الذخيرة
الذخيرة · الجزء الخامس
الصفحة 802 · ص. المطبوع 401
الشَّرْطُ الثَّالِثُ : كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مُتَقَوِّمَةً احْتِرَازًا مِنَ التَّافِهِ الْحَقِيرِ الَّذِي لَا تَجُوزُ مُقَابَلَتُهُ بِالْمَالِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ ، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ : وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِئْجَارِ الْأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ ، وَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِئْجَارَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِتَزْيِينِ الْحَوَانِيتِ ، وَكُلُّ مَا لَا يُعْرَفُ خَشْيَةَ السَّلَفِ بِزِيَادَةِ الْأُجْرَةِ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ إِذَا كَانَ رَبُّهَا حَاضِرًا مَعَهَا ، وَجَوَّزَهُ الْأَئِمَّةُ مُطْلَقًا إِلَّا ( ش ) مَنَعَهُ لِعَدَمِ التَّقْوِيمِ ، وَمَنَعَ الطَّعَامَ لِلزِّينَةِ وَالتُّفَّاحَةَ لِلشَّمِّ بِخِلَافِ التُّفَّاحِ الْكِبَارِ ، وَمَنَعَ الْأَشْجَارَ لِلتَّجْفِيفِ ، كُلُّ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّقْوِيمِ .
فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِجَارَةُ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ لِلشَّيْءِ الْيَسِيرِ أَجَازَهَا مَالِكٌ مَرَّةً وَكَرِهَهُ أُخْرَى ; لِأَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْكِتَابِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : يَجُوزُ كِرَاءُ الْمُصْحَفِ كَبَيْعِهِ ، وَعَلَى كِتَابَتِهِ ، وَعَلَى تَعْلِيمِهِ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا ، وَعَلَى الْحِذَاقِ أَوْ تَعْلِيمِهِ كُلِّهِ أَوْ جُزْئِهِ بِكَذَا ; لِأَنَّهُ مُتَقَارِبٌ عُرْفًا ، وَقَالَهُ ( ش ) غَيْرَ أَنَّهُ اشْتَرَطَ التَّحْدِيدَ بِالسُّوَرِ أَوْ بِالزَّمَانِ لِتَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الصَّحِيحَيْنِ : " ۝ أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ " .
401 وَمَنَحَ ( ح ) وَأَحْمَدُ أُجْرَةَ التَّعْلِيمِ وَكُلَّ مَا فِيهِ قُرْبَةً تَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ ، كَالْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ لِمَا فِي التِّرْمِذِيَّ قَالَ عُثْمَانُ بْنِ أَبِي الْعَاصِ " ۝ آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ أَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا " وَلِأَنَّهَا قُرَبٌ يَعُودُ نَفْعُهَا عَلَى آخِذِ الْأُجْرَةِ ، وَالْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ لَا يَجْتَمِعَانِ لِشَخْصٍ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ تَرْكَ الْأَخْذِ أَفْضَلُ إِجْمَاعًا ، فَالْأَمْرُ بِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَخْذِ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ الْأُجْرَةَ قُبَالَةُ الْتِزَامِ الْمَوَاضِعِ الْمُعَيَّنَةِ فِي الْأَذَانِ وَنَحْوِهِ ، أَوْ قُبَالَةُ تَعْيِينِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ ، وَلَيْسَتْ قُبَالَةَ أَصْلِ الْقُرْبَةِ ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ كَانَتْ قُرَبًا لَكَنْ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِعْلُهَا بِالْأُجْرَةِ لِلتَّعْيِينِ ، وَجَوَّزَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْخَطِّ ، وَالْحِسَابِ ، وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ ، وَكِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ ; لِأَنَّ فِعْلَ هَذِهِ لَا يَتَوَقَّفُ وُقُوعُهُ عَلَى أَهْلِيَّةِ التَّقَرُّبِ ، مِنَ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ ، وَمَنَعَ ( ش ) الْإِجَارَةَ فِي الصَّلَاةِ وَكُلِّ عِبَادَةٍ تَمْتَنِعُ النِّيَابَةُ فِيهَا ، بِخِلَافِ تَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ ; لِدُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهَا .
وَالْأَجِيرُ نَائِبٌ ، فَحَيْثُ جَازَ النَّائِبُ جَازَ الْأَجِيرُ ، قَالَ فِي الْكِتَابِ : وَتَجُوزُ عَلَى الْكِتَابَةِ فَقَطْ ، وَعَلَيْهَا مَعَ الْقُرْآنِ مُشَاهَرَةً ، وَلَهُ اشْتِرَاطُ شَيْءٍ مَعْلُومٍ مَعَ أُجْرَتِهِ كُلَّ فِطْرٍ وَأَضْحَى ، قَالَ : وَأَكْرَهُ عَلَى تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ كَمَا أَكْرَهُ بَيْعَ كُتُبِهَا ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : مَنَعَ ابْنُ حَبِيبٍ إِجَارَةَ الْمُصْحَفِ بِخِلَافِ بَيْعِهِ ، وَقَالَهُ ( ح ) فِيهِ ، وَفِي الْكِتَابِ : لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ وَالنَّظَرَ فِيهَا فِعْلُهُ فَلَا يُعْطَى عَلَى فَعْلِ نَفْسِهِ أَجْرًا ، وَالثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ لِلْوَرَقِ وَالْخَطِّ وَفِي الْإِجَارَةِ لِنَفْسِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ لَيْسَ مُتَقَوِّمًا .
402 قَاعِدَةٌ : الْإِجَارَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْبَيْعِ فَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ إِجَارَتُهُ ، وَالْأَعْيَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مَا اتُّفِقَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ وَقَبُولِهِ لِلْمَلِكِ وَالْمَالِيَّةِ ، كَالدَّارِ وَالْعَبْدِ ، وَمَا اتُّفِقَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهِ وَقَبُولِهِ لِلْمَالِيَّةِ إِمَّا لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا كَالْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا ، أَوْ لِعَدَمِ الْقِيمَةِ فِيهِ عُرْفًا كَالنَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ وَالتَّوَجُّهِ تِلْقَاءَ الْهَوَاءِ أَوِ التَّفَرُّجِ عَلَى الرِّيَاضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمَا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنَ الثَّانِي ، وَهُوَ نَحْوُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَقَدْ بِيعَتِ الْمَصَاحِفُ أَيَّامَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ يُنْكِرِ الصَّحَابُةُ ذَلِكَ ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَإِجَازَةُ ابْنِ حَبِيبٍ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ يُبْطِلُ مَنْعَ إِجَارَةِ الْمُصْحَفِ ; لِأَنَّ الْمُصْحَفَ كَالْمُعَلِّمِ ، وَاسْتِعْمَالُ بَدَنِ الْمُعَلِّمِ كَاسْتِعْمَالِ الْمُصْحَفِ عَنْ صَاحِبِهِ وَثَمَرِهِ وَوَرَقِهِ وَجِلْدِهِ ، لَكَنَّ الْمُعَلِّمَ يَنْتَفِعُ بِزِيَادَةِ حِفْظِهِ بِالتَّعْلِيمِ بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ ، وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ : اشْتِرَاطُ السَّنَةِ وَالسَّنَتَيْنِ ، وَلَيْسَ لِأَبِ الصَّبِيِّ إِخْرَاجُهُ حَتَّى يَتِمَّ الشَّرْطُ إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ ، وَالشَّرْطُ لَازِمٌ لِلْمُعَلِّمِ أَيْضًا . فَإِنْ قَالَ : كُلُّ شَهْرٍ بِكَذَا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّرْكُ ، قَالَ سَحْنُونٌ : وَيَحْمِلُ النَّاسُ فِي الْحِذَاقِ وَغَيْرِهَا عَلَى الْعَوَائِدِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا شَرْطًا ، وَالْحِذَاقُ عَلَى قَدْرِ حَالِ الْأَبِ ، قَالَ سَحْنُونٌ : وَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْقُرْآنِ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْخَتْمَةُ ، وَتَوَقَّفَ فِي الثُّلُثَيْنِ ; لِأَنَّ الْبَاقِيَ تَبَعٌ ، وَقِيَاسًا عَلَى مَنْعِ السَّيِّدِ مِنْ نَزْعِ مَالِ الْمُعْتَقِ إِلَى أَجَلٍ إِذَا قَرُبَ ، وَلِأَبِيهِ إِخْرَاجُهُ إِذَا بَلَغَ الرُّبُعَ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُعَلِّمِ مِنْ أُجْرَةِ الْخَتْمَةِ ، وَإِنَّمَا لَهُ إِذَا قَارَبَهَا لِشِبْهِهَا بِالْجُعَالَةِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَيُقْضَى بِالْحِذَاقِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ . قَالَ أَصْبَغُ : وَلَا يَضُرُّ الْغَلَطُ الْيَسِيرُ بِخِلَافِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَمِرًا فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا يُحْسِنُ الْهِجَاءَ ، وَإِذَا شَرَطَ الْمُعَلِّمُ أَنَّ لَهُ فِي الْحِذْقَةِ كَذَا فَأَخْرَجَهُ الْأَبُ فَعَلَيْهِ الْحِذْقَةُ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْهَا ، 403 وَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْحِذْقَةِ إِلَّا السُّوَرِ الْيَسِيرَةِ فَأَخْرَجَهُ فَلَهُ الْحِذْقَةُ ; لِأَنَّ الْيَسِيرَ تَبَعٌ ، قَالَ : وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ حَقُّ الْأَعْيَادِ لِأَنَّهَا مُكَارَمَةٌ فِي أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ ، مَكْرُوهَةٌ فِي أَعْيَادِ النَّصَارَى ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : إِنْ كَانَ عُرْفًا كَالشَّرْطِ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ تَعْلِيمَ الْمُشْرِكِينَ الْخَطَّ ; لِأَنَّهُمْ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى إِلْقَاءِ الشُّبَهِ إِذَا كَبِرُوا ، وَكَرِهَ تَعْلِيمَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْكُفَّارِ كِتَابَهُمْ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ ، وَأَجَازَ غَيْرُ مَالِكٍ بَيْعَ الْفِقْهِ وَالْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ ; لِأَنَّهُ إِشْغَالٌ لِلْمُعَلِّمِ وَأَخْذَ مَنَافِعِهِ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِنَّمَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ إِذَا عَيَّنَ مُدَّةً دُونَ مَا يُتَعَلَّمُ فِيهَا ، أَوْ مَا يُتَعَلَّمُ مِنْ حِذْقَةٍ وَشَيْءٍ مَعْلُومٍ ، كَرُبُعٍ وَنِصْفٍ ، أَوِ الْجَمِيعِ دُونَ تَحْدِيدِ مُدَّةٍ ، وَالْجُمَعُ بَيْنَهُمَا مَمْنُوعٌ لِلْغَرَرِ ، فَإِنْ فَعَلَ وَكَانَ يَجْهَلُ تَعَلُّمَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَسَدَتِ الْإِجَارَةُ أَوِ الْغَالِبُ التَّعْلِيمُ فِيهَا فَأُجِيزَ ، وَمُنِعَ ، فَإِنِ انْقَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ فِيهِ ذَلِكَ الْجُزْءَ : فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْمُسَمَّى ، وَفِي الْجَلَّابِ : مَنَعَ الْإِجَارَةَ إِلَّا مُدَّةً مَعْلُومَةً ; لِأَنَّ أَفْهَامَ الصِّبْيَانِ تَخْتَلِفُ ، فَقَدْ لَا يَتَعَلَّمُ الْجُزْءَ إِلَّا فِي مُدَّةٍ بَعِيدَةٍ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : تُكْرَهُ إِجَارَةُ قُسَّامِ الْقَاضِي وَحُسَّابِهِمِ ، وَكَانَ خَارِجَةُ وَمُجَاهِدٌ لَا يَأْخُذَانِ أَجْرًا ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ سَحْنُونٌ : إِنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ أَرْزَاقٌ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : أَجْرَتُهُ جَائِزَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِذَا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِذَلِكَ ، وَيُمْنَعُ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذُوهُ مِمَّنْ يُقَسِّمُونَ لَهُ مِنْ غَنَائِمَ أَوْ يَتَامَى أَوْ رُشَدَاءَ أَوْ غَيْرِهِمْ ، وَهَلْ هِيَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ أَوِ الْعَدَدِ ؟ قَوْلَانِ ، قَالَ : وَأَرَى فِي الْقَاسِمِ وَالْكَاتِبِ وَالسِّمْسَارِ أَنَّهَا عَلَى الْأَنْصِبَاءِ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ الْيَوْمَ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا أَوْ بَيْتًا فَيَكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ ، فَإِنْ 404 نَزَلَ قُضِيَ لَهُ بِالثَّمَنِ ، وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ فِي الْبَيْتِ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبَيْتِ مُتَقَوِّمَةٌ . وَيَجُوزُ كِرَاءُ دَارِهِ عَلَى أَنْ تَتَّخِذَ مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ ، وَالنَّقْضُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْبَانِي ، وَتَرْجِعُ الْأَرْضُ لِرَبِّهَا ، قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ : إِنْ أَبَاحَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ بِنَائِهِ صَارَ حُبْسًا لَا حَقَّ فِيهِ لِأَحَدٍ ، وَإِنْ لَمْ يُبِحْهُ بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكْرِيَهُ ، فَلَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَهُوَ مَعْنَى مَنْعِهِ كَإِجَازَةِ الْمُصْحَفِ ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي الْأَرْضِ ; لِأَنَّ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ ، وَلَوْ سَلَّمَ الْبَيْتَ لِمُكْتَرِيهِ لَكَانَ كَالْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ كِرَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْغَيْرِ وِفَاقًا أَوْ يَكُونَانِ تَكَلَّمَا عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَوْ يَكُونُ الْغَيْرُ تَكَلَّمَ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَ الْوُقُوعِ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ ابْتِدَاءً ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ سَحْنُونٌ : إِنَّمَا مُنِعَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ حُبْسُهُ ، وَالْحُبْسُ لَا يُؤَاجِرُ ، وَإِذَا أَخَذَ بَانِي نَقْضِ الْمَسْجِدِ جَعَلَهَا فِي غَيْرِهِ ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْوَبُ ; لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ كَاسْتِحْقَاقِ أَرْضٍ بَعْدَ بِنَائِهَا مَسْجِدًا ; لِأَنَّ الْبِنَاءَ خَرَجَ هُنَاكَ لِلَّهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَهُنَا مُدَّةٌ مُعَيَّنَةٌ ، كَمَنْ دَفَعَ فَرَسَهُ لِمَنْ يَغْزُو عَلَيْهِ غَزْوَةً ، فَإِنْهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ دَفْعُ قِيمَةِ الْبِنَاءِ مَقْلُوعًا ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِبَقَائِهِ عَلَى صُورَةِ الْمَسْجِدِ ، وَإِذَا لَمْ يَنْفَعْ إِلَّا بَعْدَ النَّقْضِ فَصَاحِبُهُ أَوْلَى بِخِلَافِ الِاسْتِحْقَاقِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ : أَنَا أُبْقِيهُ مَسْجِدًا مُؤَبَّدًا ، فَلَهُ أَخْذُهُ فَتَجِبُ تَبْقِيَتُهُ مَسْجِدًا ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا بَنَى مَسْجِدًا فَحِيزَ عَنْهُ ، أَوْ صَلَّى النَّاسُ فِيهِ زَالَ مِلْكُهُ فِيهِ ، وَإِنْ بَنَاهُ لِيُكْرِيَهُ جَازَ وَلَهُ بَيْعُهُ ، وَلَوْ صَلَّى النَّاسُ فِيهِ ، وَإِنْ بُنِيَ لِيُصَلَّى فِيهِ وَلَمْ يُحَزْ عَنْهُ وَلَا صَلَّى النَّاسُ فِيهِ ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ لَمْ يُجْبَرْ ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ إِجْبَارِهِ ، أَوْ كَانَ عَلَى الْعَادَةِ حَبْسًا فَهَلْ يُمْضَى حَبْسًا أَوْ مِيرَاثًا قِيَاسًا عَلَى الصَدَقَاتِ إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ فِي خُرُوجِهَا حَتَّى مَاتَ ؟ قَوْلَانِ ، وَإِذَا أَكْرَى الْأَرْضَ لِتُتَّخَذَ مَسْجِدًا مُدَّةً فَانْقَضَتْ ، فَلِلْبَانِي نَقْضُ مَا لَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى ، وَلَا يُوَافِقُ بِنَاءَ الدِّيَارِ ، وَمَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَلَمْ يَحْبِسْهُ : كَانَ 405 لِصَاحِبِ الدَّارِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ مَنْقُوضًا ، وَاخْتُلِفَ إِذَا حَبَسَهُ هَلْ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ ؟ وَهُوَ أَحْسَنُ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : تُكْرَهُ عَلَى تَعَلُّمِ الشِّعْرِ وَالنَّحْوِ وَكِتَابَتِهِمَا ، وَإِجَارَةُ كُتُبِهِمَا كَمَا يُكْرَهُ بَيْعُ كُتُبِهِمَا ، وَهِيَ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : أَجَازَهَا ابْنُ حَبِيبٍ فِي الشِّعْرِ وَالنَّحْوِ وَأَيَّامِ الْعَرَبِ وَالرَّسَائِلِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَلِيقُ بِذَوِي الْمُرُوآتِ ، بِخِلَافِ شِعْرِ الْهِجَاءِ وَالْخَمْرِ وَالْخَنَا .
فَرْعٌ
تُكْرَهُ عَلَى الْحَجِّ وَالْإِمَامَةِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ بِخِلَافِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْإِمَامَةِ ; لِأَنَّهَا عَلَى الْإِقَامَةِ بِالْمَسْجِدِ وَلُزُومِ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ ، وَمَنَعَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْإِمَامَةِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : أَجَازَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْإِجَارَةَ عَلَى الْإِمَامَةِ لِالْتِزَامِهِ مَوْضِعًا مَخْصُوصًا ، وَإِذَا جَوَّزْنَا فِي الْأَذَانِ فَأَخَلَّ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ هَلْ يُسْقِطُ حِصَّةَ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَأَجَازَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ : الْإِجَارَةُ عَلَى الْإِمَامَةِ إِذَا جُمِعَتْ مَعَ الْأَذَانِ فِي عَقْدٍ هُوَ كَالْغَرَرِ تَبَعًا لَا مُسْتَقِلًّا .
فَرْعٌ
تُكْرَهُ إِجَارَةُ الدُّفِّ وَالْمَعَازِفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَكَانَ يُضَعِّفُهُ ، قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ : ضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْعُرْسِ مُبَاحٌ ، لَكَنْ لَيْسَ كُلُّ مُبَاحٍ تَصِحُّ إِجَارَتُهُ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : يَنْبَغِي الْجَوَازُ فِي الدُّفِّ الْمُبَاحِ ، وَمَعْنَى : يُضَعِّفُهُ : أَيْ يُضَعِّفُ قَوْلَ غَيْرِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث