَهُ الْمُسْتَحِقُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَلَوْ تَرَكَ الْمُبْتَاعُ لِلْهَادِمِ قِيمَةَ مَا هَدَمَ ، فَلِلْمُسْتَحِقِّ طَلَبُ الْهَادِمِ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ مِنَ النِّصْفِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَتَسْقُطُ عَنْهُ حِصَّةُ الْمُبْتَاعِ ، وَإِنْ كَانَ الْهَادِمُ عَدِيمًا اتَّبَعَهُ الْمُسْتَحِقُّ دُونَ الْمُبْتَاعِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَوْهُوبِ فِي الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ كَالْمُشْتَرِي ، وَلَوْ وَهَبَ الدَّارَ مُبْتَاعُهَا ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ نِصْفُهَا أَخَذَ بَاقِيهَا بِالشُّفْعَةِ ، وَثَمَنُ النِّصْفِ الْمُسْتَشْفَعِ لِلْوَاهِبِ ، بِخِلَافِ مَنْ وَهَبَ شِقْصًا ابْتَاعَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ شَفِيعًا قِيمَتُهُ لِلْمَوْهُوبِ إِذَا أَخَذَهُ الشَّفِيعُ ، وَمَنْ وَهَبَ أَمَةً ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ بُحُرِّيَّةٍ أَوْ أَنَّهَا مَسْرُوقَةٌ ، فَمَا رَجَعَ بِهِ مِنْ ثَمَنِهَا فَلِلْوَاهِبِ دُونَ الْمَوْهُوبِ ، قَالَ التُّونِسِيُّ : إِذَا بَاعَ النَّقْضَ وَكَانَ قَائِمًا فَأَحْسَنُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ إِلَّا بِأَنْ يَنْقُضَ بَيْعَ النَّقْضِ وَيَأْخُذَهُ ، إِذْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْعَرْصَةِ بِمَا يَنُوبُهَا مِنَ الثَّمَنِ مَعَ وُجُودِ النَّقْضِ ; فَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ : قِيلَ : لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعَرْصَةَ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَخْذِ النَّقْضِ ; فَإِنْ عَرَفَ 359 مَا يَنُوبُ النَّقْضُ مِنَ الثَّمَنِ وَمَا يَنُوبُ الْعَرْصَةَ ، قِيلَ : لَا يَلْزَمْ ذَلِكَ الْبَائِعُ لِلنَّقْضِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِبَيْعٍ يُرَخَّصُ لِبَقَاءِ الْأَصْلِ ، فَإِذَا أَخَذَ فَلَا تَرْضَيْ ( كَذَا ) بِثَمَنِ النَّقْضِ فَالْقَوْلُ لَهُ ; فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ لِلنَّقْضِ بِذَلِكَ قِيلَ : ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ بَيِّنٌ ، لِأَنَّهُ كَمَنْ رَاضَاهُ عَلَى أَخْذِ بَعْضِ مَا لَهُ مِنَ الشُّفْعَةِ وَيُسَلِّمُ بَعْضَهَا فَأَمَّا لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ بَيْعَ نَصِيبِهِ مِنَ النَّقْضِ فِي نَصِيبِهِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ ، وَأَخَذَ النِّصْفَ الْآخَرَ مَعَ نِصْفِ الْعَرْصَةِ بِالشُّفْعَةِ دُونَ الْأَنْقَاضِ يُخَيِّرُ الْمُشْتَرِي فِي النِّصْفِ لِمُسْتَحَقٍّ مِنَ النَّقْضِ ; فَإِنْ قِيلَ : لِمَ جَعَلْتُمْ لَهُ الْخِيَارَ وَهُوَ لَوِ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ نِصْفُ النَّقْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ هَاهُنَا لِنِصْفِ النَّقْضِ قَادِرٌ عَلَى إِجَازَةِ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَالْمَأْخُوذُ بِالشُّفْعَةِ إِذَا أُخِذَ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ النَّقْضِ كَمَنِ اشْتَرَى جُمْلَةَ سِلْعَةٍ بِالصِّفَةِ ، لَيْسَ لَهُ إِمْضَاءُ بَعْضِهَا دُونَ الْبَعْضِ إِلَّا قَوْلٌ لِأَصْبَغَ ; فَإِنْ فَاتَ النَّقْضُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَهُ نِصْفُ ثَمَنِهِ فِي النِّصْفِ الْمُسْتَحَقِّ وَيَفُضُّ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الْقَاعَةِ يَوْمَ الْبَيْعِ ، وَعَلَى النَّقْضِ مَنْقُوضًا وَيَحُطُّ مِنْ ذَلِكَ مَا قَابَلَ النَّقْضَ فِي نِصْفِ الشُّفْعَةِ ، وَيَأْخُذُ بِالْقَاعَةِ بِمَا يَنُوبُهَا وَجَعَلَتُ ذَلِكَ كَسِلْعَةٍ جُمِعَتْ مَعَ النَّقْضِ فَتُمْضَى بِمَا يَنُوبُهَا مِنَ الثَّمَنِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : إِنَّمَا يَحْسُبُ الْأَقَلَّ مِمَّا أَخَذَ مِنْ ثَمَنِ النَّقْضِ ، أَوْ مَا يَنُوبُ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُشْتَرِي إِذَا بَاعَ النَّقْضَ بِأَقَلَّ مِمَّا يَنُوبُهُ مِنَ الثَّمَنِ مَنْقُوضًا كَمَا إِذَا نُقِضَ عِنْدَهُ ، فَلَمَّا لَمْ يُحَاسَبْ بِهَا إِذَا هَلَكَتْ وَكَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ فِيهَا مِنَ الثَّمَنِ مِثْلَ نِصْفِ قِيمَتِهَا قَبْلُ ، وَكَانَ يَجِبُ إِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرِ مِمَّا يَنُوبُهُ مِنَ الثَّمَنِ أَنْ يَحُطَّ ذَلِكَ عَنِ الشَّفِيعِ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخْسَرْ لَمْ يَرْبَحْ ، وَإِنَّمَا ضَمَّنَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَدْرِ مَا يَنُوبُهُ مِنَ النَّقْضِ ، لِأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ النَّقْضَ عِنْدَهُ فَانْتَفَعَ بِهِ الْمَوْهُوبُ وَأَفَاتَهُ فَضَّ الثَّمَنَ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِثْلَ هَلَاكِهَا عِنْدَهُ ، لِأَنَّ هَلَاكَهَا عِنْدَ الْمَوْهُوبِ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَرَأَى أَشْهَبُ أَنَّ ثَمَنَ الْأَنْقَاضِ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ لَمَّا كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ ، وَإِنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَأَخَذَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَنَاهَا بِنَقْضِهَا لَكَانَ عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ 360 الْمُسْتَشْفَعِ قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا ، وَحَطَّ عَنْهُ قَدْرَ مَا يَنُوبُ النَّقْضُ مِنَ الْعَرْصَةِ يَوْمَ الْبَيْعِ ، وَأَمَّا فِي النِّصْفِ الْمُسْتَحَقِّ فَلَهُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ النَّقْضِ يَوْمَ بِنَائِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَفَاتَهُ ، وَإِذَا هَدَمَ الدَّارَ فَبَنَاهَا بِنَقْضِهَا فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ لِنِصْفِهَا أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ قِيمَةِ النَّقْضِ الْمُسْتَحَقِّ يَوْمَ بِنَائِهِ ، وَقِيلَ لَهُ : ادْفَعْ قِيمَةَ نِصْفِ الْبِنَاءِ قَائِمًا ; فَإِنِ امْتَنَعَ : قِيلَ لِلْمُشْتَرِي : ادْفَعْ إِلَيْهِ قِيمَةَ الْقَاعَةِ ; فَإِنْ فَعَلَ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الثَّانِي بِالشُّفْعَةِ فَضَّ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ النَّقْضِ مَنْقُوضًا وَقِيمَةِ الْعَرْصَةِ يَوْمَ الْبَيْعِ ، يَأْخُذُ بِذَلِكَ وَبِقِيمَةِ نِصْفِ الْبِنَاءِ قَائِمًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا بَاعَ فَإِنَّهُ يَسْتَشْفِعُ ، وَلَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِذَا بَاعَ الشِّقْصَ الَّذِي يَسْتَشْفِعُ بَعْدَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ لَهُ هَاهُنَا ، وَإِذَا جَنَى عَلَى الدَّارِ رَجُلٌ فَهَدَمَهَا ، ثُمَّ لَمْ يُؤْخَذْ ، وَجَاءَ الشَّفِيعُ فَمَا قَابَلَ نِصْفَهُ مِنْ ذَلِكَ اتَّبَعَ بِهِ الْهَادِمَ ، وَمَا قَابَلَ النِّصْفَ الْمُسْتَشْفَعَ : فَذَكَرَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ الشَّفِيعَ إِذَا أَخَذَ فَضَّ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ النَّقْضِ مَنْقُوضًا ، وَعَلَى قِيمَةِ الْعَرْصَةِ ، فَيَأْخُذُ ذَلِكَ الشَّفِيعُ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَتْبَعُ بِهِ الْمُشْتَرِي الْهَادِمَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ ; فَإِنَّهَا كَالْبَيْعِ سَوَاءٌ ، وَلَا يُشَبَّهُ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ لِأَنَّ الْبَائِعَ إِنَّمَا بَاعَ مَهْدُومًا ، وَمَا أَحْدَثَ هُوَ مِنَ الْهَدْمِ لَا يَضْمَنُهُ فَلَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ ، فَالْجَانِي هَاهُنَا مُتَعَدٍّ فِي الْهَدْمِ ، وَهُوَ يُتْبَعُ بِمَا هَدَمَ قَائِمًا فَكَيْفَ يَرْبَحُ الْمُشْتَرِي ؟ وَأَمَّا مُحَمَّدٌ : فَجَعَلَ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَخْذِ مِنَ الْهَادِمِ وَهُوَ أَبْيَنُ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُ لَمْ يَنْتَفِعِ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ ، فَأَشْبَهَ الْهَدْمَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَالْبِنَاءُ يُفِيتُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ ; فَإِنْ فَاتَ النَّقْضُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَخَذَ الشَّفِيعُ بِالْقِيمَةِ ; فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ رَدَّ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَفُوتَ عِنْدَ الشَّفِيعِ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضَهُ هُوَ ، أَوِ الْقِيمَةُ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ لِفَوَاتِهِ عِنْدَهُ ; فَإِنْ قَالَ : فَإِنِّي لَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ رَدَّ قِيمَةَ مَا قَبَضَ ، وَإِنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ أَخَذَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ كَانَ أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ فَوَاتِهِ لَرَدَّ إِنْ لَمْ يَفُتْ عِنْدَهُ ; فَإِنْ فَاتَ عِنْدَهُ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ كَمَا تَقَدَّمَ ; فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ اشْتَرَى بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ أَسْلَفَ عَشَرَةً وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمَائَةٍ فَلَهُ رَدُّهُ ، وَإِذَا رَدَّهُ انْفَسَخَ الْأَوَّلُ ، وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمَائَةٍ عَلَى أَنْ أَسْلَفَ عَشَرَةَ الشَّفِيعِ وَقَالَ : اشْتَرَيْتُهَا بِمِائَةٍ فَبَاعَهَا عَلَى 361 ذَلِكَ ; فَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْمِائَةِ أَخَذَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا ; فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْمِائَةِ أَوْ تَنْقُصْ عَنِ التِسْعِينَ ، وَقِيلَ : تُقَوَّمُ الْعَشَرَةُ السَّلَفُ فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا خَمْسَةً : كَانَ ثَمَنُهَا خَمْسَةً وَتِسْعِينَ ، فَلَا يَنْقُضُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمِائَةِ ، وَهَذَا الْبَيْعُ الثَّانِي لَيْسَ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ ، بَلْ بَيْعُ تَدْلِيسِ كَالْكَذِبِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَتَقْوِيمُ السَّلَفِ أَوْجُهٌ ، لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُقَوِّمِ السَّلَفَ وَكَانَتْ قِيمَتُهَا تِسْعِينَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمُشْتَرِي ، لِأَنَّهُ يَقُولُ : أَخْرَجْتُ مِائَةً ، وَإِنَّمَا دَفَعَ لِي عَشَرَةً لِأَرُدَّهَا فَأَنَا لِي فِيهَا الِانْتِفَاعُ ، فَهُوَ الَّذِي يَحُطُّ مِنَ الْمَائَةِ ، وَإِذَا تَمَسَّكَ بِهَا الْمُشْتَرِي كَانَ ذَلِكَ فَوْتًا لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ الثَّانِي ، كَمَنِ اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا فَبَاعَ وَدَلَّسَ بِعَيْبٍ فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ ، وَإِذَا اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ فَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجَعَ بَائِعُ الشِّقْصِ عَلَى مُشْتَرِيهِ بِقِيمَةِ شِقْصِهِ ، فَكَانَ ثَمَنُ شِقْصِهِ سِتِّينَ فَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، لِأَنَّ أَخْذَ الشَّفِيعِ تَفْوِيتٌ ، وَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ بِأَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قِيمَةُ الشِّقْصِ أَرْبَعِينَ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الشِّقْصِ سِتِّينَ : فَالْآخِذُ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَدَّى عَشَرَةً تَمَامَ قِيمَةِ الشِّقْصِ أَوْ يَرُدُّ الشِّقْصَ فَيَرْجِعُ إِلَى بَائِعِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ اسْتَرْجَعَ عَشَرَةً ، لِأَنَّهُ قَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّ قِيمَتَهُ هُوَ ثَمَنُهُ فِيهِ ، وَأَمَّا حِنْطَةٌ بِعَيْنِهَا فَاسْتُحِقَّتْ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ ، وَلَا شُفْعَةَ ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : يُؤْتَى بِمِثْلِ الطَّعَامِ ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ : لَمْ يُرَدَّ وَغَرِمَ مِثْلَ طَعَامِهِ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يُغَرَّمُ مُشْتَرِي الشِّقْصِ ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الشَّفِيعَ هُوَ الَّذِي يَغْرَمُ مِثْلَ الطَّعَامِ ; فَإِنْ بَايَعَ الشِّقْصَ بِمِثْلِ الطَّعَامِ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ ، وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ لَمَّا فَاتَ بِالْأَخْذِ وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ إِتْمَامِ الْبَيْعِ فِيهِ كَانَ غَرْمُ مِثْلِ الطَّعَامِ أَهْوَنَ غَرِمَ قِيمَتَهُ ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ ، لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَا يُرَادُ بِعَيْنِهِ فَيُشْبِهُ الذَّهَبَ فَيُؤْتَى بِمِثْلِهِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَفِي النَّوَادِرِ : لَوْ تَصَرَّفَ الْمُبْتَاعُ فِي رَقِيقِ الْحَائِطِ وَوَهَبَهُمْ فَهُوَ كَالْبَيْعِ ، يَأْخُذُ الْحَائِطُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَأَمَّا فِي الْمَوْتِ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَدَعَ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ أَشْهَبُ : وَلَوِ اشْتَرَى أَشْقَاصًا فَانْهَدَمَ بَعْضُهَا فَلَا يَأْخُذُ إِلَّا الْجَمِيعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ ، انْهَدَمَ أَوْ هَدَمَهُ الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ بَاعَ الْمُبْتَاعُ حِصَّتَهُ مِنْ رَقِيقِ الْحَائِطِ وَآلَتِهِ لَيْسَ 362 لِلشَّفِيعِ تَسْلِيمُ بَيْعِ الرَّقِيقِ وَآلَاتِهِ وَأَخْذُ الشِّقْصِ مِنَ الْحَائِطِ ، لِأَنَّهُ بِيعَ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ إِلَّا أَنْ يَفُوتَ ذَلِكَ الرَّقِيقَ وَكَذَلِكَ النَّقْضُ مَعَ الْعَرْصَةِ ، وَلَوْ بَاعَ الْمُبْتَاعُ الشِّقْصَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ : فَقَالَ الشَّفِيعُ : أُسَلِّمُ بَيْعَ النَّقْضِ وَآخُذُهُ مِنْ مُبْتَاعِهِ بِالشُّفْعَةِ ، امْتَنَعَ ، لِأَنَّ تَسْلِيمَ بَيْعِ النَّقْضِ يُصَيِّرُهُ شَرِيكًا لِمُبْتَاعِ النَّقْضِ فِي نَقْضٍ مُفْرَدٍ ، وَلَا شُفْعَةَ فِي النَّقْضِ الْمُفْرَدِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَغَيْرُهُ : إِذَا اشْتَرَى نَصِيبَكَ مِنْ ثَمَرَةٍ فَلَمْ يَأْتِ الشَّفِيعُ حَتَّى فَاتَتْ فَلَا شُفْعَةَ ، وَبَاعَ مِنْهَا يَسِيرًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوَهَا فَالشَّفِيعُ أَحَقُّ بِمَا أَدْرَكَ مِنْهَا ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَا يَحُطُّ الشَّفِيعُ لِأَجْلِ هَدْمٍ شَيْئًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَنَ حَتَّى تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ .
تَمْهِيدٌ : تُتَصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ عِلْمِ الشَّفِيعِ غَصْبًا . . وَإِنَّمَا يُبْنَى وَيُغْرَسُ بَعْدَ الْقَسْمِ وَحِينَئِذٍ لَا شُفْعَةَ ، وَقَدْ صَوَّرَهَا فِي صُوَرٍ وَقَعَتْ فِيهَا الْقِسْمَةُ بَعْدَ الشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ إِسْقَاطِ شُفْعَةٍ ، مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ غَائِبًا فَيَطْلُبُ الْمُشْتَرِي الْقِسْمَةَ فَيُقَاسِمُهُ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ ، أَوْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي كَذَبَ فِي الثَّمَنِ فَتَرَكَ الِاسْتِشْفَاعَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فَطَلَبَ ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ غَائِبًا وَوَكَّلَ فِي مُقَاسَمَةِ شَرِيكِهِ وَلَمْ يَأْخُذْ بِالشُّفْعَةِ ، أَوْ يَكُونَ الشَّفِيعُ غَائِبًا وَلَهُ وَكِيلٌ حَاضِرٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فَبَاعَ الشَّرِيكُ فَلَمْ يَرَ الْوَكِيلُ الْأَخْذَ وَقَاسَمَ ، أَوْ يَقُولُ : اسْتَوْهَبْتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث