الذخيرة
الذخيرة · الجزء السادس
الصفحة 874 · ص. المطبوع 7
ثُمَّ النَّظَرُ فِي أَرْكَانِهَا وَأَحْكَامِهَا : النَّظَرُ الْأَوَّلُ : فِي أَرْكَانِهَا - وَهِيَ أَرْبَعَةٌ :
الْأَوَّلُ وَالثَّانِي : الْمُتَعَاقِدَانِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا إِلَّا أَهْلِيَّةُ الِاسْتِئْجَارِ وَالْعَمَلِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَجْعُولِ لَهُ تَكْمِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ ، بَلْ لَوْ قَالَ مَنْ جَاءَ بِعَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ صَحَّ ; فَإِنْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ شَيْئًا وَعَادَتُهُ طَلَبُ الْآبِقِ وَالِاكْتِسَابُ بِذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي قَدْرِ تَعَبِهِ وَسَفَرِهِ ، وَإِلَّا فَلَهُ نَفَقَتُهُ فَقَطْ - قَالَهُ أَصْبَغُ وَعَبْدُ الْمَالِكِ ، وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَدَمُ النَّفَقَةِ أَيْضًا .
وَقَالَ ( ش ) الرَّادُّ لَلْآبِقِ ابْتِدَاءً مُتَبَرِّعٌ لَا شَيْءَ لَهُ - كَانَ شَأْنُهُ رَدَّ الْآبِقِ أَمْ لَا ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَذِنَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَوْ يَأْذَنُ فُضُولِيٌّ يَقُولُ : قَالَ فُلَانٌ : مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَالِكِ وَلَا عَلَيْهِ . وَقَالَ ( ح ) لَهُ الْأَجْرُ فِي الْعَبْدِ دُونَ سَائِرِ الضَّوَالِّ إِذَا رَدَّهُ مِنْ دُونِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيْسَ مَعْرُوفًا بَرَدِّ الْأُبَّاقِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا أَوْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا اسْتِحْسَانًا ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ أَقَلَّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَهُ دِينَارٌ كَانَ مَعْرُوفًا أَمْ لَا . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْحَنَفِيَّةُ بِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ۝ مَنْ رَدَّ آبِقًا فَلَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ أَنَّهُ ۝ جَعَلَ لِمَنْ جَاءَ بِآبِقٍ خَارِجَ الْحَرَمِ دِينَارًا . وَعَنْهُ عَلَيْهِ 7 السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ ۝ فِي الْآبِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا . وَهِيَ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ كَالشَّرْطِ بِدَلِيلِ النُّقُودِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَتَعَيُّنِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِجَارَاتِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ .
قَاعِدَةٌ مَذْهَبِيَّةٌ : مَنْ فَعَلَ لِغَيْرِهِ فِعْلًا مَا شَأْنُهُ فِعْلُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ عَمَلٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْمَالُ وَأُجْرَةُ ذَلِكَ الْعَمَلِ - كَانَ وَاجِبًا كَأَدَاءِ الدَّيْنِ أَمْ لَا كَحَلْقِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ - وَإِنْ كَانَ شَأْنُهُ فِعْلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ هُوَ مِمَّنْ يَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ الْمَالُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَقَالَ ( ش ) لَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْءٌ .
لَنَا الْقَضَاءُ بِالْعَوَائِدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، فَنَفَقَةُ الْآبِقِ تَجِبُ بِنَاءً عَلَى الْمِلْكِ ، وَلَا تَجِبُ قِيَاسًا عَلَى الْغَيْبَةِ ، وَلَيْسَ شَأْنُ النَّاسِ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْآبِقِ فَاخْتُلِفَ فِيهَا ، وَشَأْنُ النَّاسِ طَلَبُ الْآبِقِ فَوَجَبَتِ الْأُجْرَةُ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّبَرُّعِ مِنْ كَوْنِهِ لَيْسَ شَأْنُهُ ذَلِكَ ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ : لَوْ لَمْ يَسْمَعِ الْآتِي بِالْآبِقِ قَوْلَ سَيِّدِهِ مَنْ جَاءَنِي بِهِ فَلَهُ كَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ الْإِتْيَانَ بِالْآبِقِ ، فَلَهُ جَعْلُ مِثْلِهِ ، كَمَا لَوْ جَاءَ بِهِ قَبْلَ الْقَوْلِ ، وَجَعَلَ لَهُ ابْنُ حَبِيبٍ بَعْدَ الْقَوْلِ الْجَعْلَ سَمِعَ أَمْ لَا - كَانَ ذَلِكَ شَأْنُهُ أَمْ لَا ، قَالَ : وَهُوَ أَحْسَنُ - إِذَا قَالَ : لَمْ أَتَطَوَّعْ ، وَلَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ جَعْلُ مِثْلِهِ ; فَإِنْ جَاءَ بِهِ مَنْ سَمِعَ قَوْلَ سَيِّدِهِ وَقَالَ لَمْ أَعْمَلْ عَلَى قَوْلِ السَّيِّدِ ; لِأَنَّ لِي طَلَبَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا اسْتَفَدْتُ مِنْ قَوْلِهِ إِنَّ الْعَبْدَ آبِقٌ ; حَلَفَ 8 وَأَخَذَ جَعْلَ مِثْلِهِ - إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُسَمَّى ، فَإِنْ طَلَبَ مَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ - قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُعْطَى بِقَدْرِ تَعَبِهِ ، وَهُوَ أَحْسَنُ إِنْ كَانَ سَيِّدُهُ لَا يَخْرُجُ لَهُ بِنَفْسِهِ ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّرْ عَلَى السَّيِّدِ شَيْئًا .
الرُّكْنُ الثَّالِثُ : الْعَمَلُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : هُوَ كُلُّ عَمَلٍ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعْلُومًا تَحْصِيلُ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ ، احْتِرَازًا مِمَّنْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ ضَالًّا بِغَيْرِ عَمَلٍ فَلَا جَعْلَ لَهُ ، وَمِمَّنْ عَرَفَ مَكَانَهُ فَدَلَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَحْصُلَ لِلْجَاعِلِ مَنْفَعَةٌ إِلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ ; قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : وَيَمْتَنِعُ فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ بِذَهَابِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ بَاطِلًا ، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ : لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَيَمْتَنِعُ إِلَّا فِي غَيْرِ الْمُقَدَّرِ مِنَ الْأَعْمَالِ بِزَمَنٍ ، فَمَتَى قَرَّرَ لَمْ يَكُنْ جَعْلًا بَلْ إِجَارَةً ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي نَظَائِرِهِ : لِلْجَعَالَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ : أَنْ يَكُونَ الْجَعْلُ مَعْلُومًا غَيْرَ مَنْقُودٍ وَلَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِلِ إِلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ ، وَلَا يُضْرَبُ لِلْعَمَلِ أَجَلٌ . وَقَالَ ( ش ) لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَلِ الْعِلْمُ وَلَا الْجَهْلُ ، وَيُمْنَعُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَالِ ; لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ شَرْعًا ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَعْلُ مَعْلُومًا .
قَاعِدَةٌ : تُعْرَفُ بِجَمْعِ الْفَرْقِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ 9 يَقْتَضِي حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ كَوَصْفِ السَّفَهِ يَقْتَضِي إِبْطَالَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ صَوْنًا لِمَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَلَى مَصَالِحِهِ ، وَيَقْتَضِي تَنْفِيذَ وَصَايَاهُ صَوْنًا لِمَالِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ لِئَلَّا يَأْخُذَهُ الْوَارِثُ ، فَصَارَ السَّفَهُ يَقْتَضِي التَّنْفِيذَ وَالرَّدَّ ، وَكَذَلِكَ كَوْنُ الْعَمَلِ غَيْرَ مَعْلُومٍ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْإِجَارَةِ لِئَلَّا تَذْهَبَ الْإِجَارَةُ مَجَّانًا فَهُوَ غَرَرٌ ، وَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي الْجَعَالَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَدَّى ذَلِكَ لِضَيَاعِ عَمَلِ الْمُجَاعَلِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ قَبْلَ وُجُودِ الضَّالِّ ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مُقَدَّرٍ يَزِيدُ الْمُجَاعِلُ فِي الطَّلَبِ فَيَجِدُ الضَّالُّ وَلَا يَذْهَبُ فِيهِ تَعَبُهُ بَاطِلًا فَصَارَتْ جَهَالَةُ الْعَمَلِ تَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ ، وَفِي الْكِتَابِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْجِيلُ ، فَمَنْ قَالَ : بِعْ ثَوْبِي وَلَكَ دِرْهَمٌ جَازَ ، حَدَّ فِي الثَّوْبِ ثَمَنًا أَمْ لَا ; فَإِنْ قَالَ : الْيَوْمَ أَمْتَنِعُ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يَتْرُكَ مَتَى شَاءَ ، لِئَلَّا يَذْهَبَ عَمَلُهُ بَاطِلًا لِتَعَذُّرِ الْبَيْعِ فِيهِ ، وَإِنْ بَاعَ فِي نِصْفِهِ ، أَخَذَ الْجَعْلَ كَامِلًا وَيَسْقُطُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ فَهُوَ خَطَرٌ ، فَلَا يَكُونُ الْجَعْلُ مُؤَجَّلًا .
وَاشْتَرَطَهُ ( ح ) قِيَاسًا عَلَى الْإِجَارَةِ . وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ) وَلَمْ يُقَدِّرْ أَجَلًا ، وَلَا يَجُوزُ الْجَعْلُ عَلَى بَيْعِ كَثِيرِ السِّلَعِ وَالدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ كَالْعَشَرَةِ الْأَثْوَابِ ، وَلَا عَلَى مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ فَيَبْقَى فِي الْقَلِيلِ لِاحْتِمَالِ ضَيَاعِ كَثْرَةِ الْعَمَلِ دُونَ الْمَقْصُودِ قَبْلَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ فِي الْقَلِيلِ فِي الْبَلَدِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ بَيْعُ ذَلِكَ عَنْ شُغْلِهِ ، فَإِنْ بَاعَ أَخَذَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ ، قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ أَجَازَ الْجَعْلَ عَلَى الْيَسِيرِ كَالثَّوْبَيْنِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : مَشْرُوطٌ بِأَنْ يُسَمَّى لِكُلِّ ثَوْبٍ جَعْلُهُ - كَمَا قِيلَ 10 فِي الْآبِقِينَ ، وَفِيهِ مِنَ الْخِلَافِ مَا فِيهِمَا ، وَقِيلَ : يَجُوزُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِيمَا لَا يَبْقَى لِلْجَاعِلِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ بَعْدَ تَمَامِهِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ لَا يَصِحُّ فِي الثِّيَابِ الْكَثِيرَةِ . أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا حَتَّى يَبِيعَ جَمِيعَهَا ، وَإِمَّا إِنْ أَخَذَ بِقَدْرِ مَا بَاعَ فَجَائِزٌ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ سَمَّى لِكُلِّ ثَوْبٍ شَيْئًا أَوْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْقِيَمِ ، أَوْ قَالَ عَلَى أَنْ تُقْبَضَ الْأُجْرَةُ عَلَى الْعَدَدِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْقِيَمِ امْتَنَعَ لِجَهَالَتِهَا ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا يُعْرَضُ لِلْبَيْعِ كَالرَّقِيقِ وَنَحْوِهُ يَمْنَعُ الْجَعْلَ إِلَّا فِي الْيَسِيرِ كَالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ الْمُجَاعِلُ عَنْ مَصَالِحِهِ ، وَمَا لَا يُعْرَضُ لِلْبَيْعِ وَلَا يُنْقَلُ كَالدُّورِ وَنَحْوِهَا يَجُوزُ فِيهَا الْجَعْلُ ، وَكَذَلِكَ الْجَعْلُ فِي عَمَلِ الْأَيْدِي جَائِزٌ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِنْ كَانَتْ ثِيَابًا كَثِيرَةً فِي بَيْتِ صَاحِبِهَا وَيَأْتِي السِّمْسَارُ بِمَنْ يَشْتَرِيهَا وَيَأْخُذُ مِنْهَا ثَوْبًا يَعْرِضُهُ لِيَبِيعَ بِهِ جَمِيعَهَا ، أَوْ تُنْقَلُ إِلَى دُكَّانِ السِّمْسَارِ فَيَبِيعُهَا فِيهِ أَوْ يَسْتَأْجِرُ صَاحِبُهَا مَنْ يَحْمِلُهَا لَهُ وَقْتَ الْعَرْضِ ، أَوْ يَقُولُ بِعْ أَيَّهَا شِئْتَ جَازَ ، لِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِضَيَاعِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَلَى الْمُجَاعَلِ ، وَيَلْزَمُ عَلَى الْمَذْهَبِ مَنْعُ الْجَعْلِ فِي الْآبِقِ لِطُولِهِ وَحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ لِلْجَاعِلِ بِكَشْفِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ إِذَا لَمْ يَجِدْهُ ، وَمَنْعُ الْمُغَارَسَةِ ; لِأَنَّهَا تَطُولُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ ، مَعَ أَنَّهُمْ أَجَازُوهَا ، وَأَجَازُوا الْجَعْلَ عَلَى السَّفَرِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْبَلَاغِ إِنْ وَصَلَ أَخَذَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ وَهُوَ جَعْلٌ ، إِلَّا أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا ، وَيَجُوزُ عِنْدَ 11 مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الْجَعْلُ عَلَى الشِّرَاءِ الْحَاضِرِ وَعَلَى السَّفَرِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ قَدْ قَالَ : إِذَا قَالَ : إِنِ ابْتَعْتَ لِي بِهَذِهِ الْمِائَةِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ كَذَا فَلَكَ كَذَا ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَكَ إِنْ كَانَ خُرُوجُهُ لَهُ وَلِلْمِائَةِ جَازَ وَإِلَّا امْتَنَعَ إِلَّا بِأَجَلٍ مُؤَقَّتٍ ، وَأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَهُوَ أَحْسَنُ .
فَرْعٌ : فِي الْكِتَابِ كُلُّ مَا جَازَتِ الْجَعَالَةُ فِيهِ ، جَازَتِ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ يَجُوزُ الْجَعْلُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ عَلَى كَثِيرِ السِّلَعِ وَالطَّعَامِ بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ .
فَرْعٌ : فِي الْكِتَابِ تَجُوزُ عَلَى ثِيَابٍ يَشْتَرِيهَا لَهُ نِصْفُهَا لَهُ فَيَلْزَمُهُ مَا يُشْبِهُ تِجَارَتَهُ .
فَرْعٌ : قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْجَعْلُ عَلَى الْآبِقِ جَائِزٌ ، عَلِمَ الْمَجْعُولُ لَهُ مَوْضِعَهُ أَمْ لَا .
فَرْعٌ : فِي الْكِتَابِ : مَا عَصَرْتَ مِنْ زَيْتُونِي فَلَكَ نِصْفُهُ يَمْتَنِعُ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي 12 كَيْفَ يَخْرُجُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّرْكِ إِذَا شَرَعَ ، فَلَيْسَ كَالْحَصَادِ يَتْرُكُهُ مَتَى شَاءَ ، وَيَجُوزُ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْكَيْلِ وَيُعْلَمُ صِفَتُهُ بِالْفَرْكِ لِلسُّنْبُلِ وَتَأَخُّرِ دَرْسِهِ إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ قَرِيبٍ لِلضَّرُورَةِ .
فَرْعٌ : فِي الْكِتَابِ يُكْرَهُ عَلَى الْخُصُومَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إِلَّا بِإِدْرَاكِ الْحَقِّ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ إِنْ فَعَلَ ، وَعَنْ مَالِكٍ الْجَوَازُ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْمَعْرُوفُ الْمَنْعُ إِلَّا فِيمَا قَلَّ حَتَّى إِذَا تُرِكَ قَبْلَ التَّمَامِ لَمْ يَنْتَفِعِ الْجَاعِلُ بِشَيْءٍ ، أَمَّا إِذَا طَالَ وَانْتَفَعَ الْجَاعِلُ بِالْحِجَاجِ فَلَا ، فَإِنْ وَكَّلَ آخَرَ فَأَتَمَّ الْخُصُومَةَ ، هَلْ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ الطَّالِبُ مِنْ عَمَلِهِ خِلَافٌ ؟ وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ الْجَعْلُ عَلَى ثُلُثِ مَا يَقْتَضِي مِنْ ذَلِكَ فَصَالَحَ الْجَاعِلُ الْمَطْلُوبَ عَلَى أَخْذِ الثُّلُثَيْنِ وَتَأْخِيرِ الثُّلُثِ وَأَرَادَ أَخْذَ ثُلُثِ مَا أَخَذَ وَيَكُونُ فِي الْبَاقِي عَلَى شَرْطِهِ جَازَ ، وَإِذَا قَالَ الْأَجِيرُ لَا أُجِيزُ تَأْخِيرَ رَبِّ الْحَقِّ بِالثُّلُثِ حَتَّى آخُذَ ثُلُثَهُ ، لَزِمَ الْغَرِيمَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ رَبُّ الْحَقِّ الدَّيْنَ لَأَسْقَطَ حِصَّةَ الْأَجِيرِ ، قَالَ : وَأَرَى إِذَا كَانَ الْجَعْلُ بَعْدَ خُصُومَةٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي الْخُصُومَةِ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ ، فَإِنْ رَضِيَ الْوَكِيلُ بِالتَّأْخِيرِ ، وَإِلَّا رُدَّ الصُّلْحُ وَكَانَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَ حَتَّى يُثْبِتَ الْحَقَّ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ الْجَوَازُ إِذَا وَصَفَ لَهُ أَصْلَ الْحَقِّ وَكَيْفَ هُوَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مُقَصِّرٌ فِي حُجَجِهِ نَظَرَ السُّلْطَانُ إِنْ وَجَدَهُ كَذَلِكَ فَسَخَ الْعَقْدَ ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَضْرِبْ لِلْخُصُومَةِ أَجَلًا وَتَرَكَ الطَّلَبَ وَأَضَرَّ ذَلِكَ ، وَفِي النَّوَادِرِ إِذَا مَاتَ الْمَجْعُولُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَقَاضَى مِنَ 13 الدَّيْنِ شَيْئًا لَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ ، كَالْعَامِلِ يَمُوتُ قَبْلَ الشَّغْلِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْحَقِّ لَهُ ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِلُّ لَهُمْ مَا تَعَيَّنَ لَهُ ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ، وَإِنْ مَاتَ الْجَاعِلُ فَلَا شَيْءَ لِلْمَجْعُولِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ إِلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ وَرَثَةُ الْجَاعِلِ ; لِانْتِقَالِ الْحَقِّ لَهُمْ ، أَوْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ، فَلِلْمُجَاعَلِ جَعْلُهُ فِي التَّقَاضِي ، وَلَا يُجَاعِلُ عَلَى تَخْلِيصِ الْمِيرَاثِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا . وَلَا عَلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ الشِّقْصِ ، وَلَوْ أَجَزْنَاهُ فِي الدَّيْنِ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يَمْلِكْ ، وَيَجُوزُ مَا قَضَيْتَ مِنَ الدَّيْنِ فَلَكَ رُبُعُهُ إِذَا عَرِفَ الدَّيْنَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُنْفِقُ فِي سَفَرِهِ أَكْثَرَ مِنَ الدَّيْنِ ، وَيَمْتَنِعُ فِي طَعَامٍ مِنْ سَلَمٍ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ .
فَرْعٌ : قَالَ ابْنُ يُونُسَ اسْتَخَفَّ مَالِكٌ أَنْ يُجَاعِلَهُ عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَنْ يَبِيعُ مِنْهُ أَوْ يَشْتَرِي أَوْ يَسْتَأْجِرُ ، وَدَلَالَةُ الرَّجُلِ عَلَى مَنْ يَتَزَوَّجُ أَوِ الْمَرْأَةِ مَمْنُوعٌ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ إِنْ فَعَلَ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا كِرَاءَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْجَعْلُ يَكُونُ ذَلِكَ ، وَجَوَّزَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ لِعُمُومِ الْمَنْفَعَةِ ، وَأَمَّا إِنْ قَالَ : اسْعَ لِي فِي زَوَاجِ بِنْتِ فُلَانٍ أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَفَرٌ ، لِئَلَّا يَضِيعَ تَعَبُهُ ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَبِيبٍ الْجَعْلَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الطَّرِيقِ وَانْتِقَادِ الْمَالِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث