الذخيرة
الذخيرة · الجزء الأول
السَّبَبُ الثَّانِي : فِي الْجَوَاهِرِ : إِنْزَالُ الْمَاءِ الدَّافِقِ مَقْرُونًا بِلَذَّةٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ وُجِدَ مِنَ الرَّجُلِ ، أَوِ الْمَرْأَةِ .
وَهُوَ مِنَ الرَّجُلِ فِي اعْتِدَالِ الْحَالِ أَبْيَضُ ثَخِينٌ دَفَّاقٌ يَخْرُجُ مَعَ الشَّهْوَةِ الْكُبْرَى رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ ، أَوِ الْعَجِينِ يَعْقُبُهُ فُتُورٌ .
وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَذْيِ خُرُوجُهُ مَعَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى بِخِلَافِ الْمَذْيِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَلَا يُشْتَرَطُ فِي إِنْزَالِ الْمَرْأَةِ مَائَهَا ; لِأَنَّ عَادَتَهُ أَنْ يَنْدَفِعَ إِلَى دَاخِلِ الرَّحِمِ لِيُخْلَقَ مِنْهُ الْوَلَدُ ، وَرُبَّمَا دَفَعَهُ الرَّحِمُ إِلَى خَارِجَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا انْتِظَارُ خُرُوجِهِ لِكَمَالِ الْجَنَابَةِ بِانْدِفَاعِهِ إِلَى الرَّحِمِ ، فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَبَعْدَ الْغُسْلِ غَسَلَتْ فَرْجَهَا ، وَتَوَضَّأَتْ ، وَإِنْ صَلَّتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهَا ، وَتَغْسِلُ فَرْجَهَا ، وَتَتَوَضَّأُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ) تَقْدِيرُهُ إِنَّمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ مِنْ إِنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ ؟ فَقَالَ : لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( نَعَمْ ، فَلْتَغْتَسِلْ ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ ، فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( تَرِبَتْ يَمِينُكِ ، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ) وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُنْزِلُ الْمَنِيَّ ، وَعَلَى 295 ذَلِكَ دَلَّ التَّشْرِيحُ فِي الطِّبِّ ، وَأَنَّ لِلْمَرْأَةِ أُنْثَيَيْنِ مُلْتَصِقَيْنِ فِي أَصْلِ مَجْرَى الْوَطْءِ يَتَدَفَّقُ مِنْهُمَا الْمَنِيُّ ، وَمَجْرَى الْوَطْءِ لِلْمَرْأَةِ بِمَنْزِلَةِ الذَّكَرِ . أُنْثَيَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي أَصْلِهِ ، وَالطُّولُ كَالطُّولِ ، وَقَدْ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الطُّولَيْنِ .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( تَرِبَتْ يَمِينُكِ ) قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : الْمُرَادُ نَفْيُ الْغِنَى ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : مَعْنَاهُ ضَعُفَ عَقْلُكَ أَتَجْهَلِينَ هَذَا ؟ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : مَعْنَاهُ التَّحْضِيضُ عَلَى التَّعَلُّمِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، وَقِيلَ : أَصَابَتْ يَدُكِ التُّرَابَ ، وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهَا بِالْفَقْرِ ، وَقِيلَ ثَرِبَتْ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنَ الثَّرْبِ الَّذِي هُوَ إِصَابَةُ الشَّحْمِ أَيِ اسْتَغْنَتْ ، وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ بِإِبْدَالِ الْمُثَنَّاةِ مِنَ الْمُثَلَّثَةِ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلْإِنْكَارِ ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا افْتَقَرْتِ حَتَّى تَلْتَصِقَ يَدُكِ بِالتُّرَابِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ تَرِبَ إِذَا افْتَقَرَ ، وَأَتْرَبَ إِذَا اسْتَغْنَى .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ) قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّحِيحَيْنِ : ( إِذَا سَبَقَ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَنَّثَ ) .
وَرُوِيَ : إِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ ، أَوْ عَلَا أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ ، أَوْ عَلَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ لِأَجْلِ الْغَلَبَةِ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَعَلَا كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى لِأَجْلِ السَّبْقِ ، وَأَشْبَهَ أَخْوَالَهُ لِأَجْلِ الْغَلَبَةِ ، وَالْكَثْرَةِ ، وَإِنْ سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ ، وَغَلَبَ مَاءُ الْمَرْأَةِ بَعْدَهُ ، وَكَانَ أَكْثَرَ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا يُشْبِهُ أَخْوَالَهُ ، وَإِنْ سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ ، وَمَاءُ الرَّجُلِ أَكْثَرُ كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى يُشْبِهُ أَعْمَامَهُ .
تَفْرِيعٌ : فِي الْجَوَاهِرِ : فَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ لِمَرَضٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ قِيَاسًا عَلَى دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ : وَالظَّاهِرُ عِنْدِي إِيجَابُهُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ) وَلِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَظَ ، وَوَجَدَ الْمَنِيَّ ، وَلَمْ يَرَ احْتِلَامًا أَنَّ عَلَيْهِ الْغُسْلَ ، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : قَالَ مُجَاهِدٌ : إِذَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ ، وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ : عَلَيْهِ الْغُسْلُ ، وَفِي الرَّجُلِ يَرَى الِاحْتِلَامَ ، وَلَا يَجِدُ بَلَلًا لَا غُسْلَ عَلَيْهِ .
296 وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَوَّلِ : فَهَلْ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ ، أَوْ يَجِبُ ، يُخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الْخَارِجِ النَّادِرِ هَلْ يُوجِبُ أَمْ لَا ؟ وَلَوِ اقْتَرَنَتْ بِهِ لَذَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ كَمَنَ بِهِ حَكَّةٌ ، أَوِ اغْتَسَلَ بِمَاءٍ حَارٍّ ، فَوَجَدَ لَذَّةً ، فَأَنْزَلَ . فِيهِ خِلَافٌ ، فَأَوْجَبَهُ سَحْنُونُ .
وَلَوْ وُجِدَتِ اللَّذَّةُ الْمُعْتَادَةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْإِنْزَالِ كَمَنْ يُجَامِعُ ، أَوْ يَلْتَذُّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ، ثُمَّ يُنْزِلُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْوُجُوبُ لِمَالِكٍ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : أَكْتَفِي بِاللَّذَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ . قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ : إِنِ اغْتَسَلَ أَعَادَ الْغُسْلَ ; لِأَنَّ الْإِيلَاجَ ، وَالْمَاءَ سَبَبَانِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ كَمَنْ بَالَ بَعْدَ وُضُوئِهِ مِنَ اللَّمْسِ ، وَعَدَمُ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ الْمُقَارَنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي الْمَجْمُوعَةِ ، وَالتَّفْرِقَةُ لِمُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جَامَعَ ، فَاغْتَسَلَ لَهُ ، فَلَا يَجِبُ لِأَنَّهُ مِمَّا أَدَّى حُكْمَهُ ، وَبَيْنَ عَدَمِ الِاغْتِسَالِ فَيَغْتَسِلُ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ : فِي الْمُلَاعِبِ يُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْغُسْلِ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْحَدَثِ يَقُومُ مَقَامَهُ كَاللَّمْسِ وَالنَّوْمِ ، وَأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ الْوَدْيِ ، وَالرِّيحِ ، وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مَقَامَ الْمَنِيِّ ، وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ ، وَالْإِعَادَةُ قَبْلَ الْخُرُوجِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ السَّبَبِ ، وَبَعْدَ خُرُوجِهِ بَعْدَهُ جُنُبًا مِنْ حِينِ الْمُلَاعَبَةِ ، وَمَنْ صَلَّى جُنُبًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُجَامِعِ : يُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، وَلَا يَغْتَسِلُ ; لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ غُسْلُهُ ، وَالْوُضُوءَ مَأْمُورٌ بِهِ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ بِجَامِعِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعَادَةِ ، وَأَمَّا إِعَادَةُ الصَّلَاةِ مِنَ الْأَوَّلِ فَلَا يُنَافِي مَا هُنَا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ جُنُبًا مِنْ حِينِ الْجِمَاعِ ، فَقَدِ اغْتَسَلَ ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمُلَاعِبِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِقَامَةُ السَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ بِخِلَافِ الْأَصْلِ ، وَإِذَا وُجِدَ الْمُسَبِّبُ أُضِيفَ الْحُكْمُ إِلَيْهِ ، وَسَقَطَ سَبَبُهُ كَالْمَسِّ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِمْذَاءُ بَطَلَ حُكْمُهُ ، وَكَانَ الْحُكْمُ لِلْمَذْيِ حَتَّى يَجِبَ غَسْلُ الذَّكَرِ .
لَكِنْ يُقَالُ هَا هُنَا : إِذَا لَغَيْتُمُ الْأَوَّلَ تَكُونُ الصَّلَاةُ وَقَعَتْ قَبْلَ نَقْضِ الطَّهَارَةِ ، فَلَا إِعَادَةَ ، فَنُجِيبُ بِأَنَّ الْإِيلَاجَ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِنْزَالُ كَانَتِ الْجَنَابَةُ قَائِمَةً لَمْ يَنْفَصِلْ 297 حُكْمُهَا ، وَلَمْ يُكْمُلِ السَّبَبُ أَوَّلًا ، وَلَا آخِرًا بَلِ الْمَجْمُوعُ هُوَ السَّبَبُ ; لِأَنَّ هَذَا الْإِنْزَالَ عَنْ تِلْكَ الْمُجَامَعَةِ ، فَأَشْبَهَ اسْتِدَامَةَ الْمُجَامَعَةِ ، فَكَأَنَّ حُكْمَ الْمُجَامَعَةِ مُسْتَمِرٌّ حَتَّى يُنْزِلَ .
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَيْضُ لَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهُ حَتَّى يَكْمُلَ جَمِيعُهُ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُعِيدُ الْغُسْلَ ، وَالصَّلَاةَ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ آخَرُونَ : يُعِيدُ الْغُسْلَ دُونَ الصَّلَاةِ مُلَاحَظَةً لِاسْتِقْلَالِ الْأَقْوَالِ بِالسَّبَبِيَّةِ ، وَإِنْ عُرِّيَ عَنِ اللَّذَّةِ ، وَمَتَى قُلْنَا بِعَدَمِ إِعَادَةِ الْغُسْلِ ، فَالْإِعَادَةُ اسْتِحْبَابٌ .
فَرْعٌ مُرَتَّبٌ : قُلْنَا فِيمَنْ أَوْلَجَ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ إِنَّهُ يَغْتَسِلُ أَيْضًا إِذَا أَنْزَلَ ، فَلَوْ أَنَّهُ أَنْزَلَ أَوَّلًا ، فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ مَاءٍ ، فَمُقْتَضَى الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ يَغْتَسِلُ ; لِأَنَّ حَدَثَهُ الْآنَ كَمَا كَمُلَ ، فَأَشْبَهَ مَنِ اغْتَسَلَ بَعْدَ إِيلَاجِهِ ، وَقَبْلَ إِنْزَالِهِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَجِبُ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ خُرُوجِهِ قَبْلَ الْبَوْلِ ، أَوْ بَعْدَهُ خِلَافًا ش فِي إِيجَابِهِ الْغُسْلَ فِي الْحَالَيْنِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ قَبْلَ الْبَوْلِ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ الْمَاءِ الْمُعْتَبَرِ ، وَلَا يَجِبُ بَعْدَهُ لِخُرُوجِهِ بِغَيْرِ دَفْقٍ ، وَلَا شَهْوَةٍ ، وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْغُسْلِ ، فَقِيلَ : يَجِبُ الْوُضُوءُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَنْبَلٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَذْيِ ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجِبِ الْغُسْلَ ، فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَابْنُ الْجَلَّابِ : هُوَ مُسْتَحَبٌّ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَارْتِكَابُ هَذَا صَعْبٌ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ لِمَنْ تَقَدَّمَ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي إِيجَابِهِ الْغُسْلَ ، أَوِ الْوُضُوءَ ، فَالْخُرُوجُ عَنْ قَوْلِ الْجَمِيعِ مَحْذُورٌ .
298 وَكَذَلِكَ مَنْ جَامَعَ ، وَلَمْ يُنْزِلْ ، وَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ أَنْزَلَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ : عَلَيْهِ الْغُسْلُ .
فُرُوعٌ سِتَّةٌ :
الْأَوَّلُ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : قَالَ سَحْنُونُ : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَرَأَيْتَ الْمُسَافِرَ يَكُونُ عَلَى وُضُوءٍ ، أَوْ غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَيَطَأُ أَهْلَهُ ، أَوْ جَارِيَتَهُ ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَهُمَا سَوَاءٌ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ هُمَا سَوَاءٌ ؛ قِيلَ : الْمُتَوَضِّئُ ، وَالْمُحْدِثُ ، وَقِيلَ : الزَّوْجَةُ الْمَمْلُوكَةُ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا لِحَقِّ الزَّوْجَةِ فِي الْوَطْءِ ، وَالْأَوَّلُ بَيِّنٌ ; لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَمْنَعَ ، وَيَسْقُطَ حَقُّهَا لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعَهُمَا مَاءٌ يَغْسِلَانِ بِهِ النَّجَاسَةَ عَنْ فَرْجِهِمَا .
حُجَّتُنَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الصَّلَاةَ بِالطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَهُمَا قَادِرَانِ ، فَلَا يَتَسَبَّبَانِ فِي إِبْطَالِهَا ، وَيَرْجِعَانِ إِلَى التَّيَمُّمِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ مَعَهُ مَاءٌ فَيُهْرِقُهُ ، وَيَتَيَمَّمُ ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : لَيْسَ لِلزَّوْجَيْنِ الْمُتَوَضِّئَيْنِ أَنْ يُقَبِّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا مَاءٌ يَتَوَضَّآنِ بِهِ .
وَقَالَ التُّونُسِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ : لَوْ طَالَ عَدَمُ الْمَاءِ فِي سَفَرِهِ جَازَ لَهُ الْوَطْءُ قِيَاسًا عَلَى الْجَرِيحِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجُرْحَ يَطُولُ بُرْؤُهُ غَالِبًا بِخِلَافِ عَدَمِ الْمَاءِ .
الثَّانِي : إِذَا مَنَعْنَاهُ مِنَ الْوَطْءِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : مَنَعْنَاهُ مِنَ الْبَوْلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ ، وَحَقْنَتُهُ خَفِيفَةٌ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فَإِذَا كَانَتِ الْحَقْنَةُ مُثْقَلَةً لَا يُمْنَعُ ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى .
وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْمُحْدِثِ يُرِيقُ الْمَاءَ وَيَتَيَمَّمُ ، وَيُجْزِئُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ .
حُجَّتُنَا : آيَةُ التَّيَمُّمِ .
الثَّالِثُ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : لِلْمَجْرُوحِ ، أَوِ الْمَشْجُوجِ أَنْ يَطَأَ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ 299 لِطُولِ أَمْرِهِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ : الْمُرَادُ اللَّذَانِ يَتَيَمَّمَانِ ; لِأَنَّ مَنْ بِهِ شَجَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَمْنَعُهُ الْغُسْلَ هُوَ كَالْمُسَافِرِ لَا يَطَأُ أَهْلَهُ إِنْ عَدِمَ الْمَاءَ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : هَذَا عُدُولٌ عَنِ الْمَقْصُودِ بِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الصَّلَاةِ بِلَا جَنَابَةٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ ، وَوَرَدَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صَاحِبُ الشَّجَّةِ ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا بَدَلًا مِنَ الْغُسْلِ ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُنْهَى عَنِ الْوَطْءِ ، قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ يَطُولُ .
الرَّابِعُ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : لَا يَنَامُ الْجُنُبُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ لَيْلًا كَانَ ، أَوْ نَهَارًا خِلَافًا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا .
حُجَّتُنَا مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَالصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( تَوَضَّأْ ، ثُمَّ اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَنَمْ ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ ، وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ .
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَنَامُ ، وَهُوَ جُنُبٌ ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً . . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ سُوَيْدٌ : هَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ طَعَنُوا فِيهِ .
وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ هَذَا الْوُضُوءِ ، فَقِيلَ : لِيَنَامَ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ ، وَقِيلَ : لِيَنْشَطَ فَيَغْتَسِلَ ، وَقِيلَ : إِنَّ الْأَرْوَاحَ تُرْفَعُ إِلَى الْعَرْشِ لِتَسْجُدَ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِالْحَائِضِ ، وَقِيلَ : إِنَّ النُّفُوسَ إِذَا اسْتَشْعَرَتْ أَنَّهَا مُتَقَرِّبَةٌ مَالَتْ إِلَى جَنَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ أَقْرَبَ لِلْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ ، فَإِنَّ مَنْ أَسَاءَ اسْتَوْحَشَ ، وَمَنْ أَحْسَنَ اسْتَبْشَرَ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : وَلَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِهِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنِ اقْتَصَرَ الْجُنُبُ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَحَسَنٌ ، فَفِي الْمُوَطَّأِ : إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ ، أَوْ يَطْعَمَ ، وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ، وَكَانَ يَتْرُكُ غُسْلَ رِجْلَيْهِ لِسُقُوطِ غُسْلِهِمَا مَعَ الْخُفِّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ : وَالْجُنُبُ بِخِلَافِ الْحَائِضِ 300 وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَيْضَ مُسْتَمِرٌّ يُبْطِلُ كُلَّ وُضُوءٍ يُفْعَلُ لِلنَّوْمِ ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالنَّشَاطِ لِلْغُسْلِ ظَهَرَ الْفَرْقُ أَيْضًا لِتَعَذُّرِهِ فِي حَقِّهَا مَعَ أَنَّهُ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ : يَتَخَرَّجُ أَمْرُهَا بِالْوُضُوءِ عَلَى عِلَّةِ الْأَمْرِ بِهِ ، وَحَكَى قَوْلًا بِوُجُوبِ وُضُوءِ الْجُنُبِ . فُرُوعٌ مُرَتَّبَةٌ :
الْأَوَّلُ : إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ : لَا يَتَيَمَّمُ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يَتَيَمَّمُ .
الثَّانِي : إِذَا تَوَضَّأَ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْجمَنِيِّ ، أَوْ أَحْدَثَ ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ : لَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ قَالَ اللَّخْمِيُّ : عَلَى تَعْلِيلِنَا بِالْمَبِيتِ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ يُعِيدُ .
حُجَّةُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَمْرَهُ بِغَسْلِ ذَكَرِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنْقُضُهُ نَوَاقِضُ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ هَا هُنَا طَهَارَةٌ عَنِ الْجَنَابَةِ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ ، فَلَا يَنْقُضُهُ إِلَّا الْجَنَابَةُ الطَّارِئَةُ بَعْدَهُ .
الثَّالِثُ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : لَا بَأْسَ أَنْ يُعَاوِدَ أَهْلَهُ ، وَيَأْكُلَ قَبْلَ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَمْرَيْنِ ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ ، أَوِ النَّهَارِ ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَفِي رِوَايَةٍ ، وَهُنَّ تِسْعُ نِسْوَةٍ قِيلَ لِأَنَسٍ : أَوَكَانَ يُطِيقُهُ قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُضُوءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَلِأَنَّ الْجِمَاعَ يَنْقُضُ الْغُسْلَ ، وَالْوُضُوءَ بَدَلٌ مِنَ الْغُسْلِ ، فَلَا يُشَرَّعُ الْوُضُوءُ لِنَاقِضِهِ ، وَإِنَّمَا تُشَرَّعُ الطَّهَارَةُ ؛ لِمَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ ، وَتَكْمُلُ مَصْلَحَتُهُ .
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا ) فَيَدُلُّ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَنَحْنُ لَا نَكْرَهُ الْوُضُوءَ ، وَأَمَّا الْأَكْلُ ، فَلِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ غَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يَأْكُلُ ، أَوْ يَشْرَبُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ .
301 مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : يُعِيدُ مَنْ أَحْدَثَ نَوْمَةً نَامَ فِيهَا مُحْتَجًّا بِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَرْضِهِ بِالْحَرَّةِ ، فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا ، فَاغْتَسَلَ ، وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ ، وَأَعَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلَمْ يُعِدْ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالْأَثَرُ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَلْبَسُهُ ، وَلَا يَنْزِعُهُ فَيُعِيدُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ نَامَ فِيهِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ بَيِّنٍ بَلْ هُوَ اخْتِلَافُ قَوْلٍ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : يُرِيدُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِيمَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ .
قَالَ : وَعُذْرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى شَكَّ فِي طَهَارَتِهِ ، أَوْ ظَنَّ نَقْضَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .
وَهَلْ يَسْتَوِي فِي طَرَيَانِ الشَّكِّ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، أَوْ بَعْدَهَا ؟ قَوْلَانِ ، وَمَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الطَّهَارَةُ لَا إِعَادَةَ ، وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الظَّنِّ ، فَلَوْ تَوَضَّأَ ، وَوَجَدَ بَلَلًا عُقَيْبَهُ ، فَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ الْبَلَلَ مِنَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ ، فَإِنَّ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ الشَّكُّ فِي الطَّهَارَةِ مُتَحَقِّقٌ فِي جُمْلَةِ لَيَالِيهِ ، وَالَّذِي يُفَارِقُهُ مَا يَدْرِي مَا طَرَأَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ظَنُّ الطَّهَارَةِ سَالِمًا فِي مُعَارَضَةِ الشَّكِّ ، وَالطَّهَارَتَانِ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ سَوَاءٌ .
أَمَّا لَوْ كَانَ الْمَنِيُّ رَطْبًا أَعَادَ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا .
فَرْعٌ : مُرَتَّبٌ : قَالَ : إِذَا قُلْنَا يُعِيدُ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ ، وَكَانَ غَيْرُهُ يَنَامُ فِيهِ قَبْلَهُ . قَالَ سَحْنُونُ : لَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْأَمَارَةِ فِي حَقِّهِ . الْخَامِسُ : إِذَا رَأَتِ امْرَأَةٌ فِي ثَوْبِهَا دَمَ حَيْضٍ لَا تَدْرِي أَنَّهُ مِنْهَا ، أَوْ مِنْ شَيْءٍ أَصَابَهَا . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ لَمْ يُفَارِقْهَا لَيْلًا ، وَلَا نَهَارًا ، أَوْ كَانَ يَلِي جَسَدَهَا اغْتَسَلَتْ ، وَأَعَادَتْ جَمِيعَ صَلَاةٍ صَلَّتْهَا فِيهِ ؛ يُرِيدُ أَنَّهَا تُسْقِطُ أَيَّامَ الطُّهْرِ ، وَتُعِيدُ الصِّيَامَ الْوَاجِبَ مِنْ يَوْمِ أَنْ صَامَتْ فِيهِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ تَلْبَسُهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ أَعَادَتْ مِنْ أَحْدَثِ لُبْسَةٍ كَوَاجِدِ الْجَنَابَةِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : 302 تُعِيدُ صَوْمَ يَوْمٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ انْقَطَعَ مَكَانُهُ قَالَ التُّونِسِيُّ : إِنْ كَانَتْ نُقْطَةً أَعَادَتْ يَوْمًا ، وَإِنْ كَانَتْ نُقَطًا أَعَادَتْ بِعَدَدِهَا أَيَّامًا فَيُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ دَمٌ كَثِيرٌ مُتَفَرِّقٌ .
وَهُوَ مِنَ الرَّجُلِ فِي اعْتِدَالِ الْحَالِ أَبْيَضُ ثَخِينٌ دَفَّاقٌ يَخْرُجُ مَعَ الشَّهْوَةِ الْكُبْرَى رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ ، أَوِ الْعَجِينِ يَعْقُبُهُ فُتُورٌ .
وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَذْيِ خُرُوجُهُ مَعَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى بِخِلَافِ الْمَذْيِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَلَا يُشْتَرَطُ فِي إِنْزَالِ الْمَرْأَةِ مَائَهَا ; لِأَنَّ عَادَتَهُ أَنْ يَنْدَفِعَ إِلَى دَاخِلِ الرَّحِمِ لِيُخْلَقَ مِنْهُ الْوَلَدُ ، وَرُبَّمَا دَفَعَهُ الرَّحِمُ إِلَى خَارِجَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا انْتِظَارُ خُرُوجِهِ لِكَمَالِ الْجَنَابَةِ بِانْدِفَاعِهِ إِلَى الرَّحِمِ ، فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَبَعْدَ الْغُسْلِ غَسَلَتْ فَرْجَهَا ، وَتَوَضَّأَتْ ، وَإِنْ صَلَّتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهَا ، وَتَغْسِلُ فَرْجَهَا ، وَتَتَوَضَّأُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ) تَقْدِيرُهُ إِنَّمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ مِنْ إِنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ ؟ فَقَالَ : لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( نَعَمْ ، فَلْتَغْتَسِلْ ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ ، فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( تَرِبَتْ يَمِينُكِ ، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ) وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُنْزِلُ الْمَنِيَّ ، وَعَلَى 295 ذَلِكَ دَلَّ التَّشْرِيحُ فِي الطِّبِّ ، وَأَنَّ لِلْمَرْأَةِ أُنْثَيَيْنِ مُلْتَصِقَيْنِ فِي أَصْلِ مَجْرَى الْوَطْءِ يَتَدَفَّقُ مِنْهُمَا الْمَنِيُّ ، وَمَجْرَى الْوَطْءِ لِلْمَرْأَةِ بِمَنْزِلَةِ الذَّكَرِ . أُنْثَيَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي أَصْلِهِ ، وَالطُّولُ كَالطُّولِ ، وَقَدْ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الطُّولَيْنِ .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( تَرِبَتْ يَمِينُكِ ) قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : الْمُرَادُ نَفْيُ الْغِنَى ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : مَعْنَاهُ ضَعُفَ عَقْلُكَ أَتَجْهَلِينَ هَذَا ؟ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : مَعْنَاهُ التَّحْضِيضُ عَلَى التَّعَلُّمِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، وَقِيلَ : أَصَابَتْ يَدُكِ التُّرَابَ ، وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهَا بِالْفَقْرِ ، وَقِيلَ ثَرِبَتْ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنَ الثَّرْبِ الَّذِي هُوَ إِصَابَةُ الشَّحْمِ أَيِ اسْتَغْنَتْ ، وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ بِإِبْدَالِ الْمُثَنَّاةِ مِنَ الْمُثَلَّثَةِ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلْإِنْكَارِ ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا افْتَقَرْتِ حَتَّى تَلْتَصِقَ يَدُكِ بِالتُّرَابِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ تَرِبَ إِذَا افْتَقَرَ ، وَأَتْرَبَ إِذَا اسْتَغْنَى .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( مِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ) قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّحِيحَيْنِ : ( إِذَا سَبَقَ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَنَّثَ ) .
وَرُوِيَ : إِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ ، أَوْ عَلَا أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ ، أَوْ عَلَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ لِأَجْلِ الْغَلَبَةِ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَعَلَا كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى لِأَجْلِ السَّبْقِ ، وَأَشْبَهَ أَخْوَالَهُ لِأَجْلِ الْغَلَبَةِ ، وَالْكَثْرَةِ ، وَإِنْ سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ ، وَغَلَبَ مَاءُ الْمَرْأَةِ بَعْدَهُ ، وَكَانَ أَكْثَرَ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا يُشْبِهُ أَخْوَالَهُ ، وَإِنْ سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ ، وَمَاءُ الرَّجُلِ أَكْثَرُ كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى يُشْبِهُ أَعْمَامَهُ .
تَفْرِيعٌ : فِي الْجَوَاهِرِ : فَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ لِمَرَضٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ قِيَاسًا عَلَى دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ : وَالظَّاهِرُ عِنْدِي إِيجَابُهُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ) وَلِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَظَ ، وَوَجَدَ الْمَنِيَّ ، وَلَمْ يَرَ احْتِلَامًا أَنَّ عَلَيْهِ الْغُسْلَ ، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : قَالَ مُجَاهِدٌ : إِذَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ ، وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ : عَلَيْهِ الْغُسْلُ ، وَفِي الرَّجُلِ يَرَى الِاحْتِلَامَ ، وَلَا يَجِدُ بَلَلًا لَا غُسْلَ عَلَيْهِ .
296 وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَوَّلِ : فَهَلْ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ ، أَوْ يَجِبُ ، يُخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الْخَارِجِ النَّادِرِ هَلْ يُوجِبُ أَمْ لَا ؟ وَلَوِ اقْتَرَنَتْ بِهِ لَذَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ كَمَنَ بِهِ حَكَّةٌ ، أَوِ اغْتَسَلَ بِمَاءٍ حَارٍّ ، فَوَجَدَ لَذَّةً ، فَأَنْزَلَ . فِيهِ خِلَافٌ ، فَأَوْجَبَهُ سَحْنُونُ .
وَلَوْ وُجِدَتِ اللَّذَّةُ الْمُعْتَادَةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْإِنْزَالِ كَمَنْ يُجَامِعُ ، أَوْ يَلْتَذُّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ، ثُمَّ يُنْزِلُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْوُجُوبُ لِمَالِكٍ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : أَكْتَفِي بِاللَّذَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ . قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ : إِنِ اغْتَسَلَ أَعَادَ الْغُسْلَ ; لِأَنَّ الْإِيلَاجَ ، وَالْمَاءَ سَبَبَانِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ كَمَنْ بَالَ بَعْدَ وُضُوئِهِ مِنَ اللَّمْسِ ، وَعَدَمُ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ الْمُقَارَنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي الْمَجْمُوعَةِ ، وَالتَّفْرِقَةُ لِمُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جَامَعَ ، فَاغْتَسَلَ لَهُ ، فَلَا يَجِبُ لِأَنَّهُ مِمَّا أَدَّى حُكْمَهُ ، وَبَيْنَ عَدَمِ الِاغْتِسَالِ فَيَغْتَسِلُ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ : فِي الْمُلَاعِبِ يُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْغُسْلِ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْحَدَثِ يَقُومُ مَقَامَهُ كَاللَّمْسِ وَالنَّوْمِ ، وَأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ الْوَدْيِ ، وَالرِّيحِ ، وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مَقَامَ الْمَنِيِّ ، وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ ، وَالْإِعَادَةُ قَبْلَ الْخُرُوجِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ السَّبَبِ ، وَبَعْدَ خُرُوجِهِ بَعْدَهُ جُنُبًا مِنْ حِينِ الْمُلَاعَبَةِ ، وَمَنْ صَلَّى جُنُبًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُجَامِعِ : يُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، وَلَا يَغْتَسِلُ ; لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ غُسْلُهُ ، وَالْوُضُوءَ مَأْمُورٌ بِهِ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ بِجَامِعِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعَادَةِ ، وَأَمَّا إِعَادَةُ الصَّلَاةِ مِنَ الْأَوَّلِ فَلَا يُنَافِي مَا هُنَا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ جُنُبًا مِنْ حِينِ الْجِمَاعِ ، فَقَدِ اغْتَسَلَ ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمُلَاعِبِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِقَامَةُ السَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ بِخِلَافِ الْأَصْلِ ، وَإِذَا وُجِدَ الْمُسَبِّبُ أُضِيفَ الْحُكْمُ إِلَيْهِ ، وَسَقَطَ سَبَبُهُ كَالْمَسِّ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِمْذَاءُ بَطَلَ حُكْمُهُ ، وَكَانَ الْحُكْمُ لِلْمَذْيِ حَتَّى يَجِبَ غَسْلُ الذَّكَرِ .
لَكِنْ يُقَالُ هَا هُنَا : إِذَا لَغَيْتُمُ الْأَوَّلَ تَكُونُ الصَّلَاةُ وَقَعَتْ قَبْلَ نَقْضِ الطَّهَارَةِ ، فَلَا إِعَادَةَ ، فَنُجِيبُ بِأَنَّ الْإِيلَاجَ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِنْزَالُ كَانَتِ الْجَنَابَةُ قَائِمَةً لَمْ يَنْفَصِلْ 297 حُكْمُهَا ، وَلَمْ يُكْمُلِ السَّبَبُ أَوَّلًا ، وَلَا آخِرًا بَلِ الْمَجْمُوعُ هُوَ السَّبَبُ ; لِأَنَّ هَذَا الْإِنْزَالَ عَنْ تِلْكَ الْمُجَامَعَةِ ، فَأَشْبَهَ اسْتِدَامَةَ الْمُجَامَعَةِ ، فَكَأَنَّ حُكْمَ الْمُجَامَعَةِ مُسْتَمِرٌّ حَتَّى يُنْزِلَ .
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَيْضُ لَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهُ حَتَّى يَكْمُلَ جَمِيعُهُ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُعِيدُ الْغُسْلَ ، وَالصَّلَاةَ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ آخَرُونَ : يُعِيدُ الْغُسْلَ دُونَ الصَّلَاةِ مُلَاحَظَةً لِاسْتِقْلَالِ الْأَقْوَالِ بِالسَّبَبِيَّةِ ، وَإِنْ عُرِّيَ عَنِ اللَّذَّةِ ، وَمَتَى قُلْنَا بِعَدَمِ إِعَادَةِ الْغُسْلِ ، فَالْإِعَادَةُ اسْتِحْبَابٌ .
فَرْعٌ مُرَتَّبٌ : قُلْنَا فِيمَنْ أَوْلَجَ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ إِنَّهُ يَغْتَسِلُ أَيْضًا إِذَا أَنْزَلَ ، فَلَوْ أَنَّهُ أَنْزَلَ أَوَّلًا ، فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ مَاءٍ ، فَمُقْتَضَى الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ يَغْتَسِلُ ; لِأَنَّ حَدَثَهُ الْآنَ كَمَا كَمُلَ ، فَأَشْبَهَ مَنِ اغْتَسَلَ بَعْدَ إِيلَاجِهِ ، وَقَبْلَ إِنْزَالِهِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَجِبُ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ خُرُوجِهِ قَبْلَ الْبَوْلِ ، أَوْ بَعْدَهُ خِلَافًا ش فِي إِيجَابِهِ الْغُسْلَ فِي الْحَالَيْنِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ قَبْلَ الْبَوْلِ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ الْمَاءِ الْمُعْتَبَرِ ، وَلَا يَجِبُ بَعْدَهُ لِخُرُوجِهِ بِغَيْرِ دَفْقٍ ، وَلَا شَهْوَةٍ ، وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْغُسْلِ ، فَقِيلَ : يَجِبُ الْوُضُوءُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَنْبَلٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَذْيِ ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجِبِ الْغُسْلَ ، فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَابْنُ الْجَلَّابِ : هُوَ مُسْتَحَبٌّ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَارْتِكَابُ هَذَا صَعْبٌ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ لِمَنْ تَقَدَّمَ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي إِيجَابِهِ الْغُسْلَ ، أَوِ الْوُضُوءَ ، فَالْخُرُوجُ عَنْ قَوْلِ الْجَمِيعِ مَحْذُورٌ .
298 وَكَذَلِكَ مَنْ جَامَعَ ، وَلَمْ يُنْزِلْ ، وَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ أَنْزَلَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ : عَلَيْهِ الْغُسْلُ .
فُرُوعٌ سِتَّةٌ :
الْأَوَّلُ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : قَالَ سَحْنُونُ : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَرَأَيْتَ الْمُسَافِرَ يَكُونُ عَلَى وُضُوءٍ ، أَوْ غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَيَطَأُ أَهْلَهُ ، أَوْ جَارِيَتَهُ ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَهُمَا سَوَاءٌ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ هُمَا سَوَاءٌ ؛ قِيلَ : الْمُتَوَضِّئُ ، وَالْمُحْدِثُ ، وَقِيلَ : الزَّوْجَةُ الْمَمْلُوكَةُ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا لِحَقِّ الزَّوْجَةِ فِي الْوَطْءِ ، وَالْأَوَّلُ بَيِّنٌ ; لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَمْنَعَ ، وَيَسْقُطَ حَقُّهَا لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعَهُمَا مَاءٌ يَغْسِلَانِ بِهِ النَّجَاسَةَ عَنْ فَرْجِهِمَا .
حُجَّتُنَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الصَّلَاةَ بِالطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَهُمَا قَادِرَانِ ، فَلَا يَتَسَبَّبَانِ فِي إِبْطَالِهَا ، وَيَرْجِعَانِ إِلَى التَّيَمُّمِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ مَعَهُ مَاءٌ فَيُهْرِقُهُ ، وَيَتَيَمَّمُ ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : لَيْسَ لِلزَّوْجَيْنِ الْمُتَوَضِّئَيْنِ أَنْ يُقَبِّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا مَاءٌ يَتَوَضَّآنِ بِهِ .
وَقَالَ التُّونُسِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ : لَوْ طَالَ عَدَمُ الْمَاءِ فِي سَفَرِهِ جَازَ لَهُ الْوَطْءُ قِيَاسًا عَلَى الْجَرِيحِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجُرْحَ يَطُولُ بُرْؤُهُ غَالِبًا بِخِلَافِ عَدَمِ الْمَاءِ .
الثَّانِي : إِذَا مَنَعْنَاهُ مِنَ الْوَطْءِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : مَنَعْنَاهُ مِنَ الْبَوْلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ ، وَحَقْنَتُهُ خَفِيفَةٌ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فَإِذَا كَانَتِ الْحَقْنَةُ مُثْقَلَةً لَا يُمْنَعُ ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى .
وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْمُحْدِثِ يُرِيقُ الْمَاءَ وَيَتَيَمَّمُ ، وَيُجْزِئُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ .
حُجَّتُنَا : آيَةُ التَّيَمُّمِ .
الثَّالِثُ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : لِلْمَجْرُوحِ ، أَوِ الْمَشْجُوجِ أَنْ يَطَأَ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ 299 لِطُولِ أَمْرِهِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ : الْمُرَادُ اللَّذَانِ يَتَيَمَّمَانِ ; لِأَنَّ مَنْ بِهِ شَجَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَمْنَعُهُ الْغُسْلَ هُوَ كَالْمُسَافِرِ لَا يَطَأُ أَهْلَهُ إِنْ عَدِمَ الْمَاءَ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : هَذَا عُدُولٌ عَنِ الْمَقْصُودِ بِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الصَّلَاةِ بِلَا جَنَابَةٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ ، وَوَرَدَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صَاحِبُ الشَّجَّةِ ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا بَدَلًا مِنَ الْغُسْلِ ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُنْهَى عَنِ الْوَطْءِ ، قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ يَطُولُ .
الرَّابِعُ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : لَا يَنَامُ الْجُنُبُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ لَيْلًا كَانَ ، أَوْ نَهَارًا خِلَافًا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا .
حُجَّتُنَا مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَالصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( تَوَضَّأْ ، ثُمَّ اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَنَمْ ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ ، وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ .
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَنَامُ ، وَهُوَ جُنُبٌ ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً . . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ سُوَيْدٌ : هَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ طَعَنُوا فِيهِ .
وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ هَذَا الْوُضُوءِ ، فَقِيلَ : لِيَنَامَ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ ، وَقِيلَ : لِيَنْشَطَ فَيَغْتَسِلَ ، وَقِيلَ : إِنَّ الْأَرْوَاحَ تُرْفَعُ إِلَى الْعَرْشِ لِتَسْجُدَ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِالْحَائِضِ ، وَقِيلَ : إِنَّ النُّفُوسَ إِذَا اسْتَشْعَرَتْ أَنَّهَا مُتَقَرِّبَةٌ مَالَتْ إِلَى جَنَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ أَقْرَبَ لِلْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ ، فَإِنَّ مَنْ أَسَاءَ اسْتَوْحَشَ ، وَمَنْ أَحْسَنَ اسْتَبْشَرَ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ : وَلَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِهِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنِ اقْتَصَرَ الْجُنُبُ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَحَسَنٌ ، فَفِي الْمُوَطَّأِ : إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ ، أَوْ يَطْعَمَ ، وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ، وَكَانَ يَتْرُكُ غُسْلَ رِجْلَيْهِ لِسُقُوطِ غُسْلِهِمَا مَعَ الْخُفِّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ : وَالْجُنُبُ بِخِلَافِ الْحَائِضِ 300 وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَيْضَ مُسْتَمِرٌّ يُبْطِلُ كُلَّ وُضُوءٍ يُفْعَلُ لِلنَّوْمِ ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالنَّشَاطِ لِلْغُسْلِ ظَهَرَ الْفَرْقُ أَيْضًا لِتَعَذُّرِهِ فِي حَقِّهَا مَعَ أَنَّهُ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ : يَتَخَرَّجُ أَمْرُهَا بِالْوُضُوءِ عَلَى عِلَّةِ الْأَمْرِ بِهِ ، وَحَكَى قَوْلًا بِوُجُوبِ وُضُوءِ الْجُنُبِ . فُرُوعٌ مُرَتَّبَةٌ :
الْأَوَّلُ : إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ : لَا يَتَيَمَّمُ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يَتَيَمَّمُ .
الثَّانِي : إِذَا تَوَضَّأَ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْجمَنِيِّ ، أَوْ أَحْدَثَ ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ : لَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ قَالَ اللَّخْمِيُّ : عَلَى تَعْلِيلِنَا بِالْمَبِيتِ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ يُعِيدُ .
حُجَّةُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَمْرَهُ بِغَسْلِ ذَكَرِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنْقُضُهُ نَوَاقِضُ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ هَا هُنَا طَهَارَةٌ عَنِ الْجَنَابَةِ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ ، فَلَا يَنْقُضُهُ إِلَّا الْجَنَابَةُ الطَّارِئَةُ بَعْدَهُ .
الثَّالِثُ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : لَا بَأْسَ أَنْ يُعَاوِدَ أَهْلَهُ ، وَيَأْكُلَ قَبْلَ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَمْرَيْنِ ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ ، أَوِ النَّهَارِ ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَفِي رِوَايَةٍ ، وَهُنَّ تِسْعُ نِسْوَةٍ قِيلَ لِأَنَسٍ : أَوَكَانَ يُطِيقُهُ قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُضُوءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَلِأَنَّ الْجِمَاعَ يَنْقُضُ الْغُسْلَ ، وَالْوُضُوءَ بَدَلٌ مِنَ الْغُسْلِ ، فَلَا يُشَرَّعُ الْوُضُوءُ لِنَاقِضِهِ ، وَإِنَّمَا تُشَرَّعُ الطَّهَارَةُ ؛ لِمَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ ، وَتَكْمُلُ مَصْلَحَتُهُ .
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا ) فَيَدُلُّ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَنَحْنُ لَا نَكْرَهُ الْوُضُوءَ ، وَأَمَّا الْأَكْلُ ، فَلِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ غَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يَأْكُلُ ، أَوْ يَشْرَبُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ .
301 مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : يُعِيدُ مَنْ أَحْدَثَ نَوْمَةً نَامَ فِيهَا مُحْتَجًّا بِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَرْضِهِ بِالْحَرَّةِ ، فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا ، فَاغْتَسَلَ ، وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ ، وَأَعَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلَمْ يُعِدْ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالْأَثَرُ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَلْبَسُهُ ، وَلَا يَنْزِعُهُ فَيُعِيدُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ نَامَ فِيهِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ بَيِّنٍ بَلْ هُوَ اخْتِلَافُ قَوْلٍ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : يُرِيدُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِيمَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ .
قَالَ : وَعُذْرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى شَكَّ فِي طَهَارَتِهِ ، أَوْ ظَنَّ نَقْضَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .
وَهَلْ يَسْتَوِي فِي طَرَيَانِ الشَّكِّ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، أَوْ بَعْدَهَا ؟ قَوْلَانِ ، وَمَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الطَّهَارَةُ لَا إِعَادَةَ ، وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الظَّنِّ ، فَلَوْ تَوَضَّأَ ، وَوَجَدَ بَلَلًا عُقَيْبَهُ ، فَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ الْبَلَلَ مِنَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ ، فَإِنَّ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ الشَّكُّ فِي الطَّهَارَةِ مُتَحَقِّقٌ فِي جُمْلَةِ لَيَالِيهِ ، وَالَّذِي يُفَارِقُهُ مَا يَدْرِي مَا طَرَأَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ظَنُّ الطَّهَارَةِ سَالِمًا فِي مُعَارَضَةِ الشَّكِّ ، وَالطَّهَارَتَانِ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ سَوَاءٌ .
أَمَّا لَوْ كَانَ الْمَنِيُّ رَطْبًا أَعَادَ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا .
فَرْعٌ : مُرَتَّبٌ : قَالَ : إِذَا قُلْنَا يُعِيدُ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ ، وَكَانَ غَيْرُهُ يَنَامُ فِيهِ قَبْلَهُ . قَالَ سَحْنُونُ : لَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْأَمَارَةِ فِي حَقِّهِ . الْخَامِسُ : إِذَا رَأَتِ امْرَأَةٌ فِي ثَوْبِهَا دَمَ حَيْضٍ لَا تَدْرِي أَنَّهُ مِنْهَا ، أَوْ مِنْ شَيْءٍ أَصَابَهَا . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ لَمْ يُفَارِقْهَا لَيْلًا ، وَلَا نَهَارًا ، أَوْ كَانَ يَلِي جَسَدَهَا اغْتَسَلَتْ ، وَأَعَادَتْ جَمِيعَ صَلَاةٍ صَلَّتْهَا فِيهِ ؛ يُرِيدُ أَنَّهَا تُسْقِطُ أَيَّامَ الطُّهْرِ ، وَتُعِيدُ الصِّيَامَ الْوَاجِبَ مِنْ يَوْمِ أَنْ صَامَتْ فِيهِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ تَلْبَسُهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ أَعَادَتْ مِنْ أَحْدَثِ لُبْسَةٍ كَوَاجِدِ الْجَنَابَةِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : 302 تُعِيدُ صَوْمَ يَوْمٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ انْقَطَعَ مَكَانُهُ قَالَ التُّونِسِيُّ : إِنْ كَانَتْ نُقْطَةً أَعَادَتْ يَوْمًا ، وَإِنْ كَانَتْ نُقَطًا أَعَادَتْ بِعَدَدِهَا أَيَّامًا فَيُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ دَمٌ كَثِيرٌ مُتَفَرِّقٌ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith