الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثاني
444 الْبَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ .
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ : الْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمَيِّتُ عَلَى السَّرِيرِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَيِّتٌ فَهُوَ سَرِيرٌ وَنَعْشٌ ، وَالْعَامَّةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، قَالَ عِيَاضٌ : الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ مَعًا لِلْمَيِّتِ وَقِيلَ : لِلْمَيِّتِ بِالْفَتْحِ ، وَالسَّرِيرُ بِالْكَسْرِ ، فَالْحَرَكَةُ الْعُلْيَا لِلْأَعْلَى وَالسُّفْلَى لِلْأَسْفَلِ ، وَفِي الْكِتَابِ سِتَّةُ فُصُولٍ ، وَأَنَا ذَاكِرُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ مِنَ الِاحْتِضَارِ إِلَى التَّعْزِيَةِ .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي الِاحْتِضَارِ .
قَالَ سَنَدٌ : يُسْتَحَبُّ حِينَئِذٍ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَبِي دَاوُدَ : " لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ " ، وَيَسْتَعِينُ عَلَى 445 ذَلِكَ بِالتَّفْكِيرِ فِي سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ مَوْتِهِ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : الرَّفِيقِ الْأَعْلَى - يَعْنِي أَعْلَى مُرْتَفَقِ الْجَنَّةِ . وَلَا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الصَّحِيحَيْنِ : " لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضَرٍّ نَزَلَ بِهِ ، وَلَكِنْ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا دَامَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي " . وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ التَّوَجُّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ ; لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَاتِ ، وَقَالَهُ الْجُمْهُورُ ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ كَرَاهَتَهُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُوجِبْهُ ، وَحَضَرَ احْتِضَارَهُ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ إِنْ أَمْكَنَ ، وَإِلَّا فَعَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَلَا يَفْعَلُ أَهْلُهُ ذَلِكَ حَتَّى يُتَيَقَّنَ الْمَوْتُ بِإِشْخَاصِ بَصَرِهِ ، قَالَ سَنَدٌ : وَكَرِهَ مَالِكٌ الْقِرَاءَةَ عِنْدَهُ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ ( يس ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَبِي دَاوُدَ : " اقْرَأُوا ( يس ) عَلَى مَوْتَاكُمْ " . وَيُلَقَّنُ عِنْدَ الْمَوْتِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مُسْلِمٍ : " مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ " ، وَإِذَا قَضَى أَوَّلُ مَا يُبْدَأُ بِتَغْمِيضِهِ ; لِمَا فِي مُسْلِمٍ : أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ عَلَى أَبِي مَسْلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَيُقَالُ عِنْدَ تَغْمِيضِهِ : بِسْمِ اللَّهِ 446 وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ; اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ ، وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِكَ ، وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إِلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ . وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَهُ إِلَّا أَحْسَنُ أَهْلِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وَيَتَجَنَّبُهُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ ; لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ ، ثُمَّ يُشَدُّ لِحْيُهُ الْأَسْفَلُ بِعِصَابَةٍ ، وَيُرْبَطُ فَوْقَ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَ الْهَوَامُّ إِلَى فَمِهِ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَأُبِيحَ الْبُكَاءُ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ بِغَيْرِ صَوْتٍ فِي الْوَحْدَةِ وَالِاجْتِمَاعِ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ : اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَأَتَاهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَعُودُهُ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَاشِيَتِهِ ، فَقَالَ : " قَدْ قَضَى ؟ " ، قَالُوا : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَبَكَاهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَهُ بَكَوْا ، فَقَالَ : أَلَا تَسْمَعُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَحُزْنِ الْقَلْبِ ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ " قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ . وَالنَّوْحُ مَمْنُوعٌ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ ; لِأَنَّهُ اسْتِغَاثَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِظْهَارُ أَنَّهُ جَارَ وَفَعَلَ غَيْرَ مَا يَنْبَغِي ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ رَثَى ابْنُ عُمَرَ أَخَاهُ عَاصِمًا بِقَوْلِهِ :
﴿﴾ فَإِنْ تَكُ أَحْزَانٌ وَفَائِضُ دَمْعَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ جَرَيْنَ وَمَا مِنْ دَاخِلِ الْجَوْفِ مَنْفَعَا ﴿﴾ ﴿﴾ تَجَرَّعْتُهَا فِي عَاصِمٍ وَاحْتَسَيْتُهَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَأَعْظَمُ مِنْهَا مَا احْتَسَى وَتَجَرَّعَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِمًا ﴿﴾ ﴿﴾ فَعِشْنَا جَمِيعًا أَوْ ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا ﴿﴾ ﴿﴾ دَفَعْنَا بِكَ الْأَيَّامَ حَتَّى إِذَا أَتَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ تُرِيدُكَ لَمْ نَسْطَعْ لَهَا عَنْكَ مَدْفَعَا ﴿﴾ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ مِثْلِهِ مِنَ الْمَرَاثِي ، وَأَمَّا مَا فِيهِ التَّشْنِيعُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ : " لَعَنَ اللَّهُ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ " ، قَالَ سَنَدٌ : هِيَ الَّتِي تَتَّخِذُ النَّوْحَ صَنْعَةً ، وَإِلَّا فَالْمَرَّةُ مَكْرُوهَةٌ ; لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ : أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَرَكَ نِسَاءَ جَعْفَرٍ لَمْ 447 يُسْكِتْهُنَّ . وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ : جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ - وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَسُمِعَ صَوْتُ صَائِحَةٍ ، فَقَالَ : " مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالُوا : ابْنَةُ عَمْرٍو ، فَقَالَ : فَلْتَبْكِ أَوْ لَا تَبْكِي فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ " . وَفِيهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَلَّا نَنُوحَ فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرُ خَمْسِ نِسْوَةٍ سَمَّتْهُنَّ .
فَائِدَةٌ : قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ " - فِي الْمُوَطَّأِ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوَاخَذُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ، وَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَوْصَى بِالنِّيَاحَةِ كَمَا قَالَ طَرَفَةُ :
﴿﴾ إِذَا مُتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ ﴿﴾ .
أَوْ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ فِي نُوَاحِهِمْ مَفَاخِرَ هِيَ فَخَارٌ عِنْدَ الشَّرْعِ كَالْغَضَبِ وَالْفُسُوقِ فَيُعَذَّبُ بِهَا ، أَوْ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ ; إِنَّمَا مَرَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهُودِيَّةٌ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا ; فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " إِنَّكُمْ لَتَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ .
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ : الْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمَيِّتُ عَلَى السَّرِيرِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَيِّتٌ فَهُوَ سَرِيرٌ وَنَعْشٌ ، وَالْعَامَّةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، قَالَ عِيَاضٌ : الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ مَعًا لِلْمَيِّتِ وَقِيلَ : لِلْمَيِّتِ بِالْفَتْحِ ، وَالسَّرِيرُ بِالْكَسْرِ ، فَالْحَرَكَةُ الْعُلْيَا لِلْأَعْلَى وَالسُّفْلَى لِلْأَسْفَلِ ، وَفِي الْكِتَابِ سِتَّةُ فُصُولٍ ، وَأَنَا ذَاكِرُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ مِنَ الِاحْتِضَارِ إِلَى التَّعْزِيَةِ .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي الِاحْتِضَارِ .
قَالَ سَنَدٌ : يُسْتَحَبُّ حِينَئِذٍ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَبِي دَاوُدَ : " لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ " ، وَيَسْتَعِينُ عَلَى 445 ذَلِكَ بِالتَّفْكِيرِ فِي سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ مَوْتِهِ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : الرَّفِيقِ الْأَعْلَى - يَعْنِي أَعْلَى مُرْتَفَقِ الْجَنَّةِ . وَلَا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الصَّحِيحَيْنِ : " لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضَرٍّ نَزَلَ بِهِ ، وَلَكِنْ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا دَامَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي " . وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ التَّوَجُّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ ; لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَاتِ ، وَقَالَهُ الْجُمْهُورُ ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ كَرَاهَتَهُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُوجِبْهُ ، وَحَضَرَ احْتِضَارَهُ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ إِنْ أَمْكَنَ ، وَإِلَّا فَعَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَلَا يَفْعَلُ أَهْلُهُ ذَلِكَ حَتَّى يُتَيَقَّنَ الْمَوْتُ بِإِشْخَاصِ بَصَرِهِ ، قَالَ سَنَدٌ : وَكَرِهَ مَالِكٌ الْقِرَاءَةَ عِنْدَهُ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ ( يس ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَبِي دَاوُدَ : " اقْرَأُوا ( يس ) عَلَى مَوْتَاكُمْ " . وَيُلَقَّنُ عِنْدَ الْمَوْتِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مُسْلِمٍ : " مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ " ، وَإِذَا قَضَى أَوَّلُ مَا يُبْدَأُ بِتَغْمِيضِهِ ; لِمَا فِي مُسْلِمٍ : أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ عَلَى أَبِي مَسْلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَيُقَالُ عِنْدَ تَغْمِيضِهِ : بِسْمِ اللَّهِ 446 وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ; اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ ، وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِكَ ، وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إِلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ . وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَهُ إِلَّا أَحْسَنُ أَهْلِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وَيَتَجَنَّبُهُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ ; لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ ، ثُمَّ يُشَدُّ لِحْيُهُ الْأَسْفَلُ بِعِصَابَةٍ ، وَيُرْبَطُ فَوْقَ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَ الْهَوَامُّ إِلَى فَمِهِ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَأُبِيحَ الْبُكَاءُ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ بِغَيْرِ صَوْتٍ فِي الْوَحْدَةِ وَالِاجْتِمَاعِ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ : اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَأَتَاهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَعُودُهُ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَاشِيَتِهِ ، فَقَالَ : " قَدْ قَضَى ؟ " ، قَالُوا : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَبَكَاهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَهُ بَكَوْا ، فَقَالَ : أَلَا تَسْمَعُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَحُزْنِ الْقَلْبِ ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ " قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ . وَالنَّوْحُ مَمْنُوعٌ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ ; لِأَنَّهُ اسْتِغَاثَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِظْهَارُ أَنَّهُ جَارَ وَفَعَلَ غَيْرَ مَا يَنْبَغِي ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ رَثَى ابْنُ عُمَرَ أَخَاهُ عَاصِمًا بِقَوْلِهِ :
﴿﴾ فَإِنْ تَكُ أَحْزَانٌ وَفَائِضُ دَمْعَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ جَرَيْنَ وَمَا مِنْ دَاخِلِ الْجَوْفِ مَنْفَعَا ﴿﴾ ﴿﴾ تَجَرَّعْتُهَا فِي عَاصِمٍ وَاحْتَسَيْتُهَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَأَعْظَمُ مِنْهَا مَا احْتَسَى وَتَجَرَّعَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِمًا ﴿﴾ ﴿﴾ فَعِشْنَا جَمِيعًا أَوْ ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا ﴿﴾ ﴿﴾ دَفَعْنَا بِكَ الْأَيَّامَ حَتَّى إِذَا أَتَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ تُرِيدُكَ لَمْ نَسْطَعْ لَهَا عَنْكَ مَدْفَعَا ﴿﴾ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ مِثْلِهِ مِنَ الْمَرَاثِي ، وَأَمَّا مَا فِيهِ التَّشْنِيعُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ : " لَعَنَ اللَّهُ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ " ، قَالَ سَنَدٌ : هِيَ الَّتِي تَتَّخِذُ النَّوْحَ صَنْعَةً ، وَإِلَّا فَالْمَرَّةُ مَكْرُوهَةٌ ; لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ : أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَرَكَ نِسَاءَ جَعْفَرٍ لَمْ 447 يُسْكِتْهُنَّ . وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ : جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ - وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَسُمِعَ صَوْتُ صَائِحَةٍ ، فَقَالَ : " مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالُوا : ابْنَةُ عَمْرٍو ، فَقَالَ : فَلْتَبْكِ أَوْ لَا تَبْكِي فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ " . وَفِيهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَلَّا نَنُوحَ فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرُ خَمْسِ نِسْوَةٍ سَمَّتْهُنَّ .
فَائِدَةٌ : قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ " - فِي الْمُوَطَّأِ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوَاخَذُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ، وَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَوْصَى بِالنِّيَاحَةِ كَمَا قَالَ طَرَفَةُ :
﴿﴾ إِذَا مُتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ ﴿﴾ .
أَوْ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ فِي نُوَاحِهِمْ مَفَاخِرَ هِيَ فَخَارٌ عِنْدَ الشَّرْعِ كَالْغَضَبِ وَالْفُسُوقِ فَيُعَذَّبُ بِهَا ، أَوْ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ ; إِنَّمَا مَرَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهُودِيَّةٌ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا ; فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " إِنَّكُمْ لَتَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith