الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثاني
الرُّكْنُ الثَّالِثُ : الْقِرَاءَةُ وَفِيهَا فُرُوعٌ ثَمَانِيَةٌ :
الْأَوَّلُ : الْبَسْمَلَةُ وَفِيهَا أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ : الْوُجُوبُ لِـ ( ش ) ، وَالْكَرَاهَةُ لِمَالِكٍ ، وَالنَّدْبُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَالْأَمْرُ بِهَا سِرًّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ، قَالَ فِي الْكِتَابِ : لَا يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ فِي الْمَكْتُوبَةِ سِرًّا وَلَا جَهْرًا ، إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي النَّافِلَةِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : لَا يَخْتَلِفُ فِي جَوَازِهَا فِي النَّافِلَةِ ، وَأَنَّهَا لَا 177 تُفْسِدُ الْفَرِيضَةَ ، وَقَالَ : ( ش ) وَابْنُ شِهَابٍ هِيَ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الْفَاتِحَةِ قَوْلَانِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَتْ آيَةً إِلَّا فِي النَّمْلِ . لَنَا وُجُوهٌ خَمْسَةٌ أَحَدُهَا : مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، قَالَ أَنَسٌ صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ، لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَلَا فِي آخِرِهَا . الثَّانِي : مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ : مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ هِيَ خِدَاجٌ هِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ . قَالَ أَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ ، قَالَ : فَغَمَزَ ذِرَاعِي ، ثُمَّ قَالَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ يَا فَارِسِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ . قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي ، يَقُولُ الْعَبْدُ : الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ يَقُولُ اللَّهُ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي ، يَقُولُ الْعَبْدُ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، يَقُولُ اللَّهُ : مَجَّدَنِي عَبْدِي ، يَقُولُ الْعَبْدُ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، يَقُولُ الْعَبْدُ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَهَذِهِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَالْقِسْمَةُ لَيْسَتْ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ ; لِعَدَمِ ذِكْرِهَا ، وَلَا فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ مِنَ الْأَذْكَارِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الصَّلَاةِ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ ، إِمَّا مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْجُزْءِ عَنِ الْكُلِّ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ جُزْؤُهَا ، أَوِ التَّعْبِيرِ بِالْكُلِّ عَنِ الْجُزْءِ ; لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ جُزْءُ 178 الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَسْمَلَةَ فِيهَا فَلَيْسَتْ مِنْهَا ، فَإِنْ قِيلَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ ، الْأَوَّلُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَاللُّغَوِيَّةُ لَيْسَتَا مُرَادَتَيْنِ إِجْمَاعًا ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْمَجَازِ وَهُوَ عِنْدَنَا مَجَازٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الدُّعَاءُ إِلَى قِرَاءَةٍ مَقْسُومَةٍ بِنِصْفَيْنِ ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ جُمْلَةَ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْضَهَا فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّرْجِيحِ وَهُوَ مَعَهَا فَإِنَّ بَعْضَهَا أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّهَا ، وَالْأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ أَرْجَحُ فَيَبْقَى الْبَعْضُ الْآخَرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . الثَّانِي : أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مَقْسُومَةً اتِّفَاقًا فَيَكُونُ ، ثُمَّ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ قَسَمْتُ بَعْضَ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّجَوُّزَ عَنِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ كُلَّ مَنْ أُطْلِقَ لَفْظُهُ حُمِلَ عَلَى عُرْفِهِ ، وَلِذَلِكَ حَمَلْنَا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ عَلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَثَانِيهِمَا : أَنَّ التَّجَوُّزَ عَنِ الْكُلِّ إِلَى الْجُزْءِ أَوْلَى مِنَ الْجُزْءِ إِلَى الْكُلِّ لِحُصُولِ الِاسْتِلْزَامِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ اسْتِيعَابُ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ بَعْضِهَا ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ الْإِضْمَارِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ . الثَّالِثُ أَنَّ الْفَاءَاتِ هِيَ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ الْآيِ ، فَلَوْ كَانَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنَ الْفَاتِحَةِ ، لَكَانَتِ الْآيَاتُ ثَمَانِيَةً وَهُوَ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ تَسْمِيَتُهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَسَمُ اللَّهِ تَعَالَى يَكْمُلُ عِنْدَ " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ . الرَّابِعُ أَنَّ الْقَوْلَ بِمَا يُفْضِي إِلَى التَّكْرَارِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَهُوَ فِي الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ فِي الْفِعْلِ 179 الْمُبْسَلِ عَلَيْهِ ، وَالثَّانِي ثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ لِكُلِّ مَرْحُومٍ فَلَا تَكْرَارَ . الْخَامِسُ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُقَامُ بَيْنَهُمْ مِنْ عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى زَمَنِ مَالِكٍ مَعَ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَنَقْلُهُمْ لِذَلِكَ بِالْفِعْلِ كَنَقْلِهِمْ لَهُ بِالْقَوْلِ فَيَحْصُلُ الْعِلْمُ ، فَلَا يُعَارِضُهُ شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ . احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ ، أَحَدُهَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى كَتْبِهَا فِي الْمُصْحَفِ ، وَالْإِرْسَالِ بِهِ إِلَى الْبِلَادِ احْتِرَازًا لِلْقُرْآنِ وَضَبْطًا لَهُ فَتَكُونُ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبُوهَا فِي أَوَّلِ بَرَاءَةٌ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا مِنْهَا . الثَّانِي مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، قَالَ : صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّالِثُ مَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأُولَى أَنَّهَا لَمَّا أُنْزَلَتْ فِي النَّمْلِ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَكْتُبُ كِتَابًا إِلَّا ابْتُدِئَ بِهَا فِيهِ فَجَرَى الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْيَوْمُ وَبِذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ لِعُثْمَانَ : مَا بَالُكُمْ كَتَبْتُمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَأَسْقَطْتُمُوهَا مِنْ بَرَاءَةٌ ؟ فَقَالَ : مَا تَحَقَّقْتُ هَلْ هِيَ سُورَةٌ عَلَى حِيَالِهَا أَمْ هِيَ وَالْأَنْفَالُ سُورَةٌ ؟ وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِمَّنِ اشْتَرَطَ الصِّحَّةَ ، وَحَدِيثُهُ فِي الْمُوَطَّأِ يُوهِنُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ 180 إِنَّ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ وَاسِعٌ ، فِعْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَوْ فِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا ، وَهُوَ حِكَايَةُ الْبَاجِيِّ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ .
حُجَّةُ الْأَوَّلُ : مَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةَ بِـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَعُمُومُ اللَّامِ يَشْمَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ .
تَنْبِيهٌ :
جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ ، وَالْبَسْمَلَةُ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً فَلَا تَكُونُ قُرْآنًا ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُمُ الْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ ، إِنْ أَخَذُوهُ كُلِّيَّةً انْدَرَجَتْ فِيهَا صُورَةُ النِّزَاعِ فَالْخَصْمُ يَمْنَعُ الْكُلِّيَّةَ ; لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صُورَةِ النِّزَاعِ ، أَوْ جُزْئِيَّةً لَمْ تُفِدْ شَيْئًا إِذْ لَعَلَّ صُورَةَ النِّزَاعِ فِيمَا بَقِيَ غَيْرُ الْجُزْئِيَّةِ ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ فَسَادَهُ أَنَّ مَنْ زَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ إِجْمَاعًا ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ فَكَانَ يَلْزَمُ تَكْفِيرُنَا أَوْ تَكْفِيرُ خَصْمِنَا ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مَلْزُومًا لِلتَّوَاتُرِ بَلْ عِنْدَ الْخَصْمِ الْقُرْآنُ يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ وَبِغَيْرِ التَّوَاتُرِ فَمُصَادَرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ لَا تَجُوزُ ; لِأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً وَهِيَ قُرْآنٌ ، وَنَحْنُ أَيْضًا نَقُولُ هِيَ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ وَلَا يَكْفُرُ مُثْبِتُهَا مِنَ الْقُرْآنِ 181 فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّنَا غَيْرُ جَازِمِينَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ . الثَّانِي قَالَ فِي الْكِتَابِ : يَتَعَوَّذُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ إِنْ شَاءَ ، وَلَا يَتَعَوَّذُ أَحَدٌ فِي الْمَكْتُوبَةِ ، وَيَجُوزُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَتَعَوَّذُونَ فِيهِ خِلَافًا لِـ ( ش ) وَ ( ح ) لَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَسْمَلَةِ مِنَ النُّصُوصِ وَعَمَلِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ فِي النَّافِلَةِ فَأَجَازَهُ فِي الْكِتَابِ ، وَكَرِهَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِذَا تَعَوَّذَ فَهَلْ يَجْهَرُ بِهِ كَالْقِرَاءَةِ أَوْ كَالتَّسْبِيحِ ؟ لَهُ قَوْلَانِ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسِرُّهُ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَجْهَرُ بِهِ ، وَيَتَعَوَّذُ فِي جُمْلَةِ الرَّكَعَاتِ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ وَ ( ش ) ; لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْقِرَاءَةِ ، وَيَخْتَصُّ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى عِنْدَ ( ح ) ; لِأَنَّهُ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ .
حُجَّةُ الْأَوَّلِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) .
حُجَّةُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُهِمَّ صَرْفُ الشَّيْطَانِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَنِ الصَّلَاةِ وَقَدْ حَصَلَ ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَ ( ش ) وَ ( ح ) : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، وَعِنْدَ الثَّوْرِيِّ أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، وَمَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ فَيَكُونُ أَوْلَى . الثَّالِثُ قَالَ فِي الْكِتَابِ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ حِينَ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ ، قَالُوا لَهُ إِنَّكَ لَمْ تَقْرَأْ ، قَالَ : كَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ؟ قَالُوا حَسَنًا ، قَالَ : فَلَا بَأْسَ إِذَنْ وَيُعِيدُ بَعْدَ الْوَقْتِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَرُوِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ ، وَقَالَ 182 ابْنُ شَبْلُونَ : إِنَّ أُمَّ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ فَرْضًا ، مُحْتَجًّا بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَمَا حَمَلَهَا الْإِمَامُ ; فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُ الْفُرُوضَ ، وَلِقَضِيَّةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّهُ يَحْمِلُ الْقِيَامَ وَهُوَ فَرْضٌ ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ رُخْصَةٌ فَيَقْتَصِرُ بِهَا عَلَى مَحَلِّهَا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ . وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْمَتْرُوكَ لِعُمْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَهْرُ دُونَ الْقِرَاءَةِ .
حُجَّةُ الْمَذْهَبِ : الْمُتَقَدِّمُ مِنَ الْحَدِيثِ فِي الْبَسْمَلَةِ . الرَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ : إِذَا لَمْ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ فَلَيْسَ بِقِرَاءَةٍ ، وَقَالَهُ ( ش ) ; لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنَ الْقِرَاءَةِ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ وَالَّذِي فِي النَّفْسِ لَيْسَ بِحُرُوفٍ فَإِنْ حَرَّكَ لِسَانَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ نَفْسَهُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ : يُجْزِئُهُ وَالْإِسْمَاعُ يَسِيرٌ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَقَالَهُ ( ش ) فَلَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِي نَفْسِهِ خِلَافًا لِـ ( ش ) وَأَشْهَبَ ; لِأَنَّ الَّذِي فِي النَّفْسِ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ ، وَإِذَا لَمْ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فَيُخْتَلَفُ فِي وُقُوفِهِ تَخْرِيجًا عَلَى الْأُمِّيِّ ، قَالَهُ صَاحِبُ الطَّرَّازِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : الْأَبْكَمُ يَدْخُلُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ . الْخَامِسُ قَالَ فِي الْكِتَابِ : مَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ مِنَ الصُّبْحِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ مَنْ غَيْرِهَا أَعَادَ الصَّلَاةَ فَإِنْ تَرَكَ فِي 183 رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ الصُّبْحِ اسْتُحِبَّ الْإِعَادَةُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ إِذَا كَانَتْ حَضَرِيَّةً وَأَتَمَّهَا بِالسُّجُودِ ، وَقَالَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ : يُلْغِيهَا ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ : يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ وَالْأَوَّلُ أَعْجَبُ إِلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : الَّذِي اسْتَحَبَّ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ وَالْإِعَادَةَ ، وَكَانَ عِنْدَهُمَا إِعَادَةُ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ أَبْعَدُ أَقَاوِيلِ مَالِكٍ ، قَالَ سَحْنُونٌ : قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ أَعْجَبُ إِلَيْهِ مُرَادُهُ قَوْلُهُ الْأَخِيرُ بِالسُّجُودِ ، وَعَلَيْهِ جُلُّ أَصْحَابِنَا ، وَنَقَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ رَأْيَ ابْنَ الْقَاسِمِ بِإِلْغَاءِ الرَّكْعَةِ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَمُرَادُهُ بِالْقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ هِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ يَعْنِي فِي التَّلْقِينِ وَفِي الْأَكْثَرِ عَلَى رِوَايَةٍ ، وَفِي رَكْعَةٍ عِنْدَ الْمُغْيِرَةِ ، وَكَلَامُ التَّلْقِينِ وَالْجَوَاهِرِ هُوَ رَأْيُ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ كَمَا تَرَى وَوَافَقْنَا ( ش ) عَلَى وُجُوبِهَا ، وَقَالَ ( ح ) : سُنَّةٌ يَسْجُدُ لِسَهْوِهَا ، وَالْوَاجِبُ مُطْلَقُ الْقِرَاءَةِ نَحْوَ نِصْفِ آيَةٍ وَرُوِيَ عَنْهُ آيَةٌ ، وَرُوِيَ آيَةٌ طَوِيلَةٌ أَوْ ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ ، وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ إِلَّا فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ مُلَاحَظَةً لِأَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ ، وَالزَّائِدُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ شُرِعَ عَلَى الْخِفَّةِ . لَنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ .
184 حُجَّةُ ( ح ) قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) ، وَلِأَنَّ الْفَاتِحَةَ مَدَنِيَّةٌ وَكَانَتِ الصَّلَاةُ قَبْلَهَا صَحِيحَةٌ إِجْمَاعًا ، فَلَا يَرْتَفِعُ الْإِجْمَاعُ إِلَّا بِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِرَاءَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعْنَاهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ حِينَئِذٍ اشْتِرَاطَ الْفَاتِحَةِ ، وَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَيَكْفِي فِي رَفْعِهَا أَدْنَى دَلِيلٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا رَفْعَهَا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَأَمَّا وَجْهُ اقْتِصَارِ الْوُجُوبِ عَلَى رَكْعَةٍ فَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلِأَنَّهُ نَظَرٌ وَاجِبٌ فَلَا يَتَكَرَّرُ كَالتَّحْرِيمِ وَالسَّلَامِ ، وَجْهُ الْوُجُوبِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مُسْلِمٍ لِلْإِعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ : قُمْ وَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ : وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا . وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَلِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ فِي رَكْعَةٍ وَجَبَتْ فِي جُمْلَةِ الرَّكَعَاتِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَجْهُ الْوُجُوبِ فِي الْأَكْثَرِ أَنَّهَا مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ فَيُسْتَحَبُّ تَرْكُ الْأَقَلِّ ، وَوَجْهُ السُّجُودِ أَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهَا أَنْ يَلْحَقَ بِالسُّنَنِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ وَتُسْتَحَبُّ فِي السِّرِّ دُونَ الْجَهْرِ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ : لَا يَقْرَؤُهَا فِيهِمَا ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : لَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَ مَالِكٍ وَ ( ح ) ، وَقَالَ ( ش ) : تَجِبُ الْفَاتِحَةُ عَلَيْهِ لِعُمُومِ النُّصُوصِ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ صَلَّى - عَلَيْهِ 185 السَّلَامُ - : الصُّبْحَ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ ؟ قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِي وَاللَّهِ ، قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَفِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ : لَا يَقْرَأُ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا جَهَرَ الْإِمَامُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ . لَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) وَالْخِلَافُ فِي الْجَهْرِ وَالسِّرِّ وَاحِدٌ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ : هَلْ قَرَأَ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ آنِفًا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : نَعَمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَا جَهَرَ فِيهِ ، وَفِي مُسْلِمٍ أَقِيمُوا الصُّفُوفَ ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ وَالضَّمَانُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْفَاتِحَةِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ فِيمَا ذَكَرُوهُ : أَنَّ الْعُمُومَاتِ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ طَعَنَ فِي سَنَدِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا . السَّادِسُ فِي 186 الْجَوَاهِرِ مَنْ لَمْ يُحْسِنِ الْقِرَاءَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَسَعِ الْوَقْتُ ائْتَمَّ بِمَنْ يُحْسِنُهَا ، وَفِي الطَّرَّازِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّمَ وَلَا يَتَوَانَى ; لِأَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ وَحْدَهُ ، قَالَ : فَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَمْ تُجْزِهِ وَأَعَادَهَا هُوَ وَمَنِ ائْتَمَّ بِهِ كَذَلِكَ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، قَالَ سَحْنُونٌ : فَرْضُهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ ( ش ) ، وَعِنْدَ الْأَبْهَرِيِّ وَصَاحِبِ الطَّرَّازِ : لَا يَجِبُ التَّعْوِيضُ قِيَاسًا عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إِذَا تَعَذَّرَتْ ، وَلِأَنَّ الْبَدَلَ يَفْتَقِرُ إِلَى نَصٍّ وَالَّذِي رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ لِصَلَاتِهِ زِيَادَةٌ لَمْ تَصِحَّ ، وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْبَدَلُ فَعِنْدَ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ يَقِفُ وُقُوفًا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّ الْقِيَامَ وَسِيلَةُ الْقِرَاءَةِ ، وَإِذَا بَطَلَ الْمَقْصِدُ بَطَلَتِ الْوَسِيلَةُ وَعِنْدَ ( ح ) يَجِبُ الْوُقُوفُ بِقَدْرِ آيَةٍ ، وَفِي الْمَبْسُوطِ يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى ، فَلَوِ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَمَا أُمِرَ فَطَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بِأَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الْحِفْظِ وَسَمِعَ مَنْ يَقْرَؤُهَا فَلَا يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ ، قَالَ صَاحِبَ الطَّرَّازِ : وَكَذَلِكَ لَوْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ فَتَطْرَأُ عَلَيْهِ الْقُدْرَةُ ، وَقَالَ ( ح ) : يَقْطَعُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ; لِأَنَّهُ عَقَدَ إِحْرَامَهُ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ فَلَوِ ارْتَجَّ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرُهَا ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ السُّورَةَ مِنْ أَوَّلِهَا ، ثُمَّ تَذَكَّرَ كَأَنْ يَسْتَأْنِفَ الْقِرَاءَةَ ، وَيَبْنِي عَلَى رَفْضِ النِّيَّةِ هَلْ تُؤَثِّرُ فِي الْإِبْطَالِ أَمْ لَا ؟ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى نِيَّةٍ فَأَثَّرَ فِيهَا الرَّفْضُ ، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الرَّفْضُ وَهُوَ قَوْلُ ( ش ) فَلَوْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ إِلَّا بِالْعَجَمِيَّةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ، خِلَافًا لِـ ( ح ) مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ 187 تَعَالَى : ( إِنَّ هَذَا لُفِيَ الصُّحُفِ الْأُولَى ) ، ( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ) . وَلَمْ تَكُنْ فِيهَا عَرَبِيَّةٌ ، وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ يُرَادُ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَقْصُودًا فِي الصَّلَاةِ ، بَلِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاتِّعَاظُ وَهُمَا حَاصِلَانِ .
وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْأَوَّلَ مَعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) . وَالْقُرْآنُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ الْعَرَبِيُّ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْإِعْجَازَ مُرَادٌ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي لِاسْتِصْحَابِ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِمَا لَوْ نَظَمَ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى شِعْرًا وَبِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ الْقُرْآنِ . السَّابِعُ فِي الْجَوَاهِرِ : لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ وَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَبَدًا ، وَقَالَهُ فِي الْكِتَابِ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهَا تَفْسِيرٌ ، وَمَنْ قَرَأَ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ : مَنْ صَلَّى بِالتَّوْرَاةِ أَوِ الْإِنْجِيلِ أَوِ الزَّبُورِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْقُرْآنَ أَوْ لَا يُحْسِنُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ كَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ . الثَّامِنُ كَرِهَ فِي الْكِتَابِ : أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ، وَتَعَالَى جَدُّكَ ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ وَفِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ( ح ) رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَجْهُ الْمَشْهُورِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَسْمَلَةِ .
الْأَوَّلُ : الْبَسْمَلَةُ وَفِيهَا أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ : الْوُجُوبُ لِـ ( ش ) ، وَالْكَرَاهَةُ لِمَالِكٍ ، وَالنَّدْبُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَالْأَمْرُ بِهَا سِرًّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ، قَالَ فِي الْكِتَابِ : لَا يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ فِي الْمَكْتُوبَةِ سِرًّا وَلَا جَهْرًا ، إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي النَّافِلَةِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : لَا يَخْتَلِفُ فِي جَوَازِهَا فِي النَّافِلَةِ ، وَأَنَّهَا لَا 177 تُفْسِدُ الْفَرِيضَةَ ، وَقَالَ : ( ش ) وَابْنُ شِهَابٍ هِيَ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الْفَاتِحَةِ قَوْلَانِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَتْ آيَةً إِلَّا فِي النَّمْلِ . لَنَا وُجُوهٌ خَمْسَةٌ أَحَدُهَا : مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، قَالَ أَنَسٌ صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ، لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَلَا فِي آخِرِهَا . الثَّانِي : مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ : مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ هِيَ خِدَاجٌ هِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ . قَالَ أَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ ، قَالَ : فَغَمَزَ ذِرَاعِي ، ثُمَّ قَالَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ يَا فَارِسِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ . قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي ، يَقُولُ الْعَبْدُ : الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ يَقُولُ اللَّهُ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي ، يَقُولُ الْعَبْدُ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، يَقُولُ اللَّهُ : مَجَّدَنِي عَبْدِي ، يَقُولُ الْعَبْدُ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، يَقُولُ الْعَبْدُ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَهَذِهِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَالْقِسْمَةُ لَيْسَتْ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ ; لِعَدَمِ ذِكْرِهَا ، وَلَا فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ مِنَ الْأَذْكَارِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الصَّلَاةِ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ ، إِمَّا مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْجُزْءِ عَنِ الْكُلِّ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ جُزْؤُهَا ، أَوِ التَّعْبِيرِ بِالْكُلِّ عَنِ الْجُزْءِ ; لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ جُزْءُ 178 الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَسْمَلَةَ فِيهَا فَلَيْسَتْ مِنْهَا ، فَإِنْ قِيلَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ ، الْأَوَّلُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَاللُّغَوِيَّةُ لَيْسَتَا مُرَادَتَيْنِ إِجْمَاعًا ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْمَجَازِ وَهُوَ عِنْدَنَا مَجَازٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الدُّعَاءُ إِلَى قِرَاءَةٍ مَقْسُومَةٍ بِنِصْفَيْنِ ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ جُمْلَةَ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْضَهَا فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّرْجِيحِ وَهُوَ مَعَهَا فَإِنَّ بَعْضَهَا أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّهَا ، وَالْأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ أَرْجَحُ فَيَبْقَى الْبَعْضُ الْآخَرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . الثَّانِي : أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مَقْسُومَةً اتِّفَاقًا فَيَكُونُ ، ثُمَّ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ قَسَمْتُ بَعْضَ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّجَوُّزَ عَنِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ كُلَّ مَنْ أُطْلِقَ لَفْظُهُ حُمِلَ عَلَى عُرْفِهِ ، وَلِذَلِكَ حَمَلْنَا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ عَلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَثَانِيهِمَا : أَنَّ التَّجَوُّزَ عَنِ الْكُلِّ إِلَى الْجُزْءِ أَوْلَى مِنَ الْجُزْءِ إِلَى الْكُلِّ لِحُصُولِ الِاسْتِلْزَامِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ اسْتِيعَابُ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ بَعْضِهَا ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ الْإِضْمَارِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ . الثَّالِثُ أَنَّ الْفَاءَاتِ هِيَ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ الْآيِ ، فَلَوْ كَانَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنَ الْفَاتِحَةِ ، لَكَانَتِ الْآيَاتُ ثَمَانِيَةً وَهُوَ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ تَسْمِيَتُهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَسَمُ اللَّهِ تَعَالَى يَكْمُلُ عِنْدَ " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ . الرَّابِعُ أَنَّ الْقَوْلَ بِمَا يُفْضِي إِلَى التَّكْرَارِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَهُوَ فِي الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ فِي الْفِعْلِ 179 الْمُبْسَلِ عَلَيْهِ ، وَالثَّانِي ثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ لِكُلِّ مَرْحُومٍ فَلَا تَكْرَارَ . الْخَامِسُ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُقَامُ بَيْنَهُمْ مِنْ عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى زَمَنِ مَالِكٍ مَعَ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَنَقْلُهُمْ لِذَلِكَ بِالْفِعْلِ كَنَقْلِهِمْ لَهُ بِالْقَوْلِ فَيَحْصُلُ الْعِلْمُ ، فَلَا يُعَارِضُهُ شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ . احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ ، أَحَدُهَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى كَتْبِهَا فِي الْمُصْحَفِ ، وَالْإِرْسَالِ بِهِ إِلَى الْبِلَادِ احْتِرَازًا لِلْقُرْآنِ وَضَبْطًا لَهُ فَتَكُونُ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبُوهَا فِي أَوَّلِ بَرَاءَةٌ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا مِنْهَا . الثَّانِي مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، قَالَ : صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّالِثُ مَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأُولَى أَنَّهَا لَمَّا أُنْزَلَتْ فِي النَّمْلِ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَكْتُبُ كِتَابًا إِلَّا ابْتُدِئَ بِهَا فِيهِ فَجَرَى الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْيَوْمُ وَبِذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ لِعُثْمَانَ : مَا بَالُكُمْ كَتَبْتُمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَأَسْقَطْتُمُوهَا مِنْ بَرَاءَةٌ ؟ فَقَالَ : مَا تَحَقَّقْتُ هَلْ هِيَ سُورَةٌ عَلَى حِيَالِهَا أَمْ هِيَ وَالْأَنْفَالُ سُورَةٌ ؟ وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِمَّنِ اشْتَرَطَ الصِّحَّةَ ، وَحَدِيثُهُ فِي الْمُوَطَّأِ يُوهِنُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ 180 إِنَّ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ وَاسِعٌ ، فِعْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَوْ فِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا ، وَهُوَ حِكَايَةُ الْبَاجِيِّ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ .
حُجَّةُ الْأَوَّلُ : مَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةَ بِـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَعُمُومُ اللَّامِ يَشْمَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ .
تَنْبِيهٌ :
جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ ، وَالْبَسْمَلَةُ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً فَلَا تَكُونُ قُرْآنًا ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُمُ الْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ ، إِنْ أَخَذُوهُ كُلِّيَّةً انْدَرَجَتْ فِيهَا صُورَةُ النِّزَاعِ فَالْخَصْمُ يَمْنَعُ الْكُلِّيَّةَ ; لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صُورَةِ النِّزَاعِ ، أَوْ جُزْئِيَّةً لَمْ تُفِدْ شَيْئًا إِذْ لَعَلَّ صُورَةَ النِّزَاعِ فِيمَا بَقِيَ غَيْرُ الْجُزْئِيَّةِ ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ فَسَادَهُ أَنَّ مَنْ زَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ إِجْمَاعًا ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ فَكَانَ يَلْزَمُ تَكْفِيرُنَا أَوْ تَكْفِيرُ خَصْمِنَا ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مَلْزُومًا لِلتَّوَاتُرِ بَلْ عِنْدَ الْخَصْمِ الْقُرْآنُ يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ وَبِغَيْرِ التَّوَاتُرِ فَمُصَادَرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ لَا تَجُوزُ ; لِأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً وَهِيَ قُرْآنٌ ، وَنَحْنُ أَيْضًا نَقُولُ هِيَ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ وَلَا يَكْفُرُ مُثْبِتُهَا مِنَ الْقُرْآنِ 181 فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّنَا غَيْرُ جَازِمِينَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ . الثَّانِي قَالَ فِي الْكِتَابِ : يَتَعَوَّذُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ إِنْ شَاءَ ، وَلَا يَتَعَوَّذُ أَحَدٌ فِي الْمَكْتُوبَةِ ، وَيَجُوزُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَتَعَوَّذُونَ فِيهِ خِلَافًا لِـ ( ش ) وَ ( ح ) لَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَسْمَلَةِ مِنَ النُّصُوصِ وَعَمَلِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ فِي النَّافِلَةِ فَأَجَازَهُ فِي الْكِتَابِ ، وَكَرِهَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِذَا تَعَوَّذَ فَهَلْ يَجْهَرُ بِهِ كَالْقِرَاءَةِ أَوْ كَالتَّسْبِيحِ ؟ لَهُ قَوْلَانِ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسِرُّهُ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَجْهَرُ بِهِ ، وَيَتَعَوَّذُ فِي جُمْلَةِ الرَّكَعَاتِ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ وَ ( ش ) ; لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْقِرَاءَةِ ، وَيَخْتَصُّ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى عِنْدَ ( ح ) ; لِأَنَّهُ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ .
حُجَّةُ الْأَوَّلِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) .
حُجَّةُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُهِمَّ صَرْفُ الشَّيْطَانِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَنِ الصَّلَاةِ وَقَدْ حَصَلَ ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَ ( ش ) وَ ( ح ) : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، وَعِنْدَ الثَّوْرِيِّ أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، وَمَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ فَيَكُونُ أَوْلَى . الثَّالِثُ قَالَ فِي الْكِتَابِ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ حِينَ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ ، قَالُوا لَهُ إِنَّكَ لَمْ تَقْرَأْ ، قَالَ : كَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ؟ قَالُوا حَسَنًا ، قَالَ : فَلَا بَأْسَ إِذَنْ وَيُعِيدُ بَعْدَ الْوَقْتِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَرُوِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ ، وَقَالَ 182 ابْنُ شَبْلُونَ : إِنَّ أُمَّ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ فَرْضًا ، مُحْتَجًّا بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَمَا حَمَلَهَا الْإِمَامُ ; فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُ الْفُرُوضَ ، وَلِقَضِيَّةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّهُ يَحْمِلُ الْقِيَامَ وَهُوَ فَرْضٌ ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ رُخْصَةٌ فَيَقْتَصِرُ بِهَا عَلَى مَحَلِّهَا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ . وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْمَتْرُوكَ لِعُمْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَهْرُ دُونَ الْقِرَاءَةِ .
حُجَّةُ الْمَذْهَبِ : الْمُتَقَدِّمُ مِنَ الْحَدِيثِ فِي الْبَسْمَلَةِ . الرَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ : إِذَا لَمْ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ فَلَيْسَ بِقِرَاءَةٍ ، وَقَالَهُ ( ش ) ; لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنَ الْقِرَاءَةِ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ وَالَّذِي فِي النَّفْسِ لَيْسَ بِحُرُوفٍ فَإِنْ حَرَّكَ لِسَانَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ نَفْسَهُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ : يُجْزِئُهُ وَالْإِسْمَاعُ يَسِيرٌ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَقَالَهُ ( ش ) فَلَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِي نَفْسِهِ خِلَافًا لِـ ( ش ) وَأَشْهَبَ ; لِأَنَّ الَّذِي فِي النَّفْسِ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ ، وَإِذَا لَمْ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فَيُخْتَلَفُ فِي وُقُوفِهِ تَخْرِيجًا عَلَى الْأُمِّيِّ ، قَالَهُ صَاحِبُ الطَّرَّازِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : الْأَبْكَمُ يَدْخُلُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ . الْخَامِسُ قَالَ فِي الْكِتَابِ : مَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ مِنَ الصُّبْحِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ مَنْ غَيْرِهَا أَعَادَ الصَّلَاةَ فَإِنْ تَرَكَ فِي 183 رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ الصُّبْحِ اسْتُحِبَّ الْإِعَادَةُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ إِذَا كَانَتْ حَضَرِيَّةً وَأَتَمَّهَا بِالسُّجُودِ ، وَقَالَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ : يُلْغِيهَا ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ : يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ وَالْأَوَّلُ أَعْجَبُ إِلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : الَّذِي اسْتَحَبَّ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ وَالْإِعَادَةَ ، وَكَانَ عِنْدَهُمَا إِعَادَةُ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ أَبْعَدُ أَقَاوِيلِ مَالِكٍ ، قَالَ سَحْنُونٌ : قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ أَعْجَبُ إِلَيْهِ مُرَادُهُ قَوْلُهُ الْأَخِيرُ بِالسُّجُودِ ، وَعَلَيْهِ جُلُّ أَصْحَابِنَا ، وَنَقَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ رَأْيَ ابْنَ الْقَاسِمِ بِإِلْغَاءِ الرَّكْعَةِ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : وَمُرَادُهُ بِالْقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ هِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ يَعْنِي فِي التَّلْقِينِ وَفِي الْأَكْثَرِ عَلَى رِوَايَةٍ ، وَفِي رَكْعَةٍ عِنْدَ الْمُغْيِرَةِ ، وَكَلَامُ التَّلْقِينِ وَالْجَوَاهِرِ هُوَ رَأْيُ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ كَمَا تَرَى وَوَافَقْنَا ( ش ) عَلَى وُجُوبِهَا ، وَقَالَ ( ح ) : سُنَّةٌ يَسْجُدُ لِسَهْوِهَا ، وَالْوَاجِبُ مُطْلَقُ الْقِرَاءَةِ نَحْوَ نِصْفِ آيَةٍ وَرُوِيَ عَنْهُ آيَةٌ ، وَرُوِيَ آيَةٌ طَوِيلَةٌ أَوْ ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ ، وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ إِلَّا فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ مُلَاحَظَةً لِأَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ ، وَالزَّائِدُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ شُرِعَ عَلَى الْخِفَّةِ . لَنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ .
184 حُجَّةُ ( ح ) قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) ، وَلِأَنَّ الْفَاتِحَةَ مَدَنِيَّةٌ وَكَانَتِ الصَّلَاةُ قَبْلَهَا صَحِيحَةٌ إِجْمَاعًا ، فَلَا يَرْتَفِعُ الْإِجْمَاعُ إِلَّا بِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِرَاءَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعْنَاهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ حِينَئِذٍ اشْتِرَاطَ الْفَاتِحَةِ ، وَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَيَكْفِي فِي رَفْعِهَا أَدْنَى دَلِيلٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا رَفْعَهَا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَأَمَّا وَجْهُ اقْتِصَارِ الْوُجُوبِ عَلَى رَكْعَةٍ فَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلِأَنَّهُ نَظَرٌ وَاجِبٌ فَلَا يَتَكَرَّرُ كَالتَّحْرِيمِ وَالسَّلَامِ ، وَجْهُ الْوُجُوبِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مُسْلِمٍ لِلْإِعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ : قُمْ وَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ : وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا . وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَلِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ فِي رَكْعَةٍ وَجَبَتْ فِي جُمْلَةِ الرَّكَعَاتِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَجْهُ الْوُجُوبِ فِي الْأَكْثَرِ أَنَّهَا مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ فَيُسْتَحَبُّ تَرْكُ الْأَقَلِّ ، وَوَجْهُ السُّجُودِ أَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهَا أَنْ يَلْحَقَ بِالسُّنَنِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ وَتُسْتَحَبُّ فِي السِّرِّ دُونَ الْجَهْرِ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ : لَا يَقْرَؤُهَا فِيهِمَا ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : لَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَ مَالِكٍ وَ ( ح ) ، وَقَالَ ( ش ) : تَجِبُ الْفَاتِحَةُ عَلَيْهِ لِعُمُومِ النُّصُوصِ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ صَلَّى - عَلَيْهِ 185 السَّلَامُ - : الصُّبْحَ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ ؟ قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِي وَاللَّهِ ، قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَفِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ : لَا يَقْرَأُ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا جَهَرَ الْإِمَامُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ . لَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) وَالْخِلَافُ فِي الْجَهْرِ وَالسِّرِّ وَاحِدٌ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ : هَلْ قَرَأَ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ آنِفًا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : نَعَمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَا جَهَرَ فِيهِ ، وَفِي مُسْلِمٍ أَقِيمُوا الصُّفُوفَ ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ وَالضَّمَانُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْفَاتِحَةِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ فِيمَا ذَكَرُوهُ : أَنَّ الْعُمُومَاتِ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ طَعَنَ فِي سَنَدِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا . السَّادِسُ فِي 186 الْجَوَاهِرِ مَنْ لَمْ يُحْسِنِ الْقِرَاءَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَسَعِ الْوَقْتُ ائْتَمَّ بِمَنْ يُحْسِنُهَا ، وَفِي الطَّرَّازِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّمَ وَلَا يَتَوَانَى ; لِأَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ وَحْدَهُ ، قَالَ : فَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَمْ تُجْزِهِ وَأَعَادَهَا هُوَ وَمَنِ ائْتَمَّ بِهِ كَذَلِكَ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، قَالَ سَحْنُونٌ : فَرْضُهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ ( ش ) ، وَعِنْدَ الْأَبْهَرِيِّ وَصَاحِبِ الطَّرَّازِ : لَا يَجِبُ التَّعْوِيضُ قِيَاسًا عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إِذَا تَعَذَّرَتْ ، وَلِأَنَّ الْبَدَلَ يَفْتَقِرُ إِلَى نَصٍّ وَالَّذِي رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ لِصَلَاتِهِ زِيَادَةٌ لَمْ تَصِحَّ ، وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْبَدَلُ فَعِنْدَ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ يَقِفُ وُقُوفًا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّ الْقِيَامَ وَسِيلَةُ الْقِرَاءَةِ ، وَإِذَا بَطَلَ الْمَقْصِدُ بَطَلَتِ الْوَسِيلَةُ وَعِنْدَ ( ح ) يَجِبُ الْوُقُوفُ بِقَدْرِ آيَةٍ ، وَفِي الْمَبْسُوطِ يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى ، فَلَوِ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَمَا أُمِرَ فَطَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بِأَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الْحِفْظِ وَسَمِعَ مَنْ يَقْرَؤُهَا فَلَا يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ ، قَالَ صَاحِبَ الطَّرَّازِ : وَكَذَلِكَ لَوْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ فَتَطْرَأُ عَلَيْهِ الْقُدْرَةُ ، وَقَالَ ( ح ) : يَقْطَعُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ; لِأَنَّهُ عَقَدَ إِحْرَامَهُ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ فَلَوِ ارْتَجَّ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرُهَا ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ السُّورَةَ مِنْ أَوَّلِهَا ، ثُمَّ تَذَكَّرَ كَأَنْ يَسْتَأْنِفَ الْقِرَاءَةَ ، وَيَبْنِي عَلَى رَفْضِ النِّيَّةِ هَلْ تُؤَثِّرُ فِي الْإِبْطَالِ أَمْ لَا ؟ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى نِيَّةٍ فَأَثَّرَ فِيهَا الرَّفْضُ ، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الرَّفْضُ وَهُوَ قَوْلُ ( ش ) فَلَوْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ إِلَّا بِالْعَجَمِيَّةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ، خِلَافًا لِـ ( ح ) مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ 187 تَعَالَى : ( إِنَّ هَذَا لُفِيَ الصُّحُفِ الْأُولَى ) ، ( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ) . وَلَمْ تَكُنْ فِيهَا عَرَبِيَّةٌ ، وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ يُرَادُ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَقْصُودًا فِي الصَّلَاةِ ، بَلِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاتِّعَاظُ وَهُمَا حَاصِلَانِ .
وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْأَوَّلَ مَعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) . وَالْقُرْآنُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ الْعَرَبِيُّ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْإِعْجَازَ مُرَادٌ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي لِاسْتِصْحَابِ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِمَا لَوْ نَظَمَ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى شِعْرًا وَبِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ الْقُرْآنِ . السَّابِعُ فِي الْجَوَاهِرِ : لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ وَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَبَدًا ، وَقَالَهُ فِي الْكِتَابِ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهَا تَفْسِيرٌ ، وَمَنْ قَرَأَ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ : مَنْ صَلَّى بِالتَّوْرَاةِ أَوِ الْإِنْجِيلِ أَوِ الزَّبُورِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْقُرْآنَ أَوْ لَا يُحْسِنُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ كَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ . الثَّامِنُ كَرِهَ فِي الْكِتَابِ : أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ، وَتَعَالَى جَدُّكَ ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ وَفِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ( ح ) رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَجْهُ الْمَشْهُورِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَسْمَلَةِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith