الذخيرة
الذخيرة · الجزء التاسع
الصفحة 1341 · ص. المطبوع 203
203 قَاعِدَةٌ : قَالَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَصَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ : كُلُّ مَنْ أَدَّى عَنْ أَحَدٍ مَالًا شَأْنُهُ إِعْطَاؤُهُ ، أَوْ فَعَلَ لَهُ فِعْلًا شَأْنُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ فِي عَمَلِهِ أَجْرَهُ كَغَسْلِ يَدَيْهِ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْمَالِ وَأُجْرَةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، كَانَ وَاجِبًا أَمْ لَا خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ فَإِنَّهُمْ يَعُدُّونَهُ مُتَبَرِّعًا .
لَنَا : أَنَّ لِسَانَ الْحَالِ يَقُومُ مَقَامَ لِسَانِ الْمَقَامِ وَلَوْ صَرَّحَ هَاهُنَا بِذَلِكَ لَزِمَهُ ، فَكَذَلِكَ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ لِسَانُ حَالِهِ كَمَا وَافَقَنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرِهَا فِي تَعْيِينِ النَّقْدِ الْغَالِبِ بِلِسَانِ الْحَالِ وَمَنْفَعَةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ كَتَعْيِينٍ لِلْجَرِّ دُونَ الْحَفْرِ ، وَالثَّوْرُ لِلْحَرْثِ دُونَ الرُّكُوبِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْكَفَالَةُ عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ تَلْزَمُ فِي ثَلَاثَةٍ وَتَسْقُطُ فِي اثْنَيْنِ وَتَخْتَلِفُ فِي السَّادِسِ ، فَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ ، وَالْحَمِيلُ وَالْمُحْتَمِلُ لَهُ عَالِمَانِ بِأَنَّهُ مُولًى عَلَيْهِ أَوْ عَلِمَ الْحَمِيلُ وَحْدَهُ لَزِمَتْ ، أَوْ عَلِمَ الْمُتَحَمِّلُ لَهُ دُونَ الْحَمِيلِ سَقَطَتْ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ وَعَنِ الْحَمِيلِ أَوْ هُمَا جَاهِلَانِ وَهِيَ بَعْدَ الْعَقْدِ سَقَطَتْ ; لِأَنَّ الْحَمِيلَ لَمْ يُضَرَّ إِلَّا بِشَيْءٍ ، وَيَحْمِلُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ رَشِيدٌ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ ، وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ بِأَنَّهُ مُولًى عَلَيْهِ فَعِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَازِمَةٌ ، وَعَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا فَأَعْطَاهُ الْبَائِعُ غَيْرَهُ فَقَطَعَهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ أَخْطَأَ عَلَى مَالِهِ وَسَلَّطَهُ لَا يَكُونُ عَلَى الْمَوْلَى شَيْءٌ ; لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قَالَ الْحَمِيلُ : إِنَّمَا كَانَتِ الْحَمَالَةُ خَوْفًا أَنْ يَفْتَقِرَ أَوْ يَجْحَدَ وَهَذَا مُوسِرٌ مُقِرٌّ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا قَالَ : وَإِنَّمَا تَحَمَّلْتُ مُعْتَقِدًا الرُّجُوعَ وَإِلَّا لَمْ أَتَحَمَّلْ ، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الْجَوَابُ فِي الْحَمَالَةِ بِالصَّبِيِّ ، يَنْظُرُ هَلْ كَانَتْ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ وَهَلْ يَجْهَلَانِ أَنَّ مُبَايَعَةَ الصَّبِيِّ سَاقِطَةٌ أَمْ لَا ، أَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمَا وَيَجْهَلُ الْآخَرُ ، وَتِلْكَ الْمُدَايَنَةُ أَوِ الْمُطَالَبَةُ مِمَّا يُلْزِمُ السَّفِيهَ أَوِ الصَّبِيَّ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ أَوْ صَرَفَاهَا فِيمَا لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْهُ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كُسْوَةٍ أَوْ إِصْلَاحِ مَتَاعٍ أَوْ عَقَارٍ ، جَرَتْ عَلَى حُكْمِ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ .
204 الثَّانِيَةُ ، فِي الْكِتَابِ : بَاعَ مِنْ عَبْدٍ سِلْعَةً بَدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ أَوْ تَكَفَّلَ عَنْهُ بِدَيْنٍ ثُمَّ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ لِوُصُولِ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ عَيْبٌ فِي الْمَبِيعِ لِنَقْصِ الرَّغَبَاتِ فِيهِ بِالدَّيْنِ ، فَيَثْبُتُ بِهِ الْفَسْخُ وَمَنْ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ فَأَخَذَ بِهِ مِنْهُ كَفِيلًا لَزِمَ ذَلِكَ الْكَفِيلَ ; لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ مُحَاصَّةَ غُرَمَاءِ عَبْدِهِ .
الثَّالِثَةُ فِي النَّوَادِرِ : إِذَا تَحَمَّلَ بِرَجُلٍ فَإِذَا هُوَ مُولًى عَلَيْهِ لَزِمَ الْحَمِيلَ الْغُرْمُ وَلَمْ يَرْجِعْ هُوَ وَلَا الطَّالِبُ بِشَيْءٍ عَلَيْهِ ، قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ ، وَلِأَنَّ الطَّالِبَ عَامَلَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَمَالَةِ لَمْ يَلْزَمِ الْحَمِيلَ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ الْيَتِيمَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِلْيَتِيمِ الدَّارُ وَالْحَائِطُ فَيُسْلِفُهُ النَّفَقَةَ فَهَذَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا تَحَمَّلَ بِالصَّبِيِّ فَمَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ لَزِمَهُ وَرَجَعَ بِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ ، قَالَ أَصْبَغُ : لَوِ اشْتَرَيْتَ مِنْ سَفِيهٍ أَوْ بِكْرٍ وَأَخَذْتَ حَمِيلًا فَمَا يَلْزَمُكَ مِنْ إِبْطَالِ الْبَيْعِ وَالثَّمَنِ لَزِمَ الثَّمَنَ غَرِمَ الثَّمَنَ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ بِعِلْمِهِ ، وَلَوْ قَالَ لَكَ : ضَمِنْتُ لَكَ مَا يَلْزَمُكَ مِنَ السَّفِيهِ ، لَمْ أَرَهُ شَيْئًا لِأَنَّكَ لَمْ يَلْزَمْكَ مِنْهُ بَلْ بِسَبَبِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّفِيهُ هُوَ الَّذِي قَامَ بِذَلِكَ فِي وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَ رُشْدِهِ حَتَّى فَسَخَ ذَلِكَ ، فَلَكَ الرُّجُوعُ عَلَى الضَّامِنِ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مِنَ السَّفِيهِ كَمَا قَالَ .
الرَّابِعَةُ فِي الْجَوَاهِرِ : يَصِحُّ الضَّمَانُ عَنِ الْمَيِّتِ خَلَّفَ وَفَاءً أَمْ لَا ، وَبِهِ قَالَ ( ش ) وَابْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ إِنْ حَلَفَ وَصَالَحَ وَإِلَّا فَلَا مِنْ غَيْرِ الْوَارِثِ وَتَصِحُّ مِنَ الْوَارِثِ مُطْلَقًا ، فَإِنْ ضَمِنَ مِنَ الْحَيَاةِ ثُمَّ مَاتَ مُفْلِسًا لَمْ يَنْقَطِعْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَيَنْقَطِعْ عِنْدَ آخَرِينَ ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الدَّيْنَ عِنْدَنَا بَاقٍ لَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ وَعِنْدَهُمْ يَسْقُطُ ، لَنَا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ الزَّعِيمُ غَارِمٌ . وَهَذَا زَعِيمٌ ، وَيُؤَكِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْمُتَقَدِّمَانِ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمَا هَلْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَمْ لَا ، وَهُمَا أَجْنَبِيَّانِ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَيِّ وَعَلَى مَا إِذَا تَرَكَ وَفَاءً وَهُوَ تَبَرُّعٌ بِالدَّيْنِ عَنِ الْغَيْرِ فَيَصِحُّ عَنِ الْمَيِّتِ كَالْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ .
205 وَلَا يُقَالُ : الْإِبْرَاءُ وَغَيْرُهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ لِأَنَّا نَقُولُ بَلِ الدَّيْنُ بَاقٍ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ عَمْدًا فَصُولِحَ عَلَى الدَّمِ بِمَالٍ وُفِّيَ مِنْهُ الدَّيْنُ ، وَلِأَنَّا نَقِيسُ حُكْمَ الْآخِرَةِ عَلَى حُكْمِ الدُّنْيَا احْتَجُّوا بِأَنَّهُ دَيْنٌ سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ ، كَمَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ ، وَلِأَنَّهُ مَاتَ مُفْلِسًا فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ كَالْمُكَاتِبِ ، وَلِأَنَّ الْمَوْتَ سَبَبٌ يُنَافِي ابْتِدَاءَ الدُّيُونِ فَيُنَافِي الْحَمَالَةَ بِهَا ، قِيَاسًا لِلْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُبْقِ لَهُ ذِمَّةً بِدَلِيلٍ حَوْلَ دِينِهِ ، فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ قِيَاسًا عَلَى الْمَعْدُومِ وَالْمُطْلَقِ ; وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ الضَّمُّ وَلَمْ تُبْقَ ذِمَّةٌ يُضَمُّ إِلَيْهَا عِنْدَهَا .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : لَا نُسَلِّمُ سُقُوطَ الْمُطَالَبَةِ ، بَلْ ذَلِكَ كَالْمُفَلِسِ ، فَلَوْ صُولِحَ عَلَى ذِمَّةِ الْعَمْدِ تُوجِّهَتِ الْمُطَالَبَةُ ، ثُمَّ الْفَرْقُ أَنَّ فِي الْإِبْرَاءِ وَالْقَضَاءِ سَقَطَ الدَّيْنُ مُطْلَقًا ، وَهَاهُنَا تَأَخَّرَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ .
عَنِ الثَّانِي : أَنَّ دَيْنَ الْمُكَاتِبِ سَقَطَ لِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ وَأَسْبَابُ دَيْنِ الْمَيِّتِ بَاقِيَةٌ .
عَنِ الثَّالِثِ : أَنَّ الْمَوْتَ لَمْ يُنَافِ تَعَلُّقَهُ بِالتَّرِكَةِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ وَتَعَلُّقَهُ بِالضَّامِنِ ، بَلْ أَوْلَى ; لِأَنَّ الضَّامِنَ لَهُ مَالٌ وَذِمَّةٌ ، وَالتَّرِكَةُ لَا يَتَعَدَّى الدَّيْنُ عَنْهَا .
عَنِ الرَّابِعِ : بَلْ ذِمَّتُهُ بَاقِيَةٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ : ۝ مَا تَنْفَعُهُ صَلَاتِي وَذِمَّتُهُ مُرْتَهِنَةٌ فِي قَبْرِهِ بِدَيْنِهِ . وَإِنَّمَا حَلَّ الدَّيْنُ ; لِأَنَّ الْأَجَلَ الرِّفْقُ وَالْمَيِّتُ لَا يَرْتَفِقُ ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْخَامِسِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث