الذخيرة
الذخيرة · الجزء العاشر
الصفحة 1411 · ص. المطبوع 120
120 الْبَابُ الثَّامِنُ
فِي
الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا
وَيَنْبَنِي عَلَى الْفَرْقِ ، وَيُمَكِّنُ غَيْرَهُ مِنَ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا قَالَ فِي الْفُتْيَا فِي مَوَاضِعِ الْخِلَافِ ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : مَا قَضَى بِهِ مِنْ نَقْلِ الْأَمْلَاكِ ، وَفَسْخِ الْعُقُودِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ حُكْمٌ ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيرِ الْحَادِثَةِ لَمَا رُفِعَتْ إِلَيْهِ كَامْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ، ثُمَّ عُزِلَ وَجَاءَ غَيْرُهُ ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلِغَيْرِهِ فَسَخُهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : حُكْمٌ لِأَنَّهُ أَمْضَاهُ ، وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِإِجَازَةٍ وَلَا يُنْقَضُ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وَقَالَ : لِأَنَّهُ حَكَمَ فِي غَيْرٍ بِاجْتِهَادِهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِيهِ بِإِمْضَائِهِ أَوْ فَسْخِهِ ، أَمَّا لَوْ رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا النَّاكِحُ فَقَالَ : أَنَا لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخِ هَذَا النِّكَاحِ بِعَيْنِهِ ، فَهَذَا فَتْوًى وَلَيْسَ بِحُكْمٍ ، وَرُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمٌ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، فَقَالَ أُجِيزُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ ، وَهُوَ فَتْوًى مَا لَمْ يَقَعْ حُكْمُهُ عَلَى عَيْنِ الْحُكْمِ ، قَالَ : وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْوَجْهِ خِلَافًا ، وَإِنْ حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَمْ يُقِمْهُ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ ، لَيْسَ بِنَقْلِ مِلْكٍ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إِلَى الْآخَرِ ، وَلَا فَصْلِ خُصُومَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَا إِثْبَاتِ عَقْدٍ وَلَا فَسْخِهِ مِثْلِ رِضَاعِ كَبِيرٍ فَيَحْكُمُ ، فَإِنَّ رِضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَالْفَسْخُ حُكْمٌ ، وَالتَّحْرِيمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَثْبُتُ بِحُكْمِهِ ، بَلْ هُوَ مَعْرِضُ الِاجْتِهَادِ ، أَوْ رُفِعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَسَخَ نِكَاحَهَا وَحَرَّمَ عَلَى زَوْجِهَا ، فَفَسْخُهُ حُكْمٌ دُونَ تَحْرِيمِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَحُكْمُهُ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ وَإِجَارَةٍ ، هُوَ فَتْوًى لَيْسَ حُكْمًا عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاهَدَهُ ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مَوْكُولٌ لِمَنْ يَأْتِي مِنَ الْحُكَّامِ وَالْفُقَهَاءِ .
121 تَمْهِيدٌ : الْحُكْمُ وَالْفَتْوَى كِلَاهُمَا إِخْبَارٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْتَقِدُهُمَا الْمُخْبَرُ ، وَكِلَاهُمَا الْمُكَلَّفُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَكِنَّ الْفَتْوَى إِخْبَارٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْتَقِدُ الْمُخْبَرُ وَكِلَاهُمَا [ . . . ] مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ ، لَكِنَّ الْفَتْوَى إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِلْزَامٍ أَوْ إِبَاحَةٍ . وَالْحُكْمُ إِخْبَارٌ عَنْ إِلْزَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلْزَامِ الْحَاكِمِ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا ، وَقَوْلُنَا فِي الْفَتْوَى : ( أَوْ إِبَاحَةٍ ) ، يُرِيدُ بِهِ مَا عَدَا الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ فَتَنْدَرِجُ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ . وَقَوْلُنَا فِي الْحُكْمِ : إِلْزَامُ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَلَا قَضَاءً وَ لَا رِضًا ، وَقَوْلُنَا : وَإِلْزَامُ الْحَاكِمِ هُوَ الْقَيْدُ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْفَرْقُ مَعَ مَا بَعْدَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمُفْتِي أَنْ يُجِيزَ وَلَا يُلْزِمَ ; وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ يُنْكِرُ الْمُنْكِرُ [ . . . ] ذَلِكَ سَعْيٌ أَنْ لِلَّهِ ضِدَّ مَا أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَا إِلْزَامَ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ الْمُنْكِرِ أَوِ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ : مَنْ رَأَيْتَهُ خَالَفَنِي فَامْنَعْهُ ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ اسْتَنَبْتُكَ عَنِّي فِي الْإِلْزَامِ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ ، فَالْأَوَّلُ سَاعٍ فِي وُقُوعِ الْمَأْمُورِ ، وَالثَّانِي بِشَيْءٍ لِلْآمِرِ وَالْإِلْزَامِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ لَا حَرَمَ مِنْ نَقْضِ حُكْمِ حَاكِمٍ أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : الْحُكْمُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا يُنْكَرُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَدَّدْ إِلْزَامُ اللَّهِ الَّذِي اسْتَنَابَ عَبْدَهُ فِيهِ ، فَالْحَاكِمُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَحَاكِمٍ يَسْتَنِيبُ ، وَالْمُنْكِرُ وَالْمُفْتِي كَحَاكِمٍ لَهُ تُرْجُمَانٌ أَوْ وَزَعَةٌ يُلْجِئُونَ النَّاسَ لِدَفْعِ الْحُقُوقِ ، ثُمَّ هَذَا الْإِلْزَامُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِمَعْنًى مَحْصُورٍ كَالْخَصْمِ الْحَاضِرِ ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلَا مَحْصُورٍ ، كَالْحُكْمِ بِوَقْفِ مَسْجِدٍ أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ ، هُوَ إِلْزَامٌ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ لَا يَبِيعَهُمَا ، وَقَوْلُنَا : لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا احْتِرَازٌ مِنْ وُقُوعِ التَّنَازُعِ تَنْجِيسُ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، وَظَاهِرُهُ : الْأَرْوَاثُ وَتَحْرِيمُ السِّبَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ لِدُنْيَاهُ بَلْ لِأُخْرَاهُ ، بِخِلَافِ الْمُنَازَعَةِ فِي الْعُقُودِ وَنَحْوِهَا ، 122 إِنَّمَا ذَلِكَ لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا ، فَهَذَا يُظْهِرُ أَنَّ طَهَارَةَ الْمِيَاهِ وَنَحْوِهَا لَا تَقْبَلُ الْحُكْمَ أَلْبَتَّةَ ، وَأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ قِسْمَانِ ، مِنْهَا مَا يُفِيدُ حُكْمَ الْحَاكِمِ مَعَهُ فَيَجْتَمِعُ الْحُكْمَانِ ، وَمِنْهَا مَا لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْفُتْيَا فَيَنْفَرِدُ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ ، بِهَذَا يَظْهَرُ أَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ تَصَرُّفِ رَسُولِ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ بِالْفُتْيَا ، وَهِيَ التَّبْلِيغُ الْمُعَدَّى عَنِ الْحُكْمِ مِنْ قَبْلِهِ ، وَبَيْنَ تَصَرُّفِهِ بِالْقَضَاءِ ، فَإِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ هُنَالِكَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ ، وَيَظْهَرُ أَيْضًا بِهَذَا أَنَّ الْعِبَادَاتِ كُلَّهَا لَا تَقْبَلُ الْحُكْمَ ، وَهِلَالَ رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ ، إِنَّمَا حَظُّ الْحَاكِمِ فِيهِ إِثْبَاتُ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ ، وَكَذَلِكَ إِيجَابُ الزَّكَاةِ ، وَأَمَّا أَخْذُ مَا سَنَّ يَأْخُذُهُ السَّاعِي فَذَلِكَ حُكْمٌ لِوُقُوعِ التَّنَازُعِ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ لِمَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ ، وَهِيَ الْمَالِيَّةُ ، وَعَلَى هَذَا خَرَجَ سَائِرُ الْأَحْكَامِ وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَوَاضِعِ الْخِلَافِ لَا يُنْقَضُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ نَصٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ الْحَاكِمِ ، وَنَصُّ اللَّهِ مُقَدَّمٌ كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : الْحَقُّ مَعَ هَذَا وَإِذَا كَانَ هَذَا نَصًّا صَرِيحًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ هُوَ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ حُرِّمَ عَلَى الْمُخَالِفِ لَهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ نَقْضُ هَذَا الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةٍ مَجْمَعٍ عَلَيْهَا وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ النَّصُّ وَالْعُمُومُ قُدِّمَ الْخَاصُّ فِي صُورَةِ وُرُودِهِ وَبَقِيَ الْعُمُومُ مَعْمُولًا بِهِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ ، فَلَا حَرَّمَ مُخَالِفُ الْمُجْتَهِدِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي اتَّصَلَ بِهَا الْحُكْمُ ، وَتَخْرُجُ هَذِهِ مِنْ خِلَافِهِ لِوُرُودِ النَّصِّ الْخَاصِّ فِيهَا ، كَمَا يَعْمَلُ فِي سَائِرِ مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ إِذَا اجْتَهَدَ ، فَتَخْرُجُ الْمُصَرَّاةُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ لِلنَّصِّ وَتَخْرُجُ الْمُسَاقَاةُ مِنَ الْإِجَارَةِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُسْتَثْنًى بِنَصٍّ يَخُصُّهُ فَهَذَا مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ : أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ يَرْفَعُهُ ، وَلَا يُنْتَقَضُ لِأَحَدٍ ذَلِكَ الْحُكْمُ ، وَقَدْ يُظْهِرُ بُطْلَانَ مَا فِي الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ نَقْضِ الْحُكْمِ أَنَّ الْخِلَافَ 123 يَبْقَى مَعَ الْحُكْمِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ وَلَا يُسْتَشْعَرُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْشِئَ إِلْزَامًا لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَ ذَلِكَ لِلْحُكَّامِ جَعَلَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يُنْشِئَ عَلَى نَفْسِهِ الْوُجُوبَ فِي كُلِّ مَنْدُوبٍ بِالنَّذْرِ ، وَإِنْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُنْشِئَ الْحَاكِمُ الْإِلْزَامَ بِمُعَيَّنٍ أَيْضًا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهِ ، غَيْرَ أَنَّ النَّاذِرَ يُنْشِئُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالْحَاكِمَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِأَنْ جَعَلَ أَيْضًا لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يُنْشِئَ سَبَبِيَّةَ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ فِي أَيِّ شَيْءٍ أَرَادَهُ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ ، وَيُمَيِّزَهَا لِلَّهِ تَعَالَى فِيمَا فِيهِ حُكْمٌ ، وَمَا لَا حُكْمَ فِيهِ فَيَجْعَلُهُ سَبَبًا لِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ ، فَيُقِيمَ دُخُولَ الدَّارِ سَبَبًا لِذَلِكَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث