الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثاني
page 204 · printed p. 119
فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ :
الْأَوَّلُ : قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ لَا يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَلَا يَرْجُوهُ صَلَّى أَوَّلَ الْوَقْتِ ، وَإِنْ كَانَ رَاجِيًا صَلَّى آخِرَ الْوَقْتِ ، وَإِنَّ شَكَّ فَوَسَطَ الْوَقْتِ .
الثَّانِي : قَالَ فِي الْكِتَابِ : مَنْ خَافَ السِّبَاعَ أَوْ غَيْرَهَا صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ إِيمَاءً 119 حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ ، فَإِنْ أَمِنَ ، أَعَادَ فِي الْوَقْتِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ) . وَفِي التِّرْمِذِيِّ ۝ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - فِي مَسِيرَةٍ فَانْتَهَوْا إِلَى مَضِيقٍ فَمُطِرُوا وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبِلَّةُ مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَذَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَقَامَ أَوْ أُقِيمَ ، فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُونَ إِيمَاءَ السُّجُودِ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَوْلُهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ مَعْنَاهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِهَا إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَالْمُسَايَفَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعُذْرَ هَاهُنَا قَدْ يَكُونُ مَوْهُومًا وَالْمُسَايَفَةُ مُحَقَّقَةٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْجُلَّابِ : إِذَا كَانَ عُذْرُهُ مُشْكَلًا غَيْرَ مُحَقَّقٍ أَعَادَ . الثَّانِي فَضِيلَةُ الْجِهَادِ ، وَسَوَّى الْغَيْرُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ فَلَوْ خَافَ مِنَ السِّبَاعِ أَوِ اللُّصُوصِ - وَهُوَ مَاشٍ - قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالشَّافِعِيُّ : يُصَلِّي إِيمَاءً كَالْمُسَايَفَةِ وَلَوْ كَانَ جَالِسًا وَخَافَ مِنْ عَدُوِّهِ ، قَالَ أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ : يُصَلِّي جَالِسًا وَيَسْجُدُ إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَيُومِئُ .
الثَّالِثُ : قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : لَوْ غَشِيَهُ السَّيْلُ فِي وَادٍ لَا مَفَرَّ لَهُ إِلَّا بِطُولٍ ، وَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْوُقُوفُ صَلَّى فِي غُدُوِّهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَكَذَلِكَ خَوْفُ الْحَيَّاتِ ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : الْحَيَّاتُ عُذْرٌ نَادِرٌ وَالنَّادِرُ لَا يُسْقِطُ الْقَضَاءَ ، وَهَذِهِ الْفُرُوعُ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَاعِدَةِ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا وَهِيَ تَعَارُضُ الْمَقَاصِدِ وَالْوَسَائِلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْمَقَاصِدِ ; لِكَوْنِهَا أَهَمَّ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ ، وَالْأَرْكَانُ مَقَاصِدُ ، وَالِاسْتِقْبَالُ شَرْطٌ وَوَسِيلَةٌ فَلَا تُتْرَكُ الْمَقَاصِدُ لِأَجْلِ تَعَذُّرِهِ .
الرَّابِعُ : قَالَ فِي الْكِتَابِ : لَا يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ التَّطَوُّعَ إِلَّا فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ 120 الصَّلَاةُ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : إِنْ كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ فَيَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ عَلَى رَأْيِ مَنْ جَوَّزَ الْإِيمَاءَ لِلْمُتَنَفِّلِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقْبِلًا فَقَدْ جَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كُلِّ سَفَرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي الْفَرْسَخَيْنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ لِكُلِّ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدٍ فِي حَاجَةٍ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا ، لَنَا الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاسْتِقْبَالِ ، وَجَوَّزَ فِي الْكِتَابِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالْوِتْرَ عَلَى الرَّاحِلَةِ خِلَافًا لِـ ( ح ) فِي الْوِتْرِ ، لَنَا مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَيُرْسِلُهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ ، وَالتَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمَاشِي فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ .
حُجَّتُنَا : عَمَلُ السَّلَفِ ، وَلَيْسَ لِلْمُخَالِفِ مُدْرَكٌ إِلَّا الْقِيَاسُ عَلَى الرَّاكِبِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّاكِبَ بِمَنْزِلَةِ الْجَالِسِ الْمُتَنَفِّلِ ، وَحَرَكَةُ الْمَاشِي تُنَافِي هَيْئَةَ الصَّلَاةِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْقِبْلَةِ وَقْتَ الْإِحْرَامِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ كَانَتْ دَابَّتُهُ غَيْرَ مَقْطُورَةٍ وَاقِفَةً ، افْتَتَحَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : إِذَا كَانَتْ وَاقِفَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَاتَّفَقُوا فِي الْمَقْطُورَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ وَاقِفَةً ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُفْرَدَةِ الَّتِي لَا تَصْعُبُ إِدَارَتُهَا ، فَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَلْزَمُهُ إِدَارَتُهَا وَيُحْرِمُ إِلَى الْقِبْلَةِ كَالْمَاشِي عِنْدَهُمْ ، وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ لُزُومَ ذَلِكَ ، حُجَّتُهُمْ مَا فِي أَبِي دَاوُدَ ۝ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ إِذَا سَافَرَ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَ رِكَابَهُ ، وَإِذَا أَحْرَمَ إِلَى جِهَةِ مَسِيرِهِ فَلَا 121 يَنْحَرِفُ بِوَجْهِهِ إِلَى غَيْرِهَا . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا مَالَ مَحْمَلَهُ فَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى دُبُرِ الْبَعِيرِ لَمْ أُحِبَّهُ ، وَلْيُصَلِّ إِلَى سَيْرِ الْبَعِيرِ ، وَلَوْ صَلَّى فِي الْمَحْمَلِ مُشْرِقًا أَوْ مُغْرِبًا ، لَا يَنْحَرِفُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا ، وَلْيُصَلِّ قِبَلَ وَجْهِهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : فَعَلَى هَذَا إِذَا انْحَرَفَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا سَهْوٍ ، فَإِنْ كَانَتِ الْقِبْلَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا الْأَصْلُ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرُهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَمَّا إِذَا ظَنَّ أَنَّ تِلْكَ طَرِيقُهُ أَوْ غَلَبَتْهُ دَابَّتُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فَلَوْ وَصَلَ مَنْزِلًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ نَزَلَ ، وَأَتَمَّ بِالْأَرْضِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا إِلَّا قَوْلَ مَنْ يُجَوِّزُ الْإِيمَاءَ فِي النَّافِلَةِ لِلصَّحِيحِ ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلَاتَهُ عَلَى دَابَّتِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْزِلَ إِقَامَةٍ خَفَّفَ قِرَاءَتَهُ ، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ عَلَى الدَّابَّةِ ; لِأَنَّهُ يَسِيرُ وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنْ مَسْكِ الْعِنَانِ وَالضَّرْبِ بِالسَّوْطِ وَتَحْرِيكِ الرِّجْلِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ ، وَلَا يَلْتَفِتُ ، وَلَا يَسْجُدُ عَلَى قَرْبُوسِ سِرْجِهِ ، وَلَكِنْ يُومِئُ ، قَالَ فِي الْكِتَابِ : قِيَامُ الْمُصَلِّي فِي الْمَحْمَلِ مُتَرَبِّعًا وَإِذَا رَكَعَ رَكَعَ مُتَرَبِّعًا ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ رَفَعَ يَدَيْهِ عَنْ رُكْبَتَيْهِ ، فَإِذَا أَهْوَى إِلَى السَّجْدَةِ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ إِلَّا أَنْ يَقْدِرَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَيْهِ فَيُومِئَ مُتَرَبِّعًا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ : إِذَا أَعْيَا فِي تَرَبُّعِهِ فَمَدَّ رِجْلَيْهِ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : لَوْ صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ فِي قِبْلَتِهِ قَائِمًا رَاكِعًا وَسَاجِدًا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ أَجَزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ لَا يُجْزِيهِ لِدُخُولِهِ عَلَى 122 الْغَرَرِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ .
تَمْهِيدٌ :
أَقَامَ الشَّرْعُ جِهَةَ السَّفَرِ بَدَلًا مِنْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ ; لِأَنَّ تَحْصِيلَ مَقَاصِدِ الصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا ، وَلَوْ مَنَعَ الشَّرْعُ التَّنَفُّلَ فِي الْأَسْفَارِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ لَامْتَنَعَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنَ التَّنَفُّلِ فِي السَّفَرِ ، وَلَامْتَنَعَ الْأَبْرَارُ مِنَ الْأَسْفَارِ حِرْصًا عَلَى النَّوَافِلِ ، وَكَذَلِكَ لَا تُتْرَكُ مَقَاصِدُ الصَّلَاةِ مِنَ الْأَرْكَانِ ; لِتَعَذُّرِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ تَقْدِيمُ الْمَقَاصِدِ عَلَى الْوَسَائِلِ .
الطَّرَفُ الثَّالِثُ : الْمُسْتَقْبِلُ فَفِي الْجَوَاهِرِ : أَحْوَالُهُ سِتٌّ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَقِينُ وَحَرُمَ الِاجْتِهَادُ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَالِمًا بِأَدِلَّةِ الْكَعْبَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَحَرُمَ التَّقْلِيدُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا وَأَمْكَنَهُ التَّعْلِيمُ وَجَبَ التَّعْلِيمُ وَحَرُمَ التَّقْلِيدُ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ وَقَدْ سَمِعَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ بِالْأَدِلَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تِلْكَ الْأَقْوَالِ وَحَرُمَ التَّقْلِيدُ ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ جَازَ لَهُ التَّقْلِيدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) وَيَلْحَقُ بِهِ الْأَعْمَى وَحَيْثُ قُلْنَا بِالتَّقْلِيدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ مُكَلَّفًا مُسْلِمًا ، عَارِفًا بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ ، فَإِنْ عَدِمَ مَنْ يُقَلِّدُهُ - وَيَلْحَقُ بِهِ الْمُجْتَهِدُ إِذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : يُصَلِّي إِلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ ، وَلَوْ صَلَّى أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ لَكَانَ مَذْهَبًا ، وَفِي الْمُجْتَهِدِ الْمُتَحَيِّرِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُقَلِّدُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : فَلَوْ رَجَعَ لِلْأَعْمَى بَصَرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَشَكَّ ، تَحَرَّى 123 وَبَنَى وَلَمْ يَقْطَعْ ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، قَالَ : فَلَوْ تَرَكَ الْأَعْمَى التَّقْلِيدَ مَعَ إِمْكَانِهِ وَصَلَّى بِرَأْيِ نَفْسِهِ أَوِ الْجَاهِلِ ، قَالَ بَعْضُ الشَّفَعَوِيَّةِ : صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ ، قَالَ : وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ مِنْهُ الْقَصْدَ إِلَى الْجِهَةِ وَهَذَا مُشْكِلٌ مِنْ صَاحِبِ الطَّرَّازِ ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ تَرَكَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ الْمُجْتَهِدُ الِاجْتِهَادَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ ، وَلَوْ أَخْبَرَ الْأَعْمَى رَجُلٌ أَنَّ الَّذِي قَلَّدَهُ يُخْطِئُ ، فَفِي الْجَوَاهِرِ : فَإِنْ صَدَّقَهُ انْحَرَفَ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا وَبَنَى ; لِأَنَّهُ اجْتَهَدَ لَهُ مُجْتَهِدٌ ، قَالَ سَحْنُونٌ : هَذَا هُوَ الْحَقُّ إِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ أَخْبَرَ بِاجْتِهَادٍ فَإِنْ كَانَ عَنْ مُعَايَنَةٍ بَطَلَ مَا مَضَى ، وَلَمْ يَبْنِ ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ فِي تَعْلِيقِهِ : الْبَلَدُ الْخَرَابُ الَّذِي لَا أَحَدَ فِيهِ ، لَا يُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدَ مَحَارِيبَهُ ، فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ قَلَّدَهَا ، وَالْبَلَدُ الْعَامِرُ الَّذِي تَتَكَرَّرُ الصَّلَوَاتُ فِيهِ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ نَصَبَ مِحْرَابَهُ أَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى نَصْبِهِ ، فَإِنَّ الْعَالِمَ وَالْعَامِّيَّ يُقَلِّدُونَهُ قَالَ : لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَبْنِ إِلَّا بَعْدَ اجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَالَ : وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ الَّتِي لَا تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى فَإِنَّ الْعَالِمَ بِالْأَدِلَّةِ يَجْتَهِدُ وَلَا يُقَلِّدُ ، فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ قَلَّدَ مَحَارِيبَهَا ، وَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَيُصَلِّي فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : مَنْ غَابَ عَنِ الْكَعْبَةِ فَفَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ فَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ ، وَإِنْ وَقَعَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ وَلَمْ يَفْصِلْ ، وَهَاهُنَا قَوَاعِدُ خَمْسٌ تَتَعَيَّنُ الْإِحَاطَةُ بِهَا :
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith