الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثالث عشر
الصفحة 2048 · ص. المطبوع 303
النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ : الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عِقَابًا مِنْهُ ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ 303 حَسَنٌ ، وَفِي " الْجَوَاهِرِ " : إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ .
الثَّانِي : أَنْ يَأْمَنَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِنْكَارُهُ الْمُنْكَرَ إِلَى مُنْكَرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ ، مِثْلَ أَنْ يَنْهَى عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَيَئُولُ نَهْيُهُ عَنْهُ إِلَى قَتْلِ النَّفْسِ وَنَحْوِهِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إِنْكَارَهُ مُزِيلٌ لَهُ ، وَأَنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ وَنَافِعٌ .
وَفَقْدُ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ يَمْنَعُ الْجَوَازَ ، وَفَقْدُ الثَّالِثِ يُسْقِطُ الْوُجُوبَ ، وَيَبْقَى الْجَوَازُ وَالنَّدْبُ .
ثُمَّ مَرَاتِبُ الْإِنْكَارِ ثَلَاثٌ : أَقْوَاهَا أَنْ يُغَيِّرَ بِيَدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ انْتَقَلَ لِلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ، فَيُغَيِّرُ بِلِسَانِهِ إِنِ اسْتَطَاعَ ، وَلْيَكُنْ بِرِفْقٍ وَلِينٍ وَوَعْظٍ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " ۝ مَنْ أَمَرَ مِنْكُمْ بِمَعْرُوفٍ فَلْيَكُنْ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ انْتَقَلَ لِلرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ ، وَهِيَ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ ، وَهِيَ أَضْعَفُهَا ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " ۝ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَفِي " الصِّحَاحِ " نَحْوُهُ ، وَفِيهِ : وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ .
سُؤَالٌ : قَدْ نَجِدُ أَعْظَمَ النَّاسِ إِيمَانًا يَعْجَزُ عَنِ الْإِنْكَارِ ، وَعَجْزُهُ لَا يُنَافِي تَعْظِيمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِيمَانَهُ بِهِ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَهُ بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنِ الْإِنْكَارِ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي إِلَى مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ ، أَوْ نَقُولُ : لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَجْزِ عَنِ الْقُرْبَةِ نَقْصُ الْإِيمَانِ بِهَا كَالصَّلَاةِ ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ ذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ؟
الْجَوَابُ : الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا الْإِيمَانُ الْفِعْلِيُّ الْوَارِدُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) ، أَيْ : صَلَاتَكُمْ لِلْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ الْإِيمَانُ 304 سَبْعٌ وَخَمْسُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ . وَأَقْوَى الْإِيمَانِ الْفِعْلِيِّ إِزَالَةُ الْيَدِ ، ثُمَّ الْقَوْلُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَثِّرُ فِي الْإِزَالَةِ ، وَإِنْكَارُ الْقَلْبِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إِزَالَةٍ فَهُوَ أَضْعَفُهَا ، أَوْ يُلَاحَظُ عَدَمُ تَأْثِيرِهِ فِي الْإِزَالَةِ فَيَبْقَى مُطْلَقًا ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ : قَالَ مَالِكٌ : ضُرِبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَأَصْحَابُهُ فِي أَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَضُرِبَ رَبِيعَةُ وَحُلِقَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ فِي شَيْءٍ غَيْرِ هَذَا ، وَضُرِبَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأُدْخِلَ فِي تَبَّانٍ مِنْ شَعْرٍ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا أَغْبِطُ رِجَالًا لَمْ يُصِبْهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَذًى ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي السِّجْنِ ، وَقَدْ ضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا ، فَقَالَا لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّا نَخَافُ عَلَى دَمِكَ ، فَقَالَ : اخْرُجَا عَنِّي أَتُرَانِي أَلْعَبُ بِدِينِي كَمَا لَعِبْتُمَا بِدِينِكُمَا ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : تَكَلَّمُوا بِالْحَقِّ تُعْرَفُوا بِهِ ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ .
قَالَ مَالِكٌ : يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَأْمُرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ فَإِنْ عَصَوْا كَانُوا شُهُودًا عَلَى مَنْ عَصَاهُ ، وَيَأْمُرُ وَالِدَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمَا عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَخْفِضُ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مَا أَمَرَ أَحَدٌ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ .
تَنْبِيهٌ : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ الْمُلَابِسُ لَهُ عَاصِيًا ، بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُلَابِسًا لِمَفْسَدَةٍ وَاجِبَةِ الدَّفْعِ ، أَوْ تَارِكًا لِمَصْلَحَةٍ وَاجِبَةِ الْحُصُولِ ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : أَحَدُهَا : أَمْرُ الْجَاهِلِ بِمَعْرُوفٍ لَا يِعْرِفُ إِيجَابَهُ ، أَوْ نَهْيُهُ عَنْ مُنْكَرٍ لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَهُ ، وَثَانِيهَا : قَتْلُ الْبُغَاةِ ، وَثَالِثُهَا : ضَرْبُ الصِّبْيَانِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَرَابِعُهَا : قَتْلُ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ إِذَا صَالُوا عَلَى الدِّمَاءِ ، وَالْأَبْضَاعِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُمْ إِلَّا بِقَتْلِهِمْ ، وَخَامِسُهَا : أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا بِالْقِصَاصِ ثُمَّ يَعْفُوَ وَيُخْبِرَ الْوَكِيلَ فَاسِقٌ بِالْعَفْوِ ، أَوْ مُتَّهَمٌ فَلَا يُصَدِّقُهُ فَأَرَادَ الْقِصَاصَ ، فَلِلْفَاسِقِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِالْقَتْلِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَسَادِسُهَا : وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ جَارِيَةٍ 305 فَبَاعَهَا فَأَرَادَ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَطَأَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يَبِعْهَا ، فَأَخْبَرَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فَلَمْ يُصَدِّقْهُ ، فَلِلْمُشْتَرِي دَفْعُهُ وَلَوْ بِالْقَتْلِ ، وَسَابِعُهَا : ضَرْبُ الْبَهَائِمِ لِلتَّعْلِيمِ وَالرِّيَاضَةِ ( دَفْعًا ) لِمَفْسَدَةِ الشِّرَاسِ وَالْجِمَاحِ .
فَرْعٌ
قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا عَلَى الْفَوْرِ ، فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَعْرُوفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَمْعُ ، مِثَالُهُ : أَنْ يَرَى جَمَاعَةً تَرَكُوا الصَّلَاةَ يَأْمُرُهُمْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ : قُومُوا لِلصَّلَاةِ .
فَرْعٌ
مَنْ أَتَى شَيْئًا مُخْتَلَفًا فِيهِ ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ أُنْكِرَ عَلَيْهِ ; لِانْتِهَاكِهِ الْحُرْمَةَ ، وَإِنِ اعْتَقَدَ بِحِلِّيَّتِهِ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُدْرِكُ الْحِلِّ ضَعِيفًا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ لِبُطْلَانِهِ فِي الشَّرْعِ ، كَوَاطِئِ الْجَارِيَةِ بِالْإِبَاحَةِ مُعْتَقِدًا لِمَذْهَبِ عَطَاءٍ ، وَشَارِبِ النَّبِيذِ مُعْتَقِدًا مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمًا ، وَلَا تَحْلِيلًا أُرْشِدَ لِاجْتِنَابِهِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث