الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثامن
الصفحة 1130 · ص. المطبوع 80
الرُّكْنُ الثَّانِي : الْمَرْهُونُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : شَرْطُهُ إِمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ ، أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ ، أَوْ مِنْ ثَمِنِ مَنَافِعِهِ - الدَّيْنَ الَّذِي رُهِنَ بِهِ ، أَوْ بَعْضِهِ ; لِأَنَّهُ حِكْمَةُ الرَّهْنِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا ، فَيَصِحُّ رَهْنُ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمَشَاعِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ بَيْعِهِ فِي الْحَالِ كَالثَّمَرَةِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَخْذُ الْحَقِّ عِنْدَ الْأَجَلِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : يَمْتَنِعُ مَا يَفْسُدُ بِنَفْسِهِ كَالْوَرْدِ ، وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ . قَالُوا : وَيَمْتَنِعُ كَوْنُ الْمَبِيعِ رَهْنًا ، سَوَاءٌ قُبِضَ وَرُهِنَ أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ عِنْدَ الشَّرْطِ لَيْسَ مِلْكَ الرَّاهِنِ . وَلَهُمْ فِي الدَّيْنِ قَوْلَانِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ ، أَوْ هُوَ غَرَرٌ لِتَوَقُّعِ عَدَمِ الدَّفْعِ ، وَالْإِعْسَارِ ، وَمَنَعُوا رَهْنَ مَنْفَعَةِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا لِتَلَفِهَا قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ . وَكَذَلِكَ فِي الدَّيْنِ الْحَالِّ لِتَوَقُّعِ تَأْخِيرِ الْقَضَاءِ ، وَجَوَّزُوا الْأُصُولَ دُونَ الثِّمَارِ ، وَبِالْعَكْسِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ فِيهِمَا ، وَمَنَعَهَا ( ح ) لِاتِّصَالِ الثَّمَرَةِ بِمَا لَيْسَ بِرَهْنٍ ، وَهُوَ الْأُصُولُ ، فَأَشْبَهَ الْمُشَاعَ ، وَلِأَنَّ الْأُصُولَ مَشْغُولَةٌ بِمِلْكٍ ، وَجَوَّزُوا الْأَمَةَ دُونَ وَلَدِهَا لِبَقَاءِ الْمِلْكِ ، وَلَا تَفْرِقَةَ ، وَمَنَعُوا الْمُصْحَفَ ، وَكُتُبَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ ، وَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ ، وَكَذَلِكَ الْكُرَاعُ ، وَالسِّلَاحُ مِنَ الْحَرْبِيِّ ; لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمَسَّ مُصْحَفًا ، وَلَا هَذِهِ الْأُمُورُ لِتَوَقُّعِ الْفَسَادِ بِسَبَبِهَا . وَمَنَعَ ( ح ) الْمُسْتَعَارَ قِيَاسًا عَلَى 80 الْبَيْعِ ، وَجَوَّزَهُ ( ش ) مَعَنَا ; لِأَنَّ الْمُعِيرَ أَذِنَ . وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ يَعْتَمِدُ مَا يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْمِلْكُ ، وَلَا اسْتِقْرَارَ فِي الْمُعَارِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ ، وَأَنَّ مَقْصُودَهُ التَّرَفُّقُ . قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ : يَجُوزُ رَهْنُ مَا يَفْسَدُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ الرَّطِبَةِ ، فَإِذَا خِيفَ عَلَيْهَا بِيعَتْ ، وَأُقِيمَ ثَمَنُهَا مَقَامَهَا .
فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : يُرْهَنُ الدَّيْنُ ، وَحِيَازَتُهُ بِحِيَازَةِ ذُكْرِ الْحَقِّ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرِيمِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذُكْرُ حَقٍّ ، فَالْجَمْعُ كَافٍ ، وَيُشْهِدُ ، لَا يَقْضِيهِ غَرِيمُهُ حَتَّى يَصِلَ الْمُرْتَهِنُ إِلَى حَقِّهِ ، وَأَنَّهُ إِنْ فَعَلَ كَانَ مُتَعَدِّيًا ، وَيُغَرَّمُ الدَّيْنَ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ أَقَلَّ . فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ غَائِبًا ، وَلَا ذُكْرَ حَقٍّ كَفَى الْإِشْهَادُ ، وَفِيهِ خِلَافٌ .
وَيَصِحُّ رَهْنُكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِكَ ، وَتَحُوزُهُ مِنْ نَفْسِكَ لِنَفْسِكَ ، وَلَا يَدْفَعُ إِلَيْكَ ذُكْرُ الْحَقِّ ; لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَجْحَدَهُ ، وَإِنْ بِعْتَهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ، وَأَرْهَنْتَ دَيْنًا ، وَأَجَلُهُمَا سَوَاءٌ ؛ جَازَ الْبَيْعُ ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ حُلُولُ الْأَخِيرِ قَبْلُ ، فَإِنْ وَفَّى الرَّاهِنُ ، وَإِلَّا بِيعَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا مِنْ سَلَمٍ ، وَهُوَ حُرٌّ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَإِنْ كَانَ يَحِلُّ أَجَلُهُ قَبْلُ ، وَشَرَطَ بَقَاءَهِ لِحُلُولِ الدَّيْنِ الْآخَرِ امْتَنَعَ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ ، وَإِنْ شَرَطَ إِيقَافَهُ عِنْدَ عَدْلٍ جَازَ ، وَإِنْ سَكَتَا عَنْ إِخْرَاجِهِ وَإِيقَافِهِ جَازَ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : يَجُوزُ الْمُشَاعُ مُطْلَقًا انْقَسَمَ أَمْ لَا ، وَقَالَهُ ( ش ) ، وَابْنُ حَنْبَلٍ ، وَمَنَعَهُ ( ح ) مِنَ الشَّرِيكِ ، وَغَيْرِهِ ، وَمُدْرَكُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ دَوَامَ الْيَدِ هَلْ هِيَ لَيْسَتْ شَرْطًا - قَالَهُ ( ش ) - فَلَا يَضُرُّ رُجُوعُ الْمُشْتَرِكِ لِلشَّرِيكِ ، أَوْ هُوَ شَرْطٌ ، فَهَلْ يَضُرُّ كَأَخْذِ الشَّرِيكِ الْعَيْنَ الْمُشْتَرَكَةَ فِي نَوْبَتِهِ ؟ قَالَهُ ( ح ) ، أَوْ لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمِيعُ إِنْ رَهَنَ عِنْدَ الشَّرِيكِ ، وَيَحِلُّ مَحَلَّهُ إِنْ رَهَنَ عِنْدَ غَيْرِهِ . قَالَهُ مَالِكٌ .
لَنَا : عُمُومُ الْآيَةِ فِي الْمُشَاعِ وَغَيْرِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَرِهَانٌ ) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ فَلَا تَعُمُّ .
81 قُلْتُ : سُؤَالٌ صَحِيحٌ لَكِنْ نَعْنِي بِالْعُمُومِ أَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ الْمُشَاعِ وَغَيْرِهِ إِلَّا الْإِشَاعَةُ ، وَهِيَ لَا تَصْلُحُ فَارِقًا لِتَصَوُّرِ الْقَبْضِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ ، أَمَّا التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ الْوَضْعِيِّ فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَزِيدُ فِي الْعَيْنِ عَلَى الْحَقِّ الْمَالِكِ ، فَكَمَا لَا تُنَافِي الْإِشَاعَةُ الْمِلْكَ لَا تُنَافِي الرَّهْنَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَلِأَنَّهُمْ وَافَقُوا عَلَى رَهْنِ الْجَمِيعِ مِنِ اثْنَيْنِ فِي عَقْدٍ ، فَيَجُوزُ فِي عَقْدَيْنِ كَعَيْنَيْنِ .
احْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى النِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ زَوَاجُ امْرَأَةٍ دُونَ جُزْئِهَا ، وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ التَّوَثُّقُ بِدَوَامِ الْيَدِ ، وَالْإِشَاعَةُ تَمْنَعُ ، فَإِنَّ الْمُهَايَأَةَ مُسْتَحَقَّةٌ عِنْدَنَا بِالْإِجَازَةِ مِنَ الْحَاكِمِ عَلَيْهَا عِنْدَنَا ، وَعِنْدَكُمْ بِأَنْ يَبْدَأَ صَاحِبُهَا ، فَتَزُولَ الْيَدُ ، فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ شَرَطَهُ يَوْمًا رَهْنًا ، وَيَوْمًا لَا ، أَوْ نَقُولُ هُوَ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ ، فَلَا يَصِحُّ كَمَا إِذَا رَهَنَهُ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ ، وَلِأَنَّ عُقُودَ الرِّفْقِ تُفْسِدُهَا الْإِشَاعَةُ كَالْقَرْضِ ، وَالْقِرَاضِ ، وَقِيَاسًا عَلَى الْكَفَالَةِ بِجَامِعِ التَّوَثُّقِ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ مَقْصُودَ النِّكَاحِ الْحِلُّ ، وَالْإِشَاعَةُ تُنَافِيهِ ، وَلَا تُنَافِي التَّوَثُّقَ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الرَّهْنِ ; لِأَنَّ زَوَاجَ امْرَأَةٍ لِرَجُلَيْنِ بَاطِلٌ بِخِلَافِ رَهْنِ عَبْدٍ عِنْدَ اثْنَيْنِ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ الْيَدَ مُسْتَمِرَّةٌ عِنْدَنَا بِمَنْعِ الرَّاهِنِ رَهْنَ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَعَنِ الثَّالِثِ : أَنَّ الْفَرْقَ تَعَذُّرُ الْبَيْعِ عِنْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ فِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ ، وَقَبُولُ الْمُشَاعِ لَهُ ، وَعَنِ الرَّابِعِ : الْفَرْقُ بِتَعَذُّرِ الْمُطَالَبَةِ ، وَلَا يَتَعَذَّرُ الْبَيْعُ .
فَإِنْ قَالُوا : بَلْ نَقِيسُ عَلَى الْكَفَالَةِ بِنِصْفِ الْبَدَنِ .
قُلْنَا : تَصِحُّ الْكَفَالَةُ . قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ : لَوْ تَكَفَّلَ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا كَفِيلًا لِلْآخَرِ ، فَأَحْضَرَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْرَأِ الْآخَرُ .
تَفْرِيعٌ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : يَقْبِضُ الْمُرْتَهِنُ الْجَمِيعَ ، وَيَحِلُّ مَحَلَّ الرَّاهِنِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَضَعَاهُ عَلَى يَدَيِ الشَّرِيكِ ، فَإِنْ أَرَادَ الشَّرِيكُ الْبَيْعَ قَاسَمَهُ الرَّاهِنُ ، وَهُوَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنُ ، فَإِنْ غَابَ الرَّاهِنُ قَسَّمَ الْإِمَامُ عَنْهُ ; لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ فِي أَمْوَالِ الْغَيْبِ . قَالَ التُّونِسِيُّ : إِذَا ارْتَفَعَتْ يَدُ الرَّاهِنِ ، وَصَارَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ الشَّرِيكِ صَحَّ الْحَوْزُ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : مَا يَنْتَقِلُ كَالْعَبْدِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ كُلِّهِ ، أَوْ عَلَى يَدِ 82 الشَّرِيكِ ، أَوْ غَيْرِهِمَا . بِخِلَافِ مَا لَا يَنْتَقِلُ لِعُسْرِ حَوْزِهِ . وَمَنَعَ أَشْهَبُ رَهْنَ الْمُشَاعِ إِلَّا بِإِذْنِ الشَّرِيكِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدْعُوهُ إِلَى بَيْعِ الْجَمِيعِ . فَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ كُلُّهَا لِلرَّاهِنِ ، فَقِيلَ : يُمْنَعُ حَتَّى يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ الْجَمِيعَ ، أَوْ يَكُونَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ تَحْقِيقًا لِلْحَوْزِ ، وَقِيلَ : تَكُونُ يَدُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ الرَّاهِنِ كَمَا يَقْبِضُ فِي الْبَيْعِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : إِذَا رَهَنْتَ نَصِيبَكَ مِنَ الدَّارِ ، وَجَعَلْتَهُ عَلَى يَدِ الشَّرِيكِ ، وَرَهَنَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ ، وَجَعَلَهُ عَلَى يَدِ الشَّرِيكِ الرَّاهِنِ بَطَلَ رَهْنُهُمَا لِرُجُوعِ أَيْدِيهِمَا عَلَى الدَّارِ . وَلَوْ جَعَلَ الثَّانِي نَصِيبَهُ عَلَى يَدِ أَجْنَبِيٍّ بَطَلَ نَصِيبُ الَّذِي بَقِيَتْ يَدُهُ عَلَى الدَّارِ . وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي : يَتِمُّ نَصِيبُهُ لِحَوْزِ أَجْنَبِيٍّ مَعَهُ . وَعَلَى هَذَا إِذَا رَهَنَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ ثُمَّ أَكْرَى نَصِيبَ شَرِيكِهِ ، فَإِنْ بَقِيَتْ يَدُهُ مَعَ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الرَّهْنُ ، وَلَكِنْ يُقَاسِمُهُ ، وَيَكُونُ مَا أَكْرَى عَلَى يَدِ الْحَائِزِ . وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ إِنِ ارْتَهَنَ الدَّارَ ، فَأَكَرَاهَا مِنْ رَجُلٍ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ، فَأَكَرَاهَا الْمُكْتَرِي مِنَ الرَّاهِنِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُكْتَرِي مِنْ نَاحِيَةِ رَبِّ الدَّارِ فَسَدَ الْكِرَاءُ وَالرَّهْنُ ، أَوْ أَجْنَبِيًّا صَحَّ كَمَا تَقَدَّمَ حَوْزَهُ لِلرَّهْنِ ، وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى رَدِّهِ لِيَدِ صَاحِبِهِ كَالْعَبْدِ إِذَا أَبِقَ بَعْدَ الْحَوْزِ ، فَأَخَذَهُ الرَّاهِنُ . وَاخْتُلِفَ فِي رَهْنِ مَا أُكْرِيَ هَلْ تَصِحُّ حِيَازَتُهُ أَمْ لَا ؟ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ : إِذَا شَرَطَ الِانْتِفَاعَ بِالرَّهْنِ لَا يَبْطُلُ الْحَوْزُ مَعَ أَنَّهُ مُكْتِرٍ لَكِنَّهُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَيَصِحُّ فِي عَقْدَيْنِ . قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : قَالَ أَشْهَبُ : لَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ فِي الْمُنْتَقِلِ إِلَّا بِإِذْنِ الشَّرِيكِ كَالثَّوْبِ ، وَالسَّلَفِ ، وَكُلُّ مَا لَا يَنْقَسِمُ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ بَيْعَ نَصِيبِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ انْتَقَضَ الرَّهْنُ ، فَإِنْ أُذِنَ فَلَا رُجُوعَ وَلَا بَيْعَ إِلَّا بِشَرْطِ بَقَاءِ الْجَمِيعِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ ، وَلَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ بَعُدَ الْأَجَلُ ; لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالثَّوْبِ الْغَائِبِ إِذَا بِيعَ عَلَى الصِّفَةِ . قَالَ : وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الشَّرِيكِ نَصِيبَهُ بِأَنْ يُفْرِدَهُ بِالْبَيْعِ ، أَوْ يَدْعُوهُ الرَّاهِنُ إِلَى الْبَيْعِ مَعَهُ .
فَرْعٌ
فِي الْجَلَّابِ : يَجُوزُ رَهْنُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ( ش ) .
لَنَا : الْقِيَاسُ عَلَى اشْتِرَاطِ الشُّهُودِ ، وَلَهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَجَلِ وَالثَّمَنِ بِجَامِعِ 83 اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ . وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَجَلَ رَاجِعٌ إِلَى الثَّمَنِ ، وَهُوَ رُكْنٌ ، وَالْجَهْلُ بِالرُّكْنِ مُفْسِدٌ ، وَالرَّاهِنُ أَجْنَبِيٌّ كَالشَّاهِدِ ، فَإِلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : يَجُوزُ تَمْرُ النَّخْلِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا إِنْ حِيزَتْ ، وَيَتَوَلَّى الْحَائِزُ السَّقْيَ ، وَالْعَمَلُ وَأُجْرَةُ السَّقْيِ عَلَى الرَّاهِنِ كَنَفَقَةِ الدَّابَّةِ ، وَكُسْوَةِ الْعَبْدِ ، وَكَفَنِهِ إِنْ مَاتَ . وَلِلْمُرْتَهِنِ أَخْذُ النَّخْلِ مَعَهُمَا وَقَبْضُ الْأَرْضِ مَعَ الزَّرْعِ لِيَتِمَّ الْحَوْزُ ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ إِلَّا الثَّمَرَةَ ، وَالزَّرْعَ . وَتَرَدَّدَ ( ش ) فِيهِمَا لِتَعَذُّرِ الْبَيْعِ فِي الْحَالِ ، أَوْ خِفَّةِ الْغَرَرِ لِرُجُوعِهِ لِلتَّوَثُّقِ دُونَ الْحَقِّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ يَرْجِعُ الْغَرَرُ إِلَى نَفْسِ الْمَقْصُودِ الْأَعْظَمِ .
فَرْعٌ
قَالَ فِي الْكِتَابِ : حِمْلُ الْأَمَةِ ، وَمَا تَلِدُهُ بَعْدُ ، وَنِتَاجُ الْحَيَوَانِ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ بِخِلَافِ مَا فِي النَّخْلِ مِنْ تَمْرٍ أُبِّرَ أَمْ لَا إِلَّا أَنْ يَنْدَرِجَ لِانْدِرَاجِ الْوَلَدِ فِي الْبَيْعِ دُونَ التَّمْرَةِ . وَكَذَلِكَ غَلَّةُ الدَّوْرِ ، وَالْعَبِيدُ لِلرَّاهِنِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُرْتَهِنُ ، وَكَذَا صُوفُ الْغَنَمِ ، وَلَبَنُهَا إِلَّا لِحَمْلِ نَبَاتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ . وَمَالُ الْعَبْدِ لَا يَتْبَعُهُ كَالْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ فَيَنْدَرِجَ ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا . وَمَا وُهِبَ لِلْعَبْدِ كَمَالِهِ مَوْقُوفٌ بِيَدِهِ إِلَّا أَنْ يَنْزِعَهُ سَيِّدُهُ . وَوَافَقَنَا ( ح ) ، وَخَالَفَنَا ( ش ) ، وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي النَّمَاءِ الْمُتَمَيِّزِ ، وَوَافَقَ فِي السَّمْنِ . احْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " ۝ لَهُ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ " الْحَدِيثَ ، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " ۝ الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ ، وَمَرْكُوبٌ " ، وَمَعْنَاهُ لِلرَّاهِنِ ; لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ ، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ عَدَمُ تَنَاوُلِ الْعَقْدِ لِذَلِكَ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا أُضِيفَ بِاللَّامِ لِمَنْ يَقْبَلُ الْمِلْكَ كَانَ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ عَنِ الْمِلْكِ ، وَلِذَلِكَ قُلْتُمْ إِنَّ الزَّكَاةَ مِلْكٌ لِلْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فَيُفِيدُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ مِلْكٌ لِلْغَنَمِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ، وَعَنِ الثَّانِي : بِأَنَّ اللَّبَنَ ، وَالرُّكُوبَ لَا يَنْدَرِجَانِ عِنْدَنَا إِنَّمَا يَنْدَرِجُ مَا تَبَّقَى عَنْهُ مِمَّا تَقَدَّمَ ، فَنَقُولُ بِهِ . 84 وَعَنِ الثَّالِثِ : أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْبَيْعِ ، وَالْكِتَابَةِ ، وَالِاسْتِيلَادِ ، وَالْأُضْحِيَّةِ بِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ .
تَنْبِيهٌ : هَذِهِ الْعُقُودُ الْمُتَقَدِّمَةُ انْتَقَلَ فِيهَا الْمِلْكُ فِي الْأَصْلِ ، فَقَوِيَ الِاسْتِتْبَاعُ ، وَثَمَّ عُقُودٌ لَا تُسْتَتْبَعُ لِعَدَمِ نَقْلِ الْمِلْكِ ، فَلَهُمُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا كَالْإِجَارَةِ ، وَالْجُعَالَةِ ، وَالْقِرَاضِ . وَالرَّهْنُ لَمْ يَزُلِ الْمِلْكُ فِيهِ فَيَكُونَ قِيَاسُهُمْ أَوْلَى .
تَفْرِيعٌ : فِي الْكِتَابِ : لَمْ يَجْعَلِ الثَّمَرَ إِذَا حُمِلَ مَعَ الرَّهْنِ ، وَجَعَلَ الصُّوفَ الْكَامِلَ ; لِأَنَّ كَامِلَ الثَّمَرِ لِلْبَائِعِ ، وَكَامِلَ الصُّوفِ لِلْمُشْتَرِي ، وَالثَّمَرَةُ تَكَوَّنَتْ بِنَفَقَةِ الْبَائِعِ ، وَعَمَلِهِ بِخِلَافِ الصُّوفِ . وَقِيلَ : يَلْحَقُ الثَّمَرُ الْيَابِسُ بِالصُّوفِ التَّامِّ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الثَّمَرَ يُتْرَكُ لِيَزْدَادَ طِيبًا ، وَالصُّوفُ كَمُلَ ، فَلَمَّا سَكَتَ عَنْهُ تَبِعَ . فَإِذَا يَبِسَ الثَّمَرُ ، وَسُكِتَ عَنْهُ تَبِعَ كَسِلْعَةٍ مَعَ الرَّهْنِ . قَالَ التُّونِسِيُّ : لَمْ يُجِيزُوا رَهْنَ الْوَلَدِ دُونَ أُمِّهِ وَهِيَ حَامِلٌ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ مِنَ الثِّمَارِ ، وَلَا فَرْقَ . وَأَجَازَ ابْنُ مُيَسِّرٍ رَهْنَ الْأَجِنَّةِ كَرَهْنِ مَا يَأْتِي مِنَ الْغَلَّةِ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ مُحَمَّدٌ : لَوْ شَرَطَ أَنَّ مَا تَلِدُ لَيْسَ بِرَهْنٍ امْتَنَعَ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ . وَيَجُوزُ رَهْنُهَا دُونَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ ، وَتُبَاعُ مَعَهُ ، وَهُوَ أَوْلَى بِحِصَّتِهَا ، وَهُوَ فِي الْفَاضِلِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ .
وَفِي الْمَجْمُوعَةِ : يَجُوزُ رَهْنُ مَالِ الْعَبْدِ دُونَهُ فَيَكُونُ لَهُ مَعْلُومُهُ وَمَجْهُولُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ إِنْ قَبَضَهُ لِجَوَازِ الْغَرَرِ فِي الرَّهْنِ . وَمَا وُهِبَ لِلْعَبْدِ لَا يَتْبَعُهُ بِخِلَافِ مَا رَبِحَهُ فِي مَالِهِ الْمُشْتَرِطِ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ مِلْكٌ أَجْنَبِيٍّ كَمَا يَدْخُلُ فِي الْوَصَايَا رِبْحُ مَا عُلِمَ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ دُونَ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، وَقِيلَ : الْمَوْهُوبُ لَهُ كَمَالِهِ ؛ كَمَا إِذَا بِيعَ بِالْخِيَارِ وَاشْتَرَطَ مَالَهُ ؛ انْدَرَجَ مَا وَهَبَ لَهُ ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ ، أَوْ أَوْصَى بِهِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : إِنِ ارْتَهَنَ نَصِيبَكَ مِنْ رَقَبَةِ بِئْرٍ ، فَغَلَّةُ الْبِئْرِ لَكَ ، أَوْ مِنَ الْمَاءِ ، فَالْغَلَّةُ لَهُ ، وَلَهُ أَخْذُهَا مِنَ الْحَقِّ إِنْ كَانَ قَرْضًا ، وَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ . وَأَمَّا مِنْ بَيْعٍ ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِيَدِ مَنْ كَانَ الرَّهْنُ بِيَدِهِ إِلَى الْأَجَلِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ أَنْ يُبَايِعَكَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنَ الْمَاءِ بِجَهَالَةِ آجَالِهِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِنْ زُرِعَ الزَّرْعُ بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَهُوَ غَلَّةٌ ، أَوْ قَبْلَهُ وَبَرَزَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَّا بِشَرْطٍ لِاسْتِقْلَالِهِ ، أَوْ فِيهِ وَلَمْ يَبْرُزْ دَخَلَ فِي الرَّهْنِ إِنْ قَامَ بِالْبَيْعِ 85 قَبْلَ بُرُوزِهِ ، وَيَخْتَلِفُ إِذَا بَرَزَ قَبْلَ الْبَيْعِ هَلْ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ . وَالصُّوفُ الْحَادِثُ بَعْدَ الرَّهْنِ غَلَّةٌ إِذَا جُزَّ قَبْلَ بَيْعِ الرَّهْنِ ، وَيَخْتَلِفُ إِذَا قَامَ بِالْبَيْعِ قَبْلَ جِزَازِهِ هَلْ هُوَ غَلَّةٌ ، أَوْ حِينَ يُغْسَلُ ، أَوْ حِينَ يُجَزُّ ؟ قَالَ صَاحِبُ شَرْحِ الْجَلَّابِ : يَجُوزُ رَهْنُ الْمَجْهُولِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ عَقْدِ الْبَيْعِ لِتَرْكِ الْبَائِعِ جُزْءًا مِنَ الثَّمَنِ لِأَجْلِهِ . وَفِي شَرْحِ الْجَلَّابِ : إِذَا كَمُلَ نَبَاتُ الصُّوفِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ .
نَظَائِرُ : يَجُوزُ الْغَرَرُ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ : الرَّهْنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَكَرِهَ الْجَنِينَ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، وَالْهِبَةِ ، وَالْخَلْعِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ ، وَقِيلَ يُفْسَخُ وَتَرْجِعُ إِلَى خَلْعِ مِثْلِهَا ، وَالصُّلْحِ .
فَرْعٌ
فِي الْجَوَاهِرِ : يَجُوزُ رَهْنُ غَلَّةِ الدَّارِ ، وَالْغُلَامِ ، وَرَهْنُ الْأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا ، وَيُبَاعُ الصَّغِيرُ مَعَهَا ، وَالْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ ، وَرَهْنُهُ دُونَهَا ، وَتَكُونُ مَعَ الصَّغِيرِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ لِيُتْمَّ رَهْنَهُ ، وَقِيلَ : لَا يُرْهَنُ حَتَّى يَبْلُغَ حَدَّ التَّفْرِقَةِ إِلَّا مَعَ أُمِّهِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ ; لِأَنَّهُ حَوْزٌ مُفْتَرَقٌ . وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ ، وَيُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ خَرَاجِهِ ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْوَفَاءُ عَلَى مَوْتِ السَّيِّدِ بِيعَ فِي الدَّيْنِ كُلِّهِ ، أَوْ بَعْضِهِ . قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : قَالَ مَالِكٌ : لَا يُرْهَنُ الْوَلَدُ دُونَ أُمِّهِ كَالْبَيْعِ إِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَوْزِ بِشَرْطٍ ، وَيُفْسَخُ الرَّهْنُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ ، وَالصَّدَقَةِ ; لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ ، وَكُرِهَ رَهْنُهُ بِشَرْطِ جَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ ; لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ كَأَنَّهُ مَالِكٌ لَمَّا كَانَ أَحَقَّ مِنَ الْغُرَمَاءِ ، أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ إِلَّا مَعَ أُمِّهِ ، فَلَا يَدْرِي الْمُرْتَهِنُ مَا يَخُصُّهُ ، فَهُوَ كَرَهَنِ الْغَرَرِ ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَإِنْ سَكَتَا عَنِ الِاشْتِرَاطَيْنِ جُبِرَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا . وَهَذَا تَفْصِيلُ مَا تَقَدَّمَ مُجْمَلًا لِصَاحِبِ الْجَوَاهِرِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا ارْتَهَنْتَ مَا قِيَمَتُهُ مِائَةٌ عَلَى خَمْسِينَ لَمْ يَجُزْ رَهْنُ الْفَضْلَةِ لِغَيْرِكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ ، فَتَكُونُ حَائِزًا لِلْمُرْتَهِنِ الثَّانِي ، فَإِنْ هَلَكَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ ارْتِهَانِ الثَّانِي 86 ضَمِنْتَ مَبْلَغَ دَيْنِكَ ، وَكُنْتَ أَمِينًا فِي الْبَاقِي ; لِأَنَّكَ وَكِيلٌ لِلثَّانِي ، وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ . وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ الثَّانِي بِدَيْنِهِ ; لِأَنَّ فَضْلَةَ الرَّهْنِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : إِنَّمَا يَصِحُّ أَلَّا يَضْمَنَ الْأَوَّلُ الْفَضْلَةَ إِذَا أَحْضَرَ الثَّوْبَ وَقْتَ ارْتِهَانِ الثَّانِي أَوْ عُلِمَ بِالْبَيِّنَةِ وُجُودَهُ حِينَئِذٍ ، وَإِلَّا ضَمِنَ الْجَمِيعَ لِاحْتِمَالِ تَلَفِهِ قَبْلَ ذَلِكَ . وَقَالَ أَشْهَبُ : ضَمَانُهُ كُلُّهُ مِنَ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِ الثَّانِي وَغَيْرِهِ الْمَبْدَأُ عَلَيْهِ ، فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ رَهْنُ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا لِهَذَا فَضْلَةٌ إِنْ كَانَتْ . وَأَمَّا لَوْ رَهَنْتَهُ لِرَجُلَيْنِ ، فَكَانَ عَلَى يَدِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَضْمَنِ الَّذِي هُوَ عَلَى يَدَيْهِ إِلَّا نَصِيبَهُ ، وَعَنْ مَالِكٍ : لَا يَصِحُّ رَهْنُ الثَّانِي حَتَّى يَحُوزَهُ لَهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ حَازَ لِنَفْسِهِ ، فَلَا يَحُوزُ لِغَيْرِهِ . قَالَ أَصْبَغُ : لَوْ جَعَلَهُ بِيَدِ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ جَازَ رَهْنُ الْفَضْلِ لِلثَّانِي ، وَإِنْ كَرِهَ الْأَوَّلُ إِذَا عَلِمَ بِذَلِكَ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ لِتَتِمَّ حِيَازَتُهُ لَهُمَا إِذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْأَوَّلِ إِذْ هُوَ مَبْدَأٌ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنَّمَا اشْتَرَطَ مَالِكٌ رِضَاهُ لِيَحُوزَ لِلثَّانِي ، فَإِذَا لَمْ يَرْضَ لَمْ يَقَعْ حَوْزٌ . وَلَوْ كَانَ دَيْنُ الْأَوَّلِ لِسَنَةٍ ثُمَّ رَهَنَ فَضْلَتَهُ فِي آخِرِ أَشْهُرٍ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ مَبْدَأٌ ، فَحَلَّ الْآخَرُ قَبْلَ الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْآخَرُ أَجَلَ الْأَوَّلِ بِيعَ الرَّهْنُ ، وَعُجِّلَ لِلْأَوَّلِ حَقُّهُ كُلُّهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ ، وَيُعْطِي الثَّانِي مَا فَضَلَ فِي دَيْنِهِ . قَالَ مُحَمَّدٌ : وَهَذَا إِنْ بِيعَ بِعَيْنٍ ، أَوْ بِمَا يُقْضَى بِمِثْلِهِ ، وَحَقُّ الْأَوَّلِ مِثْلُهُ ، فَأَمَّا بِعَرْضٍ ، وَالدَّيْنُ مِثْلُهُ ، أَوْ بِدَنَانِيرَ ، وَالدَّيْنُ دَرَاهِمُ ، أَوْ بِطَعَامٍ مُخَالِفٍ لِمَا عَلَيْهِ فَيُوضَعُ لَهُ رَهْنٌ إِلَى حُلُولِ حَقِّهِ . وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ : عَلِمَ الْأَوَّلُ أَنَّ حَقَّ الثَّانِي يَحِلُّ قَبْلَهُ أَمْ لَا ، فَإِنَّهُ إِنْ بِيعَ بِمِثْلِ حَقِّهِ عُجِّلَ لَهُ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ . وَعَنْهُ أَيْضًا : إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ فَيَأْبَى أَنْ يَتَعَجَّلَهُ ، فَذَلِكَ لَهُ . وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِنْ حَلَّ أَجَلُ الثَّانِي وَلَيْسَ فِيهِ فَضْلَةٌ لَمْ يَدْفَعْ إِلَّا إِلَى أَجَلِ الْأَوَّلِ أَوْ فِيهِ فَضْلٌ بِيعَ الْآنَ ، وَعُجِّلَ لِلْأَوَّلِ حَقُّهُ ، وَأَخَذَ الثَّانِي مَا فَضَلَ . قَالَ مُحَمَّدٌ : وَمَنْ رَهَنَ ، وَاشْتَرَطَ لِلرَّاهِنِ فِيهِ مِائَةً مَبْدَّأَةً فَيَمُوتُ الرَّاهِنُ ، أَوْ يُفْلِسُ يُبْدَأُ الْغُرَمَاءُ بِتِلْكَ الْمِائَةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَمْتَنِعُ هَذَا الرَّهْنُ لِمُخَالَفَتِهِ قَاعِدَةَ الرُّهُونِ بِتَبْدِئَةِ الرَّاهِنِ إِذِ الْقَاعِدَةُ تَبْدِئَةُ الْمُرْتَهِنِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث