الذخيرة
الذخيرة · الجزء العاشر
وَفِي الْبَابِ فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ :
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ : فِي الْجَوَاهِرِ : لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ تَقَدَّمَ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ أَوْ فِيهِ ، قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ أَوْ بَعْدَهَا ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ : يَحْكُمُ بِمَا عَلِمَ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَحَيْثُ مَعَنَا فَحُكْمُهُ لَا يُنْقَضُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لِوُقُوعِ الْخِلَافِ . كَمَا حُكِمَ فِي مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالسَّنَدِ حُكْمٌ بِصِحَّتِهِ ، وَنَقَضَهُ أَبُو الْحَسَنِ لِبُطْلَانِ الْمُدْرَكِ عِنْدَهُ كَمَا يُنْقَضُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ مَا ضَعُفَ دَلِيلُهُ ، 90 فَإِنْ أَنْكَرَ الْخَصْمُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ : فَفِي قَبُولِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ نَظَرًا لِلتَّأْكِيدِ بِالْحُكْمِ وَضَعْفِ الْمُدْرِكَ ، قَالَ التُّونُسِيُّ : لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ خِلَافًا فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَا رَأَى الْقَاضِي أَوْ سَمِعَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ : أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهِ ، وَأَنَّهُ يُنْقَضُ إِنْ حُكِمَ بِهِ ، يَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ ، لِضَعْفِ الْعِلْمِ بِتَقَدُّمِهِ كَتَقَدُّمِ الْيَمِينِ وَالْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّعْوَى ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ الْخَصْمَانِ فِي مَجْلِسِهِ ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ نَقَضَهُ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ ، وَنَفَّذَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ كَعِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ ، فَإِنْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بَعْدَ جُلُوسِهِ لِلْخُصُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ : قَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ، وَجَوَّزَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ وَرَأَيَا أَنَّهُمَا لَمَّا جُلِبَا لِلْحُكُومَةِ فَقَدْ رَضِيَا بِالْحُكْمِ بِمَا يَقُولَانِهِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يُنْكِرْ حَتَّى حُكِمَ ثُمَّ أَنْكَرَ لَمْ يُنْظَرْ إِلَى إِنْكَارِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ ، وَفِي الْجَلَّابِ : إِذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ حَكَمَ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْحَاكِمِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : وَهُوَ أَشْبَهُ فِي قُضَاةِ الْيَوْمِ لِضَعْفِ عَدَالَتِهِمْ ، وَقَالَ أَيْضًا : لَا أَرَى أَنْ يُبَاحَ هَذَا الْيَوْمُ لِأَحَدٍ مِنَ الْقُضَاةِ ، وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِمَادِهِ عَلَى عِلْمِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : إِذَا وَجَدَ فِي دِيوَانِهِ حُكْمًا بِخَطِّهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ . وَإِذَا نَسِيَ الْقَاضِي حُكْمًا حَكَمَ بِهِ فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَضَى بِهِ ، نُقِضَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا ، كَمَا ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ رِوَايَةً : أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى الْبَيِّنَةِ وَلَا يَحْكُمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عِنْدَ غَيْرِهِ بَعْدَهُ ، لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ عَلَى الْغَيْرِ وَهَى قَاعِدَةُ الْإِثْبَاتَاتِ ، وَعَنْ مَالِكٍ : إِذَا أَنْكَرَ قَضَاءَهُ فَشَهِدَ بِهِ بَعْدَهُ مَنْ شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ ، عُزِلَ الْأَوَّلُ أَمْ لَا ، وَسَوَّى شُهُودُهَا بَيْنَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَوَافَقَنَا ابْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ ( ح ) : لَا يَحْكُمُ فِي الْحُدُودِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ أَسْبَابِهَا إِلَّا الْقَذْفَ ، وَلَا فِي 91 حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بِمَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ دُونَ مَا بَعْدَ الْوِلَايَةِ ، وَمَشْهُورُ ( ش ) : الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي جَوَازِ الْحُكْمِ فِيمَا يَعْلَمُهُ . لَنَا : قَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا اسْمَعُ مِنْهُ ) فَدَلَّ عَلَى الْقَضَاءِ بِالسَّمَاعِ دُونَ الْعِلْمِ ، وَقَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : ( شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ ) فَحَصَرَ الْحُجَّةَ فِي الْأَمْرَيْنِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى الصَدَقَةِ ، فَلَافَحَهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ فَأَتَوُا النَّبِيَّ - _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ ثُمَّ قَالَ : فَأَخْطُبُ النَّاسَ أُعْلِمُهُمْ بِرِضَاكُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ فَخَطَبَ فَأَعْلَمَ فَقَالُوا : لَا ، مَا رَضِينَا ، فَأَرَادَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ - : لَا وَنَزَلَ ، فَجَلَسُوا إِلَيْهِ فَأَرْضَاهُمْ ، فَقَالَ : أَخْطُبُ وَأُعْلِمُ النَّاسَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَخَطَبَ فَأَعْلَمَ النَّاسَ ، فَقَالُوا : رَضِينَا ) وَهَذَا نَصٌّ فِي عَدَمِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ وَشَرِيكٍ : ( إِنْ جَاءَتْ بِهِ لِكَذَا فَهُوَ لِهِلَالٍ - يَعْنِي الزَّوْجَ - وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِكَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ - يَعْنِي الْمَقْذُوفَ - فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ، فَقَالَ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ( لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهُمَا ) فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي الْحُدُودِ بِعِلْمِهِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا ، وَقَدْ وَقَعَ مَا قَالَ ، فَيَكُونُ الْعِلْمُ حَاصِلًا لَهُ وَمَعَ ذَلِكَ مَا رَجَمَ ، وَعَلَّلَ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ .
92 وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ) فَاقْتَضَى جَلْدَهُمْ عِنْدَ الْبَيِّنَةِ وَإِنْ عَلِمَ صَدْقَهُمْ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَيُتَّهَمُ بِالْقَضَاءِ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَلِوَلِيِّهِ ، وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ ، فَحُسِمَتِ الْمَادَّةُ صَوْنًا لِمَنْصِبِ الْقَضَاءِ عَنِ التُّهَمِ ، قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : وَاتَّفَقُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَتَلَ أَخَاهُ ، فَعِلْمُهُ بِأَنَّهُ قَاتِلٌ أَنَّهُ كَالْقَاتِلِ عَمْدًا ، لَا يَرِثُ مِنْهُ شَيْئًا لِلتُّهْمَةِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَاحْتَجَّ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بِقَوْلِهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ( عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ) وَقَالَ مَالِكٌ نَحْوَ مَعْنَاهَا اهْتَدَى أَوَّلًا لِمَوَاضِعِ الْحُجَجِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : ( وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ ) ، احْتَجُّوا بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي أَبِي سُفْيَانَ ، قَضَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ بِالنَّفَقَةِ بِعِلْمِهِ فَقَالَ لِهِنْدَ : ( خُذِي لَكِ وَلِوَلَدِكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ ) وَلَمْ يُكَلِّفْهَا بَيِّنَةً ، قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : ( اسْتَعْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عُمَرَ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ _ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي سُفْيَانَ : انْهَضْ بِنَا إِلَى الْمَوْضِعِ ، فَنَظَرَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ، خُذْ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ هَاهُنَا فَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ ، فَقَالَ : لَا أَفْعَلُ ، فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ : خُذْهُ لَا أُمَّ لَكَ وَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّكَ - مَا عَلِمْتُ - قَدِيمُ الظُّلْمِ ، فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ ، فَاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْقِبْلَةَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى غَلَبْتُ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ وَأَذْلَلْتَهُ لِي بالْإِسْلَامِ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى جَعَلْتَ فِي قَلْبِي مَا ذَلَّلْتَهُ لِعُمَرَ ) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُحْكَمَ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ النَّاشِئِ عَنِ 93 قَوْلِ الْبَيِّنَةِ بِالْعِلْمِ أَوِ الرَّأْيِ وَالْعَجَبِ جَعَلَ الظَّنَّ خَيْرًا مِنِ الْعِلْمِ ، وَلِأَنَّ التُّهْمَةَ قَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْبَيِّنَةِ فَيَقْبَلُ مَنْ لَا يَقْبَلُ ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ بِمَا نَقَلَتْهُ الرُّوَاةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ، وَبِمَا سَمِعَهُ الْمُكَلَّفُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ يَسْتَوِي فِي حَقِّهِ إِخْبَارُ الْبَيِّنَةِ وَسَمَاعُهُ هُوَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ رُتْبَةٍ ، قِيَاسًا عَلَى الرِّوَايَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ تُثْبِتُ شَرْعًا عَامًّا وَالْقَضَاءَ فِي فَرْدٍ لَا يُعَدَّى لِغَيْرِهِ بِحَضْرَةِ أَقَلَّ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِعِلْمِهِ لَفَسَقَ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : أَنْ يَعْلَمَ وِلَادَةَ امْرَأَةٍ عَلَى فِرَاشِ رَجُلٍ ، فَشَهِدَ بِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ ، مَكَّنَهُ مِنْ وَطْءِ ابْنَتِهِ ، وَهُوَ فِسْقٌ ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ ، وَمِنْهَا : أَنْ يَعْلَمَ قَتْلَ زِيدٍ لِعَمْرٍو وَيَشْهَدَ بِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُهُ فَإِنْ قَتَلَ قَتَلَ الْبَرِيءَ ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ ، وَمِنْهَا : لَوْ سَمِعَهُ يُطَلِّقُ ثَلَاثًا فَأَنْكَرَ فَشَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِوَاحِدَةٍ ، إِنْ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مَكَّنَ مِنَ الْحَرَامِ ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ ، ) وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ اشْتَرَى فَرَسًا فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ ، فَقَالَ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ فَقَالَ خُزَيْمَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تُخْبِرُنَا عَنْ أَمْرِ السَّمَاءِ فَنُصَدِّقُكَ ، أَفَلَا نُصَدِّقُكَ فِي هَذَا ؟ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : ( ذَا الشَّهَادَتَيْنِ ) فَهَذَا وَإِنِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ ، فَهُوَ يَدُلُّ لَنَا مِنْ جِهَةِ حُكْمِهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ لِنَفْسِهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لِغَيْرِهِ بِعِلْمِهِ ، لِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التُّهْمَةِ مِنَ الْقَضَاءِ لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : قِصَّةُ هِنْدَ فُتْيَا لَا حُكْمٌ ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ، لِأَنَّهُ رَسُولٌ مُبَلِّغٌ ، وَالتَّبْلِيغُ فُتْيَا ، وَالتَّصَرُّفُ بِغَيْرِهِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفُتْيَا ، وَلِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَى حَاضِرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ . 94
وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّهُ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ الَّذِي يَحْسُنُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ الْقِيَامُ بِهِ وَإِزَالَتُهُ لَا مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ فَلِمَ قُلْتُمْ : إِنَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ ؟ وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ مُرَدَّدَةٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، فَتَكُونُ مُجْمَلَةً فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا .
وَعَنِ الثَّالِثِ : الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ ، فَلِمَ قُلْتُمْ : إِنَّ الْحُكْمَ بِالْعِلْمِ مِنَ الْقِسْطِ ، بَلْ هُوَ عِنْدَنَا مُحَرَّمٌ .
وَعَنِ الرَّابِعِ : أَنَّ الْعِلْمَ أَفْضَلُ مِنَ الظَّنِّ ؛ لِأَنَّ اسْتِلْزَامَهُ تَطْرِيقٌ لِلتُّهَمِ لِمَنْصِبِ الْقَضَاءِ وَالطَّعْنِ عَلَى مُتَوَلِّيهِ فَتَنْخَرِقُ [ . . . ] وَتَخْتَلُّ الْمَعَالِمُ الْعَامَّةُ ، أَوْجَبَ رُجْحَانَ الظَّنِّ عَلَيْهِ ، وَالرَّاجِحُ قَدْ يُعَارِضُهُ مَا يُصَيِّرُهُ مَرْجُوحًا .
وَعَنِ الْخَامِسِ : أَنَّ الرِّوَايَةَ وَالسَّمَاعَ وَالرُّؤْيَةَ اسْتَوَى الْجَمِيعُ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ فِي الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ الْحُكْمِ .
وَعَنِ السَّادِسِ : أَنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا بِعِلْمِهِ ، بَلْ تَرَكَ الْحُكْمَ بِالشَّهَادَةِ ، وَتَرْكُ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ ، وَتَرْكُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ لَيْسَ فِسْقًا .
وَعَنِ السَّابِعِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ مَا حَكَمَ لِنَفْسِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخَذَ الْفَرَسَ ، فَهَذَا مِنَ الْأَعْرَابِيِّ ، فَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ حَكَمَ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ جَعَلَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ شَهَادَتَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ مُبَالَغَةً ، فَمَا تَعَيَّنَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ إِنَّمَا سَمَّى خُزَيْمَةَ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ مُبَالَغَةً لَا حَقِيقَةً .
وَعَنِ الثَّامِنِ : إِنَّمَا حَكَمَ فِيهِ بِعِلْمِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ فَتَشْهَدُ بِالْجَرْحِ أَوِ التَّعْدِيلِ ، وَتَحْتَاجُ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةً إِلَّا أَنْ يَقْبَلَ بِعِلْمِهِ ، بِخِلَافِ صُورَةِ 95 النِّزَاعِ ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ : هَذَا لَيْسَ حُكْمًا ، وَإِلَّا يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ رَفَضَتْهُ أَوْ تَجْرِيحِ مَنْ عَدَّلَتْهُ ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَنْتَقِضُ ذَلِكَ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حُكْمًا فَلَا يَنْقُضُ .
فَائِدَةٌ : قَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : ( فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ) قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : مَعْنَاهُ : فَأَقْضِي عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَسْمُوعَ مِنَ الْخَصْمِ لَا يُقْضَى لَهُ بِهِ .
تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : إِذَا جَحَدَ الْمُقِرُّ إِقْرَارَهُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ ، وَلَمْ تَحْضُرْهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ : قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ : يَجِبُ بِمُوجَبِ إِقْرَارِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَلَا يَسْتَحِبُّ مَالِكٌ أَنْ يَحْضُرَهُ شَاهِدَانِ وَأَجَازَ فِي ذَلِكَ الْعَدْلَ وَغَيْرَهُ وَلَمْ يُبِحْ فِيهِمْ مَدْفَعَهَا ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ اسْتِحْبَابٌ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْضِي أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى الْإِقْرَارِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الشَّهَادَةُ اسْتِحْبَابٌ .
فَرْعٌ : مُرَتَّبٌ
قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ : وَحَيْثُ مَعَنَا الْحُكْمُ بِمَا عَلِمَهُ فَهُوَ فِيهِ شَاهِدٌ ، فَيَرْفَعُهُ إِلَى الْإِمَامِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَاكِمِ ، وَيَدَّعِي صَاحِبُ الْحَقِّ شَهَادَةَ الْحَاكِمِ مَعَ غَيْرِهِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : حَيْثُ مُنِعَ فَشَهَادَتُهُ قِسْمَانِ : إِنْ كَانَ عِلْمُهُ قَبْلَ الْحُكُومَةِ شَهِدَ عِنْدَ غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْإِقْرَارِ عِنْدَ الْمُحَاكَمَةِ مَنَعَ مُحَمَّدٌ قَبُولَ شَهَادَتِهِ لِلتُّهْمَةِ عَلَى التَّنْفِيذِ ، وَقَالَ أَيْضًا : لَا يُقْبَلُ إِذَا لَمْ يَحْكُمْ ، قَالَ : وَأَرَى الْقَبُولَ إِذَا لَمْ يَحْكُمْ كَالْعَبْدِ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ حَتَّى عُتِقَ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ ، وَإِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ ثُمَّ رُدَّ لَمْ يُقْبَلْ وَحَيْثُ يُقْبَلُ يُوَفِّيهَا لِمَنْ فَوْقَهُ ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ تَحْتَهُ ، قَالَ : وَأَرَى أَنْ يَقْبَلَ إِذَا كَانَ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ 96 وَإِلَّا فَلَا ، لِأَنَّ تَجْرِيحَهُ يَتَعَذَّرُ ، وَلَا يَقُومُ النَّاسُ عَلَيْهِ . وَفِي الْكِتَابِ : إِذَا أَقَرَّ الْخَصْمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ عَادَ فَجَحَدَ ، لَا يَقْضِي عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةِ سِوَاهُ ، وَإِلَّا شَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَنْ فَوْقَهُ ، وَمَا عَلِمَهُ مِنَ الْحُدُودِ : قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ غَصْبٍ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ ، وَهُوَ شَاهِدٌ فِيهِ ، وَإِنْ رَأَى الْحَدَّ السُّلْطَانُ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ سُلْطَانٌ رَفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي ، أَوْ رَآهُ مِثْلُ أَمِيرِ مِصْرٍ ، رَفَعَهُ لِلْقَاضِي وَكَانَ شَاهِدًا ، وَلَا يَرْفَعُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ . وَفِي التَّنْبِيهَاتِ : قِيلَ إِنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْكِتَابِ : لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ إِلَّا لِمَنْ دُونَهُ وَتَحْتَ يَدِهِ إِلَّا السُّلْطَانَ الْأَعْظَمَ لِلضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا يُقَامُ هَذَا الْحَدُّ وَيُهْدَرُ ، وَاعْتَمَدَ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ ، وَحَمَلَ قَوْلَهُ فِي وَالِى مِصْرٍ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ مِنْ تَقْدِيمِ الْخَلِيفَةِ وَقِيلَ : يَجُوزُ إِلَى مَا دَوَّنَهُ كَمَا يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ ، وَكَانَتِ الْعَادَةُ تَقْدِيمَ الْقُضَاةِ مِنْ قِبَلِ الْوُلَاةِ ، وَعَلَيْهِ تَكَلَّمَ ، وَهِيَ سِيرَةُ بَنِي أُمَيَّةَ ، حَتَّى وَلَّى بَنُو الْعَبَّاسِ الْقُضَاةَ مِنْ قِبَلِهِمْ دُونَ الْأُمَرَاءِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ مَعَهُ فِي الْحَدِّ غَيْرُهُ وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ لَمْ يُقِمْهُ ، وَشَهِدَ فِيهِ عِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنْ شَهِدَ السُّلْطَانُ وَآخَرُ مَعَهُ أَنَّ هَذَا سَرَقَ مَتَاعَ السُّلْطَانِ رَفَعَهُ لِمَنْ فَوْقَهُ ، وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ غَيْرُهُ أَنَّهُ سَرَقَ مَتَاعَ السُّلْطَانِ قَطَعَهُ ، لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلَا يُغَرِّمُهُ حَتَّى يَرْفَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ حَقٌّ لَهُ وَهُوَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ .
فَرْعٌ : قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ سَحْنُونٌ : إِذَا عَلِمَ خِلَافَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهَا ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهَا لِعَدَالَتِهَا ، وَيَرْفَعُ ذَلِكَ إِلَى الْأَمِيرِ الَّذِي هُوَ فَوْقَهُ فَيَشْهَدُ بِمَا عَلِمَ ، وَالْبَيِّنَةُ بِمَا عَلِمَتْ ، وَيَرَى ذَلِكَ الْآخَرُ رَأْيَهُ ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ غَيْرَ عَادِلَةٍ شَهِدَتْ بِمَا يَعْلَمُهُ لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهَا لِعَدَمِ الْعَدَالَةِ ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ : إِذَا شَهِدَتِ الْعَدَالَةُ بِمَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ نَفَّذَ شَهَادَتَهُمْ بَعْدَ الِاسْتِنْظَارِ ، وَالْأَحْسَنُ لَوْ خَلَا 97 بِهِمْ فَأَعْلَمَهُمْ بِعِلْمِهِ ، فَلَعَلَّهُمْ يَنْكَشِفُ لَهُمْ أَوْ لَهُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلْيَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَيُعْلِمِ الْمَشْهُودَ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَهَادَةً ، فَيَرْفَعُ ذَلِكَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ إِلَّا تَحْتَهُ لَمْ يَرْفَعْ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ أَشْهَبَ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ : أَنْ لَا يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْإِنْسَانِ مَنْ فَوْقَهُ وَرَفَعَهُ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ اخْتَصَمَ مَعَ أُبَيٍّ إِلَى عُثْمَانَ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ _ ، فَيَتَحَصَّلُ فِي حُكْمِهِ بِخِلَافِ عِلْمِهِ قَوْلَانِ .
تَنْبِيهٌ : قَوْلُ الْعُلَمَاءِ : لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ أَوْ يَحْكُمُ . لَيْسَ مُرَادُهُمْ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ ، بَلِ الظَّنُّ الْغَالِبُ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ إِذْ رَأَى زَيْدًا قَتَلَ عَمْرًا فَحَكَمَ بِالْقِصَاصِ بِمَا رَآهُ ، لَيْسَ هُوَ حَوَالَةَ الْحُكْمِ عَالِمًا بِصِحَّةٍ مَا حَكَمَ بِهِ ، لِجَوَازِ صُدُورِ الْعَفْوِ قَبْلَ الْحُكْمِ ، كَذَلِكَ أَسْبَابُ الْأَمْلَاكِ مِنَ الْبَيْعِ وَالْإِرْثِ وَغَيْرِهِ ، يُحْتَمَلُ طُرُوءُ النَّاقِلِ بَعْدَهَا ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِالْعِلْمِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ طُرُوءَ الْمُعَارِضِ ، كَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَنَحْوِهِ ، يُفْهَمُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ : إِنَّ الشَّهَادَةَ مَنْ شَرْطِهَا الْعِلْمُ ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ لَيْسَ جَازِمًا حَالَةَ الْأَدَاءِ بِبَقَاءِ مَا شَهِدَ بِهِ مِنَ الْمُلْكِ وَالْمُعَامَلَةِ ، وَإِنَّمَا مُرَادُ الْعُلَمَاءِ أَصْلُ الْمَأْخَذِ ، فَإِنْ كَانَ ظَنًّا سُمِّيَ ظَنًّا أَوْ عِلْمًا سُمِّيَ عَلِمًا ، ثُمَّ يُسْتَصْحَبُ فَيَصِيرُ ظَنًّا .
تَنْبِيهٌ : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : اسْتُثْنِيَ مِنَ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ وَحَيْثُ مُنِعَ : التَّوَاتُرُ لِوَجْهَيْنِ : لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الْبَيِّنَةِ ، وَلَا تَبْقَى التُّهْمَةُ بِكَثْرَةِ النَّقْلِ ، وَحَيْثُ قُلْنَا : يَحْكُمُ كَمَا قَالَ ( ش ) يُسْتَثْنَى الْحُكْمُ بِالتَّفْلِيسِ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ وَنَحْوِهِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَمَنَعُوهُ . وَقِيلَ : لِأَنَّ أَصْلَ هَذَا الْمِلَاكِ ظَنٌّ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ فَيَمْتَنِعُ بِخِلَافِ مَا يُمْنَعُ أَصْلُهُ .
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ : فِي الْجَوَاهِرِ : لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ تَقَدَّمَ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ أَوْ فِيهِ ، قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ أَوْ بَعْدَهَا ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ : يَحْكُمُ بِمَا عَلِمَ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَحَيْثُ مَعَنَا فَحُكْمُهُ لَا يُنْقَضُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لِوُقُوعِ الْخِلَافِ . كَمَا حُكِمَ فِي مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالسَّنَدِ حُكْمٌ بِصِحَّتِهِ ، وَنَقَضَهُ أَبُو الْحَسَنِ لِبُطْلَانِ الْمُدْرَكِ عِنْدَهُ كَمَا يُنْقَضُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ مَا ضَعُفَ دَلِيلُهُ ، 90 فَإِنْ أَنْكَرَ الْخَصْمُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ : فَفِي قَبُولِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ نَظَرًا لِلتَّأْكِيدِ بِالْحُكْمِ وَضَعْفِ الْمُدْرِكَ ، قَالَ التُّونُسِيُّ : لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ خِلَافًا فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَا رَأَى الْقَاضِي أَوْ سَمِعَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ : أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهِ ، وَأَنَّهُ يُنْقَضُ إِنْ حُكِمَ بِهِ ، يَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ ، لِضَعْفِ الْعِلْمِ بِتَقَدُّمِهِ كَتَقَدُّمِ الْيَمِينِ وَالْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّعْوَى ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ الْخَصْمَانِ فِي مَجْلِسِهِ ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ نَقَضَهُ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ ، وَنَفَّذَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ كَعِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ ، فَإِنْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بَعْدَ جُلُوسِهِ لِلْخُصُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ : قَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ، وَجَوَّزَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ وَرَأَيَا أَنَّهُمَا لَمَّا جُلِبَا لِلْحُكُومَةِ فَقَدْ رَضِيَا بِالْحُكْمِ بِمَا يَقُولَانِهِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يُنْكِرْ حَتَّى حُكِمَ ثُمَّ أَنْكَرَ لَمْ يُنْظَرْ إِلَى إِنْكَارِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ ، وَفِي الْجَلَّابِ : إِذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ حَكَمَ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْحَاكِمِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : وَهُوَ أَشْبَهُ فِي قُضَاةِ الْيَوْمِ لِضَعْفِ عَدَالَتِهِمْ ، وَقَالَ أَيْضًا : لَا أَرَى أَنْ يُبَاحَ هَذَا الْيَوْمُ لِأَحَدٍ مِنَ الْقُضَاةِ ، وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِمَادِهِ عَلَى عِلْمِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : إِذَا وَجَدَ فِي دِيوَانِهِ حُكْمًا بِخَطِّهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ . وَإِذَا نَسِيَ الْقَاضِي حُكْمًا حَكَمَ بِهِ فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَضَى بِهِ ، نُقِضَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا ، كَمَا ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ رِوَايَةً : أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى الْبَيِّنَةِ وَلَا يَحْكُمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عِنْدَ غَيْرِهِ بَعْدَهُ ، لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ عَلَى الْغَيْرِ وَهَى قَاعِدَةُ الْإِثْبَاتَاتِ ، وَعَنْ مَالِكٍ : إِذَا أَنْكَرَ قَضَاءَهُ فَشَهِدَ بِهِ بَعْدَهُ مَنْ شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ ، عُزِلَ الْأَوَّلُ أَمْ لَا ، وَسَوَّى شُهُودُهَا بَيْنَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَوَافَقَنَا ابْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ ( ح ) : لَا يَحْكُمُ فِي الْحُدُودِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ أَسْبَابِهَا إِلَّا الْقَذْفَ ، وَلَا فِي 91 حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بِمَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ دُونَ مَا بَعْدَ الْوِلَايَةِ ، وَمَشْهُورُ ( ش ) : الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي جَوَازِ الْحُكْمِ فِيمَا يَعْلَمُهُ . لَنَا : قَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا اسْمَعُ مِنْهُ ) فَدَلَّ عَلَى الْقَضَاءِ بِالسَّمَاعِ دُونَ الْعِلْمِ ، وَقَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : ( شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ ) فَحَصَرَ الْحُجَّةَ فِي الْأَمْرَيْنِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى الصَدَقَةِ ، فَلَافَحَهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ فَأَتَوُا النَّبِيَّ - _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ ثُمَّ قَالَ : فَأَخْطُبُ النَّاسَ أُعْلِمُهُمْ بِرِضَاكُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ فَخَطَبَ فَأَعْلَمَ فَقَالُوا : لَا ، مَا رَضِينَا ، فَأَرَادَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ - : لَا وَنَزَلَ ، فَجَلَسُوا إِلَيْهِ فَأَرْضَاهُمْ ، فَقَالَ : أَخْطُبُ وَأُعْلِمُ النَّاسَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَخَطَبَ فَأَعْلَمَ النَّاسَ ، فَقَالُوا : رَضِينَا ) وَهَذَا نَصٌّ فِي عَدَمِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ وَشَرِيكٍ : ( إِنْ جَاءَتْ بِهِ لِكَذَا فَهُوَ لِهِلَالٍ - يَعْنِي الزَّوْجَ - وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِكَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ - يَعْنِي الْمَقْذُوفَ - فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ، فَقَالَ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ( لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهُمَا ) فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي الْحُدُودِ بِعِلْمِهِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا ، وَقَدْ وَقَعَ مَا قَالَ ، فَيَكُونُ الْعِلْمُ حَاصِلًا لَهُ وَمَعَ ذَلِكَ مَا رَجَمَ ، وَعَلَّلَ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ .
92 وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ) فَاقْتَضَى جَلْدَهُمْ عِنْدَ الْبَيِّنَةِ وَإِنْ عَلِمَ صَدْقَهُمْ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَيُتَّهَمُ بِالْقَضَاءِ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَلِوَلِيِّهِ ، وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ ، فَحُسِمَتِ الْمَادَّةُ صَوْنًا لِمَنْصِبِ الْقَضَاءِ عَنِ التُّهَمِ ، قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : وَاتَّفَقُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَتَلَ أَخَاهُ ، فَعِلْمُهُ بِأَنَّهُ قَاتِلٌ أَنَّهُ كَالْقَاتِلِ عَمْدًا ، لَا يَرِثُ مِنْهُ شَيْئًا لِلتُّهْمَةِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَاحْتَجَّ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بِقَوْلِهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ( عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ) وَقَالَ مَالِكٌ نَحْوَ مَعْنَاهَا اهْتَدَى أَوَّلًا لِمَوَاضِعِ الْحُجَجِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : ( وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ ) ، احْتَجُّوا بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي أَبِي سُفْيَانَ ، قَضَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ بِالنَّفَقَةِ بِعِلْمِهِ فَقَالَ لِهِنْدَ : ( خُذِي لَكِ وَلِوَلَدِكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ ) وَلَمْ يُكَلِّفْهَا بَيِّنَةً ، قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : ( اسْتَعْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عُمَرَ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ _ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي سُفْيَانَ : انْهَضْ بِنَا إِلَى الْمَوْضِعِ ، فَنَظَرَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ، خُذْ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ هَاهُنَا فَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ ، فَقَالَ : لَا أَفْعَلُ ، فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ : خُذْهُ لَا أُمَّ لَكَ وَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّكَ - مَا عَلِمْتُ - قَدِيمُ الظُّلْمِ ، فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ ، فَاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْقِبْلَةَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى غَلَبْتُ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ وَأَذْلَلْتَهُ لِي بالْإِسْلَامِ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى جَعَلْتَ فِي قَلْبِي مَا ذَلَّلْتَهُ لِعُمَرَ ) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُحْكَمَ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ النَّاشِئِ عَنِ 93 قَوْلِ الْبَيِّنَةِ بِالْعِلْمِ أَوِ الرَّأْيِ وَالْعَجَبِ جَعَلَ الظَّنَّ خَيْرًا مِنِ الْعِلْمِ ، وَلِأَنَّ التُّهْمَةَ قَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْبَيِّنَةِ فَيَقْبَلُ مَنْ لَا يَقْبَلُ ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ بِمَا نَقَلَتْهُ الرُّوَاةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ، وَبِمَا سَمِعَهُ الْمُكَلَّفُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ يَسْتَوِي فِي حَقِّهِ إِخْبَارُ الْبَيِّنَةِ وَسَمَاعُهُ هُوَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ رُتْبَةٍ ، قِيَاسًا عَلَى الرِّوَايَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ تُثْبِتُ شَرْعًا عَامًّا وَالْقَضَاءَ فِي فَرْدٍ لَا يُعَدَّى لِغَيْرِهِ بِحَضْرَةِ أَقَلَّ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِعِلْمِهِ لَفَسَقَ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : أَنْ يَعْلَمَ وِلَادَةَ امْرَأَةٍ عَلَى فِرَاشِ رَجُلٍ ، فَشَهِدَ بِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ ، مَكَّنَهُ مِنْ وَطْءِ ابْنَتِهِ ، وَهُوَ فِسْقٌ ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ ، وَمِنْهَا : أَنْ يَعْلَمَ قَتْلَ زِيدٍ لِعَمْرٍو وَيَشْهَدَ بِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُهُ فَإِنْ قَتَلَ قَتَلَ الْبَرِيءَ ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ ، وَمِنْهَا : لَوْ سَمِعَهُ يُطَلِّقُ ثَلَاثًا فَأَنْكَرَ فَشَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِوَاحِدَةٍ ، إِنْ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مَكَّنَ مِنَ الْحَرَامِ ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ ، ) وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ اشْتَرَى فَرَسًا فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ ، فَقَالَ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ فَقَالَ خُزَيْمَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تُخْبِرُنَا عَنْ أَمْرِ السَّمَاءِ فَنُصَدِّقُكَ ، أَفَلَا نُصَدِّقُكَ فِي هَذَا ؟ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : ( ذَا الشَّهَادَتَيْنِ ) فَهَذَا وَإِنِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ ، فَهُوَ يَدُلُّ لَنَا مِنْ جِهَةِ حُكْمِهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ لِنَفْسِهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لِغَيْرِهِ بِعِلْمِهِ ، لِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التُّهْمَةِ مِنَ الْقَضَاءِ لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : قِصَّةُ هِنْدَ فُتْيَا لَا حُكْمٌ ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ، لِأَنَّهُ رَسُولٌ مُبَلِّغٌ ، وَالتَّبْلِيغُ فُتْيَا ، وَالتَّصَرُّفُ بِغَيْرِهِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفُتْيَا ، وَلِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَى حَاضِرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ . 94
وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّهُ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ الَّذِي يَحْسُنُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ الْقِيَامُ بِهِ وَإِزَالَتُهُ لَا مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ فَلِمَ قُلْتُمْ : إِنَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ ؟ وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ مُرَدَّدَةٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، فَتَكُونُ مُجْمَلَةً فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا .
وَعَنِ الثَّالِثِ : الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ ، فَلِمَ قُلْتُمْ : إِنَّ الْحُكْمَ بِالْعِلْمِ مِنَ الْقِسْطِ ، بَلْ هُوَ عِنْدَنَا مُحَرَّمٌ .
وَعَنِ الرَّابِعِ : أَنَّ الْعِلْمَ أَفْضَلُ مِنَ الظَّنِّ ؛ لِأَنَّ اسْتِلْزَامَهُ تَطْرِيقٌ لِلتُّهَمِ لِمَنْصِبِ الْقَضَاءِ وَالطَّعْنِ عَلَى مُتَوَلِّيهِ فَتَنْخَرِقُ [ . . . ] وَتَخْتَلُّ الْمَعَالِمُ الْعَامَّةُ ، أَوْجَبَ رُجْحَانَ الظَّنِّ عَلَيْهِ ، وَالرَّاجِحُ قَدْ يُعَارِضُهُ مَا يُصَيِّرُهُ مَرْجُوحًا .
وَعَنِ الْخَامِسِ : أَنَّ الرِّوَايَةَ وَالسَّمَاعَ وَالرُّؤْيَةَ اسْتَوَى الْجَمِيعُ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ فِي الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ الْحُكْمِ .
وَعَنِ السَّادِسِ : أَنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا بِعِلْمِهِ ، بَلْ تَرَكَ الْحُكْمَ بِالشَّهَادَةِ ، وَتَرْكُ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ ، وَتَرْكُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ لَيْسَ فِسْقًا .
وَعَنِ السَّابِعِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ مَا حَكَمَ لِنَفْسِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخَذَ الْفَرَسَ ، فَهَذَا مِنَ الْأَعْرَابِيِّ ، فَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ حَكَمَ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ جَعَلَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ شَهَادَتَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ مُبَالَغَةً ، فَمَا تَعَيَّنَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ إِنَّمَا سَمَّى خُزَيْمَةَ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ مُبَالَغَةً لَا حَقِيقَةً .
وَعَنِ الثَّامِنِ : إِنَّمَا حَكَمَ فِيهِ بِعِلْمِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ فَتَشْهَدُ بِالْجَرْحِ أَوِ التَّعْدِيلِ ، وَتَحْتَاجُ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةً إِلَّا أَنْ يَقْبَلَ بِعِلْمِهِ ، بِخِلَافِ صُورَةِ 95 النِّزَاعِ ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ : هَذَا لَيْسَ حُكْمًا ، وَإِلَّا يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ رَفَضَتْهُ أَوْ تَجْرِيحِ مَنْ عَدَّلَتْهُ ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَنْتَقِضُ ذَلِكَ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حُكْمًا فَلَا يَنْقُضُ .
فَائِدَةٌ : قَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : ( فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ) قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : مَعْنَاهُ : فَأَقْضِي عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَسْمُوعَ مِنَ الْخَصْمِ لَا يُقْضَى لَهُ بِهِ .
تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : إِذَا جَحَدَ الْمُقِرُّ إِقْرَارَهُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ ، وَلَمْ تَحْضُرْهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ : قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ : يَجِبُ بِمُوجَبِ إِقْرَارِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَلَا يَسْتَحِبُّ مَالِكٌ أَنْ يَحْضُرَهُ شَاهِدَانِ وَأَجَازَ فِي ذَلِكَ الْعَدْلَ وَغَيْرَهُ وَلَمْ يُبِحْ فِيهِمْ مَدْفَعَهَا ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ اسْتِحْبَابٌ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْضِي أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى الْإِقْرَارِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الشَّهَادَةُ اسْتِحْبَابٌ .
فَرْعٌ : مُرَتَّبٌ
قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ : وَحَيْثُ مَعَنَا الْحُكْمُ بِمَا عَلِمَهُ فَهُوَ فِيهِ شَاهِدٌ ، فَيَرْفَعُهُ إِلَى الْإِمَامِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَاكِمِ ، وَيَدَّعِي صَاحِبُ الْحَقِّ شَهَادَةَ الْحَاكِمِ مَعَ غَيْرِهِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : حَيْثُ مُنِعَ فَشَهَادَتُهُ قِسْمَانِ : إِنْ كَانَ عِلْمُهُ قَبْلَ الْحُكُومَةِ شَهِدَ عِنْدَ غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْإِقْرَارِ عِنْدَ الْمُحَاكَمَةِ مَنَعَ مُحَمَّدٌ قَبُولَ شَهَادَتِهِ لِلتُّهْمَةِ عَلَى التَّنْفِيذِ ، وَقَالَ أَيْضًا : لَا يُقْبَلُ إِذَا لَمْ يَحْكُمْ ، قَالَ : وَأَرَى الْقَبُولَ إِذَا لَمْ يَحْكُمْ كَالْعَبْدِ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ حَتَّى عُتِقَ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ ، وَإِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ ثُمَّ رُدَّ لَمْ يُقْبَلْ وَحَيْثُ يُقْبَلُ يُوَفِّيهَا لِمَنْ فَوْقَهُ ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ تَحْتَهُ ، قَالَ : وَأَرَى أَنْ يَقْبَلَ إِذَا كَانَ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ 96 وَإِلَّا فَلَا ، لِأَنَّ تَجْرِيحَهُ يَتَعَذَّرُ ، وَلَا يَقُومُ النَّاسُ عَلَيْهِ . وَفِي الْكِتَابِ : إِذَا أَقَرَّ الْخَصْمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ عَادَ فَجَحَدَ ، لَا يَقْضِي عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةِ سِوَاهُ ، وَإِلَّا شَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَنْ فَوْقَهُ ، وَمَا عَلِمَهُ مِنَ الْحُدُودِ : قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ غَصْبٍ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ ، وَهُوَ شَاهِدٌ فِيهِ ، وَإِنْ رَأَى الْحَدَّ السُّلْطَانُ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ سُلْطَانٌ رَفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي ، أَوْ رَآهُ مِثْلُ أَمِيرِ مِصْرٍ ، رَفَعَهُ لِلْقَاضِي وَكَانَ شَاهِدًا ، وَلَا يَرْفَعُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ . وَفِي التَّنْبِيهَاتِ : قِيلَ إِنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْكِتَابِ : لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ إِلَّا لِمَنْ دُونَهُ وَتَحْتَ يَدِهِ إِلَّا السُّلْطَانَ الْأَعْظَمَ لِلضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا يُقَامُ هَذَا الْحَدُّ وَيُهْدَرُ ، وَاعْتَمَدَ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ ، وَحَمَلَ قَوْلَهُ فِي وَالِى مِصْرٍ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ مِنْ تَقْدِيمِ الْخَلِيفَةِ وَقِيلَ : يَجُوزُ إِلَى مَا دَوَّنَهُ كَمَا يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ ، وَكَانَتِ الْعَادَةُ تَقْدِيمَ الْقُضَاةِ مِنْ قِبَلِ الْوُلَاةِ ، وَعَلَيْهِ تَكَلَّمَ ، وَهِيَ سِيرَةُ بَنِي أُمَيَّةَ ، حَتَّى وَلَّى بَنُو الْعَبَّاسِ الْقُضَاةَ مِنْ قِبَلِهِمْ دُونَ الْأُمَرَاءِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ مَعَهُ فِي الْحَدِّ غَيْرُهُ وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ لَمْ يُقِمْهُ ، وَشَهِدَ فِيهِ عِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنْ شَهِدَ السُّلْطَانُ وَآخَرُ مَعَهُ أَنَّ هَذَا سَرَقَ مَتَاعَ السُّلْطَانِ رَفَعَهُ لِمَنْ فَوْقَهُ ، وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ غَيْرُهُ أَنَّهُ سَرَقَ مَتَاعَ السُّلْطَانِ قَطَعَهُ ، لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلَا يُغَرِّمُهُ حَتَّى يَرْفَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ حَقٌّ لَهُ وَهُوَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ .
فَرْعٌ : قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ سَحْنُونٌ : إِذَا عَلِمَ خِلَافَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهَا ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهَا لِعَدَالَتِهَا ، وَيَرْفَعُ ذَلِكَ إِلَى الْأَمِيرِ الَّذِي هُوَ فَوْقَهُ فَيَشْهَدُ بِمَا عَلِمَ ، وَالْبَيِّنَةُ بِمَا عَلِمَتْ ، وَيَرَى ذَلِكَ الْآخَرُ رَأْيَهُ ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ غَيْرَ عَادِلَةٍ شَهِدَتْ بِمَا يَعْلَمُهُ لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهَا لِعَدَمِ الْعَدَالَةِ ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ : إِذَا شَهِدَتِ الْعَدَالَةُ بِمَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ نَفَّذَ شَهَادَتَهُمْ بَعْدَ الِاسْتِنْظَارِ ، وَالْأَحْسَنُ لَوْ خَلَا 97 بِهِمْ فَأَعْلَمَهُمْ بِعِلْمِهِ ، فَلَعَلَّهُمْ يَنْكَشِفُ لَهُمْ أَوْ لَهُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلْيَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَيُعْلِمِ الْمَشْهُودَ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَهَادَةً ، فَيَرْفَعُ ذَلِكَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ إِلَّا تَحْتَهُ لَمْ يَرْفَعْ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ أَشْهَبَ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ : أَنْ لَا يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْإِنْسَانِ مَنْ فَوْقَهُ وَرَفَعَهُ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ اخْتَصَمَ مَعَ أُبَيٍّ إِلَى عُثْمَانَ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ _ ، فَيَتَحَصَّلُ فِي حُكْمِهِ بِخِلَافِ عِلْمِهِ قَوْلَانِ .
تَنْبِيهٌ : قَوْلُ الْعُلَمَاءِ : لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ أَوْ يَحْكُمُ . لَيْسَ مُرَادُهُمْ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ ، بَلِ الظَّنُّ الْغَالِبُ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ إِذْ رَأَى زَيْدًا قَتَلَ عَمْرًا فَحَكَمَ بِالْقِصَاصِ بِمَا رَآهُ ، لَيْسَ هُوَ حَوَالَةَ الْحُكْمِ عَالِمًا بِصِحَّةٍ مَا حَكَمَ بِهِ ، لِجَوَازِ صُدُورِ الْعَفْوِ قَبْلَ الْحُكْمِ ، كَذَلِكَ أَسْبَابُ الْأَمْلَاكِ مِنَ الْبَيْعِ وَالْإِرْثِ وَغَيْرِهِ ، يُحْتَمَلُ طُرُوءُ النَّاقِلِ بَعْدَهَا ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِالْعِلْمِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ طُرُوءَ الْمُعَارِضِ ، كَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَنَحْوِهِ ، يُفْهَمُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ : إِنَّ الشَّهَادَةَ مَنْ شَرْطِهَا الْعِلْمُ ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ لَيْسَ جَازِمًا حَالَةَ الْأَدَاءِ بِبَقَاءِ مَا شَهِدَ بِهِ مِنَ الْمُلْكِ وَالْمُعَامَلَةِ ، وَإِنَّمَا مُرَادُ الْعُلَمَاءِ أَصْلُ الْمَأْخَذِ ، فَإِنْ كَانَ ظَنًّا سُمِّيَ ظَنًّا أَوْ عِلْمًا سُمِّيَ عَلِمًا ، ثُمَّ يُسْتَصْحَبُ فَيَصِيرُ ظَنًّا .
تَنْبِيهٌ : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : اسْتُثْنِيَ مِنَ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ وَحَيْثُ مُنِعَ : التَّوَاتُرُ لِوَجْهَيْنِ : لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الْبَيِّنَةِ ، وَلَا تَبْقَى التُّهْمَةُ بِكَثْرَةِ النَّقْلِ ، وَحَيْثُ قُلْنَا : يَحْكُمُ كَمَا قَالَ ( ش ) يُسْتَثْنَى الْحُكْمُ بِالتَّفْلِيسِ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ وَنَحْوِهِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَمَنَعُوهُ . وَقِيلَ : لِأَنَّ أَصْلَ هَذَا الْمِلَاكِ ظَنٌّ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ فَيَمْتَنِعُ بِخِلَافِ مَا يُمْنَعُ أَصْلُهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث