الذخيرة
الذخيرة · الجزء السادس
الْبَحْثُ الثَّانِي : فِي مَوَانِعِهِ وَهِيَ خَمْسَةٌ : الْمَانِعُ الْأَوَّلُ : الْعِمَارَةُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ مَعْمُورٌ وَإِنِ انْدَرَسَتِ الْعِمَارَةُ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عِمَارَةَ إِحْيَاءٍ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : هِيَ كَعِمَارَةِ غَيْرِ الْإِحْيَاءِ لَا تُمْلَكُ بِالِانْدِرَاسِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمُوَطَّأِ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا احْتُفِرَ أَوْ أُخِذَ أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَوَاتَ لُغَةً مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَلَا يَنْتَفِعْ بِهِ ، وَمَنْطُوقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ الْمِلْكِ عَلَى الْإِحْيَاءِ فِي الْمَيِّتِ ، وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَرَتُّبِهُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، وَقِيَاسًا لِلْإِحْيَاءِ عَلَى الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَسَائِرِ أَسْبَابِ التَّمَلُّكِ ، وَقِيَاسًا عَلَى تَمَلُّكِ لُقَطَةٍ ثُمَّ ضَاعَتْ مِنْهُ ، فَإِنَّ عَوْدَهَا عَلَى حَالِ الِالْتِقَاطِ لَا يُبْطِلُ مِلْكَ الْمُتَمَلِّكِ ، وَوَافَقَ ( ش ) سَحْنُونٌ ، وَقَالَ لَا يَسْقُطُ الْمِلْكُ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ بِعَوْدِهِ مَوَاتًا ، إِلَّا إِنْ جَهِلَ الْمُحْيِي بِالْكُلِّيَّةِ كَخَرَابِ عَادٍ وَثَمُودَ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَعْنَاهُ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ الْمِلْكِ عَلَى الْإِحْيَاءِ ، وَهَذَا الثَّانِي قَدْ أَحْيَا فَيَكُونُ الْمِلْكُ لَهُ ، وَعَنِ الثَّانِي الْفَرْقُ بِأَنَّ الْإِحْيَاءَ سَبَبٌ فِعْلِيٌّ تُمَلَّكُ بِهِ الْمُبَاحَاتُ مِنَ الْأَرْضِ ، وَأَسْبَابُ تَمَلُّكِ الْمُبَاحِ الْفِعْلِيَّةِ تَبْطُلُ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ الْفِعْلِ ، كَالصَّيْدِ إِذَا تَوَحَّشَ بَعْدَ اصْطِيَادِهِ ، وَالسَّمَكِ إِذَا انْفَلَتَ فِي النَّهْرِ ، وَمَائِهِ إِذَا حِيزَ 150 ثُمَّ اخْتَلَطَ بِالنَّهْرِ ، وَالطَّيْرِ الْبَرِّيِّ ، وَالنَّحْلِ إِذَا تَوَحَّشَ وَذَهَبَ وَطَالَ زَمَانُهُ ، وَأَسْبَابُ الْمِلْكِ الْقَوْلِيَّةِ لَا يَبْطُلُ الْمِلْكُ بِبُطْلَانِهَا ; لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُرَدُّ عَلَى مَمْلُوكٍ غَالِبًا ، فَلَهَا أَصْلُ الْمِلْكِ قَبْلَهَا قَوَّى إِفَادَتَهَا لِلْمِلْكِ ، وَأَمَّا الْإِقْطَاعُ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا قَوْلِيًّا فَهُوَ حُكْمٌ مِنَ الْإِمَامِ ، وَأَحْكَامُ الْأَئِمَّةِ تُصَانُ عَنِ النَّقْضِ ، وَعَنِ الثَّالِثِ إِنْ تَمَلَّكَ الْمُلْتَقَطَ وَرَدَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيهِ الْمِلْكُ وَتَقَرَّرَ ، فَكَانَ تَأْثِيرُ السَّبَبِ فِيهِ أَقْوَى مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ السَّبَبُ عَلَى مِلْكٍ ، وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ إِذَا رَفَعَ مِلْكَ الْغَيْرِ كَالْبَيْعِ ، وَتَمَلُّكِ اللُّقَطَةِ كَانَ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ ، وَأَمَّا الْفِعْلُ بِمُجَرَّدِهِ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ رَفْعِ الْمِلْكِ الْمُعْتَبَرِ ، بَلْ يَبْطُلُ ذَلِكَ الْفِعْلُ ، كَمَنْ بَنَى فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلِذَلِكَ ذَهَبَ أَثَرُهُ بِذَهَابِهِ ، وَهَذَا فِقْهٌ حَسَنٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَلْيُتَأَمَّلْ ، وَمَذْهَبُ ( ش ) فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَقْوَى وَأَظْهَرُ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إِنْ أَحْيَا الثَّانِي بِحِدْثَانِ خَرَابٍ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ ، وَيُعْطَى قِيمَةَ عِمَارَتِهِ قَائِمًا إِنْ عَمَّرَهَا بِجَهْلٍ ، وَمَنْقُوضًا إِنْ عَمَّرَ عَالِمًا بِالْأَوَّلِ ، وَإِنْ عَمَّرَ بَعْدَ الطُّولِ الَّذِي يُعَدُّ كَالْإِعْرَاضِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ . قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِيمَنْ أَحْيَاهُ بَعْدَ غَيْرِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَحَقُّ ، وَالثَّانِي أَحَقُّ ، الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ أَحْيَا ، فَالثَّانِي أَحَقُّ ، أَوِ اخْتَطَّ أَوِ اشْتَرَى فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ ، وَفِي الصَّيْدِ إِذَا صِيدَ بَعْدَ انْفِلَاتِهِ أَقْوَالٌ ، ثَالِثُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ صَادَهُ فَالثَّانِي أَحَقُّ ، أَوِ ابْتَاعَهُ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ .
فَرْعٌ : فِي النَّوَادِرِ قَالَ مَالِكٌ فِي خَرَابٍ عَنِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِنَحْوِ الْمِيلَيْنِ لَا يُعْرَفُ لَهُ 151 أَهْلٌ صَارَ أَكْوَامًا لَا يُحْيِيهِ أَحَدٌ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا بِقَطِيعَةٍ مِنَ السُّلْطَانِ لِتَقَدُّمِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُ مِلْكٌ لَا يُخْشَى هَلَاكُهُ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ . وَقَالَ سَحْنُونٌ : إِذَا صَارَتِ الْأَمْلَاكُ الْعَامِرَةُ شِعَارَى وَطَالَ زَمَانُهَا نَظَرَ فِيهَا السُّلْطَانُ ، وَقَالَ ( ح ) إِذَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ وَبَادُوا مَلَكَ بِالْإِحْيَاءِ ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ قِيَاسًا عَلَى اللُّقَطَةِ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ رَبُّهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ .
الْمَانِعُ الثَّانِي : حَرِيمُ الْعِمَارَةِ فَيَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُ الْعِمَارَةِ وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . وَفِي الْكِتَابِ لَيْسَ لِبِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَلَا لِلزَّرْعِ وَلَا لِلْعُيُونِ حَرِيمٌ مَحْدُودٌ إِلَّا مَا أَضَرَّ وَقَالَهُ ( ش ) . فَبِئْرٌ فِي أَرْضٍ رَخْوَةٍ وَبِئْرٌ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ أَوْ فِي صَفَاءٍ ، وَلِأَهْلِ الْبِئْرِ مَنْعُ مَنْ يَبْنِي أَوْ يَحْفِرُ فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ ، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ بِهِمُ الْحَفْرُ لِصَلَابَةِ الْأَرْضِ لِمَنْعٍ لِتَعَذُّرِ مُنَاخِ الْإِبِلِ وَمَرَابِضِ الْمَوَاشِي عِنْدَ الْوُرُودِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لِبِئْرِ الْعَادِيَةِ مِنَ الْحَرِيمِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا ، وَبِئْرِ الْبَادِيَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَبِئْرِ الزَّرْعِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَلِلْعُيُونِ خَمْسُمِائَةٍ . قَالَ أَشْهَبُ : هَذِهِ حُكُومَةٌ تَبْتَدِئُ كَحُكُومَةِ الصَّيْدِ بِقَدْرِ الضَّرَرِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : لِلْأَوَّلِ مَنْعُ مَا يُنْقِصُ الْمَاءَ وَيَمْنَعُ الْمَرْعَى ، وَحَفْرُ الثَّانِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : إِنْ كَانَتِ الْأَرْضَانِ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ وَالْمَاءُ الْأَوَّلُ لِلْمَاشِيَةِ ، أَوِ الْأُولَى مَمْلُوكَةً مُنِعَ الثَّانِي مِنَ الْحَفْرِ حَيْثُ أَضَرَّ بِالْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَتَا مَمْلُوكَتَيْنِ وَعَلِمَ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَحَقُّ - وَإِنْ كَانَ حَفْرُهُ أَخِيرًا ; لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ ظَاهِرَ 152 الْأَرْضِ مَلَكَ بَاطِنَهَا وَلَيْسَ تَأَخُّرُ حَفْرِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ يَقْطَعُ حَقَّهُ إِلَّا أَنْ يَغْرِسَ الثَّانِي فَيَتْرَكَهُ عَالِمًا بِمَضَرَّتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، فَلَيْسَ لَهُ الْحَفْرُ لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ ، وَاخْتُلِفَ إِذَا جَهِلَ السَّابِقُ : فَعَنْ مَالِكٍ لِلْحَافِرِ الْأَوَّلِ الْمَنْعُ ; لِأَنَّ الْمَاءَ فِي يَدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَطَّ أَوَّلًا أَوْ أَبَاهُ أَوْ بَائِعَهُ ، فَلَا يُنْزَعُ بِالشَّكِّ ، وَعَنْهُ لَا يُمْنَعُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلثَّانِي مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْحَفْرِ هُنَاكَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْحَوْزِ ، وَإِلَّا مَنَعَ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ ، قَالَ : وَأَرَى إِنْ كَانَ الْمَاءُ إِنَّمَا يَأْتِي مَنْ أَرْضِ الْأَوَّلِ قُدِّمَ ، أَوْ مِنْ أَرْضِ الثَّانِي لَمْ يَمْنَعْ ; لِأَنَّهُ مَاؤُهُ ، وَكَانَ يَصِلُ الْأَوَّلُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ ، فَلَهُ أَخْذُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَلَوْ أَحْدَثَ بِئْرًا لِلنَّجَاسَاتِ فَأَضَرَّ بِئْرَ جَارِهِ رَدَفَتَا عَلَيْهِ اتِّفَاقًا ; لِأَنَّ بُلُوغَ النَّجَاسَةِ كَبُلُوغِ الدُّخَانِ وَغَيْرِهِ ، وَيَتْرُكُ لِبِئْرِ الزَّرْعِ مَا يَظُنُّ أَنَّ بِئْرَ الْأَوَّلِ يَسْقِيهِ ، فَإِنْ كَانَ يَعْجِزُ عَنْهُ تَرَكَ لَهُ مَا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ قَطَعَ تِلْكَ الْغِيَاضَ تَرَكَ ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ مَا يَسْقِيهِ تِلْكَ الْعَيْنُ صَوْنًا لِتَعَبِهِ عَنِ الضَّيَاعِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى عِمَارَةِ مَا يَسْقِيهِ بِذَلِكَ الْمَاءِ . تَرَكَ غَيْرَ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ ، هَذَا كُلُّهُ أَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي نَفْيِ الضَّرَرِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ نَظَرًا لِلْمَعْنَى ، وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : حَرِيمُ الْعَادِيَّةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا ، وَالْبِئْرُ الَّتِي بِيَدِ صَاحِبِهَا خَمْسُونَ ، وَبِئْرُ الزَّرْعِ خَمْسُمِائَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : حَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا ، وَالَّتِي ابْتُدِئَ عَمَلُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَإِنْ قَطَعَ غِيَاضًا لَا يَسْتَطِيعُ حَرْثَهُ وَلَا عِمَارَتَهُ تُرِكَ لَهُ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَهُ بَيْعُهُ ، وَحَرِيمُ الشَّجَرِ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهَا وَنَفْيُ ضَرَرِهَا ، وَقَدْ قِيلَ : اثْنَا عَشَرَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ الْآخِرَةُ مِثْلَ الْأُولَى تُرِكَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ الْعِشْرِينَ ذِرَاعًا لِتَبْعُدَ الْعُرُوقُ فَلَا 153 يَزْدَحِمَانِ فِي السَّقْيِ ، فَإِنْ خُولِفَ ذَلِكَ وَأُشْرِكَتِ الْعُرُوقُ أَوِ الْفُرُوعُ قُطِعَ مَا وَصَلَ لِلْأَوَّلِ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ وَظَاهِرِهَا ، وَلَوْ بِيعَتْ نَخْلَةٌ وَاشْتَرَطَ حُقُوقَهَا وَفِنَاءَهَا تَرَكَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا ، وَإِذَا أَحْيَيْتَ لِلسُّكْنَى وَأَرَادَ الثَّانِي الْإِحْيَاءَ لِلسُّكْنَى فَلَكَ إِبْعَادُهُ عَنْكَ لِئَلَّا يَكْشِفَكَ ، وَقَدْ قَضَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ بِمِائَةِ ذِرَاعٍ حَيْثُ لَا تَبِينُ امْرَأَتُهُ وَلَا يُسْمَعُ كَلَامُهُ ، قَالَ : وَأَرَى أَنْ يَبْعُدَ أَكْثَرَ مِنَ الْمِائَةِ وَلَا يُضَيَّقَ عَلَى النِّسَاءِ فِي تَصَرُّفِهِنَّ .
فَرْعٌ : فِي الْجَوَاهِرِ حَرِيمُ الدَّارِ الْمَحْفُوفَةِ بِالْمَوَاتِ مَرَافِقُهَا الْعَادِيَّةُ كَطَرْحِ التُّرَابِ وَمَصَبِّ الْمِيزَابِ وَمَوْضِعِ الِاسْتِطْرَاقِ مِنْهَا وَإِلَيْهَا .
الْمَانِعُ الثَّالِثُ : الْإِقْطَاعُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : إِذَا قَطَعَ الْإِمَامُ أَرْضًا لِأَحَدٍ كَانَتْ مِلْكًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يُعَمِّرْهَا وَلَا عَمَلَ فِيهَا شَيْئًا يَبِيعُ وَيَهَبُ وَيُورَثُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ قَالَهُ : ابْنُ الْقَاسِمِ سَوَاءً فِي الْفَيَافِي أَوِ الْقَرْيَةِ وَلَا يُطَالِبُهُ الْإِمَامُ بِعِمَارَتِهَا ، بِخِلَافِ الْإِحْيَاءِ وَقَالَهُ ( ش ) قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِنْ أَقْطَعَهُ أَرْضًا عَلَى عِمَارَتِهَا ، فَلَهُ الْهِبَةُ وَالْبَيْعُ وَالصَّدَقَةُ مَا لَمْ يَنْظُرْ فِي عَجْزِهِ فَيَقْطَعْهَا لِغَيْرِهِ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِقْطَاعَ لَا يَشْتَرِطُ الْعِمَارَةَ يُوجِبُ تَرْكَهَا لَهُ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهَا ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ مِنَ الْعَقِيقِ مَا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ فَلَمْ يَعْمَلْهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنْ قَوِيتَ عَلَى عَمَلِهِ فَاعْمَلْهُ وَإِلَّا أَقْطَعْتَهُ لِلنَّاسِ ، فَقَالَ لَهُ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَقْطَعَنِي إِيَّاهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَيْكَ فِيهِ شَرْطًا ، فَأَقْطَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلنَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ بِلَالٌ عَمِلَ شَيْئًا ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : إِذَا أَقْطَعَ أَرْضًا فَأَعْرَضَ عَنْهَا فَبَنَاهَا 154 غَيْرُهُ فَهِيَ لِلثَّانِي ، وَلَيْسَ لِلْعُمَّالِ إِقْطَاعٌ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ كَالْإِعْطَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَإِنْ أَقْطَعَهُ مَوَاتًا طَالَبَهُ بِالْإِحْيَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ أَقْطَعَهُ غَيْرَهُ ; إِذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْجُرَ الْأَرْضَ عَنْ نَفْعِهِ وَنَفْعِ غَيْرِهِ ، وَهَذَا خِلَافُ النَّقْلِ الْمُتَقَدِّمِ ، قَالَ : فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ عَجْزِهِ قَبْلَ نَظَرِ الْإِمَامِ نُفِّذَتِ الصَّدَقَةُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَلَّا تَتَعَطَّلَ الْأَرْضُ مِنَ النَّفْعِ ، وَالْمُبْتَاعُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَحُلُّ الْبَائِعَ وَالْوَاهِبَ ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَقْطَعُ الْإِمَامُ مِنْ مَعْمُورِ الْأَرْضِ الْعَنْوَةَ ; لِأَنَّهَا وَقْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنَّمَا الْإِقْطَاعُ فِي أَرْضِ الْمَوَاتِ وَبَيْنَ الْخِطَطِ كَأَبْنِيَةِ الْفُسْطَاطِ ، قَالَ : وَقَالَ اللَّخْمِيُّ : إِقْطَاعُهَا جَائِزٌ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، قَالَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ : قَالَ سَحْنُونٌ : لَا يَكُونُ الْإِقْطَاعُ فِي أَرَاضِي مِصْرَ وَلَا الْعِرَاقِ ; لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَفَهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَأَرَاضِي الصُّلْحِ لِأَهْلِهَا الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى أَرْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ غَلَّةٍ وَلَا صُلْحٍ يَبْقُونَ فِيهَا عَلَى حَالَةِ إِسْلَامِهِمْ عَلَيْهَا بِمَا هُوَ مَعْمُورٌ مَحْدُودٌ فَمِلْكٌ لِرَبِّهِ وَأَمَّا جِبَالُهُمْ وَأَوْدِيَتُهُمْ وَمَرَاعِيهِمْ فَتَتَقَسَّمُ عَلَى الْمَوَارِيثِ وَلَا تُمَلَّكُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ ، وَأَمَّا أَرَاضِي الْعَرَبِ فَمَا لَمْ يُعْرَفْ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَائِهِمْ فَلِمَنْ أَحْيَاهُ ، وَمَا عُرِفَ بِأَحْيَائِهِمْ مِنْ بُطُونِ أَوْدِيَتِهِمْ وَمَرَاعِيهِمْ وَحَازُوهَا بِالسُّكْنَى مِنْ غَيْرِ زَرْعٍ وَلَا غَرْسٍ بَلْ هِيَ مَرَاعِي وَعَفَاءٌ ، فَهِيَ لَا تُمْلَكُ مِلْكَ الْمَوَارِيثِ بَلْ مِلْكَ الِانْتِفَاعِ ، وَفِيهَا كَانَتِ الْأَئِمَّةُ تَحْمِي وَتُقْطِعُ ، وَمَا لَمْ يُحَزْ بِعِمَارَةٍ مِنْ أَرْضِ الصُّلْحِ فَهُوَ لِمَنْ أَحْيَاهُ ، وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْعَنْوَةِ ، وَأَصْلُ الْإِقْطَاعَاتِ مَا تَقَدَّمَ ، وَأَقْطَعَ الزُّبَيْرُ مَسِيرَةَ عَدْوِ فَرَسِهِ وَأَقْطَعَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ .
الْمَانِعُ الرَّابِعُ : التَّحْجِيرُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ فِيهِ خِلَافٌ . قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا يَحْجُرُ مَا يَضْعُفُ عَنْهُ ، فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ لِمَنْ حَجَرَ قُوَّةً عَلَى الْعِمَارَةِ لِلَّذِي حَجَرَ إِلَى عَامَيْنِ أَوْ 155 ثَلَاثَةٍ خَلَّاهُ ، وَإِلَّا قَطَعَهُ لِغَيْرِهِ ، وَاسْتَحْسَنَهُ أَشْهَبُ ; لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَعَنْ أَشْهَبَ : لَا يَكُونُ أَوْلَى لِأَجْلِ التَّحْجِيرِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ حَجَرَهُ لِيَعْمَلَهُ إِلَى أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ لَا لِيَقْطَعَهُ عَنِ النَّاسِ وَيَعْمَلَهُ يَوْمًا مَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الْعِمَارَةَ بَعْدَ زَوَالِ مَانِعٍ مِنْ يُبْسِ الْأَرْضِ ، أَوْ لَهُ عَمَلٌ عَلَى الْأَجْرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ فَهُوَ أَحَقُّ ، فَإِنْ حَجَرَ مَا لَا يَقْوَى عَلَى عَمَلِهِ ، سَوَّغَ لِلنَّاسِ مَا لَمْ يَعْمَلْ إِذَا لَمْ يَقْوَ عَلَى الْبَاقِي ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَعْرِفُ مَالِكُ التَّحْجِيرِ إِحْيَاءً وَلَا مَا قِيلَ مِنْ حَجَرَ أَرْضًا تَرَكَ ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَإِنْ أَحْيَاهَا وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا ، وَقَالَ ( ش ) التَّحْجِيرُ بِالْحَائِطِ وَالشَّرَابِ وَنَحْوِهِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِحْيَاءَ يُصَيِّرُهُ أَحَقَّ بِهِ مَنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ تَمَّمَ الْإِحْيَاءَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُبَاحَةَ لَا تُمْلَكُ إِلَّا بِالْأَسْبَابِ الْمُمَلِّكَةِ لَهَا وَمَا دُونُ ذَلِكَ مِنَ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى إِرَادَةِ تَحْصِيلِ السَّبَبِ لَا يَمْنَعُ الْغَيْرَ مِنْ تَحْصِيلِهِ ، كَنَصْبِ الشِّبَاكِ لِلْأَسْمَاكِ وَالطَّيْرِ وَنَحْوِهِمَا لَا يَصِيرُ صَاحِبُهَا أَوْلَى ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَبَقَ بِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ ، وَإِلَّا انْتَقَضَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ .
فَرْعٌ : قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ أَشْهَبُ : إِذَا حَجَرَ وَشَرَعَ غَيْرُهُ فِي الْإِحْيَاءِ فَقَامَ الْمُحْجِرُ فَهُمَا شَرِيكَانِ .
الْمَانِعُ الْخَامِسُ : الْحِمَى ، وَفِي الْجَوَاهِرِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَهُوَ قَدْرُ مِيلٍ فِي ثَمَانِيَةٍ ، ثُمَّ زَادَ الْوُلَاةُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَمَى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الرَّبْوَةَ لِمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَمْسَةَ أَمْيَالٍ فِي مِثْلِهَا ، وَحَمَى ذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحَمَى أَيْضًا الشَّرَفَ وَهُوَ حِمَى الرَّبَذَةِ . وَلِلْإِمَامِ أَنْ 156 يَحْمِيَ إِذَا احْتَاجَ لِلْحِمَى ، قَالَ سَحْنُونٌ : وَلَا حَمِيَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي بِلَادِ الْأَعْرَابِ الْعَفَاءِ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا فِي أَطْرَافِهَا حَيْثُ لَا تَضِيقُ عَلَى سَاكِنٍ ، وَكَذَلِكَ الْأَوْدِيَةُ الْعَفَاءُ ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ الْقَطَائِعُ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ مَوَاتُ أَرْضِ الصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ إِذَا لَمْ تُحَزْ وَلَا جَرَى فِيهِ مِلْكٌ .
فَائِدَةٌ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّقِيعُ بِالنُّونِ ، وَصَحَّفَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحْدَثِينَ بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالنُّونِ ، وَالَّذِي بِالْبَاءِ بِالْمَدِينَةِ : مَوْضِعُ الْقُبُورِ ، وَمَعْنَاهُ بِالنُّونِ بَطْنٌ مِنَ الْأَرْضِ يُنْتَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ ، فَإِذَا نَضَبَ أَنْبَتَ الْكَلَأَ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدٍ : جَمَعَ أَسْعَدُ الْجُمُعَةَ فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ : نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ .
فَرْعٌ : فِي النَّوَادِرِ قَالَ مَالِكٌ فِي خَرَابٍ عَنِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِنَحْوِ الْمِيلَيْنِ لَا يُعْرَفُ لَهُ 151 أَهْلٌ صَارَ أَكْوَامًا لَا يُحْيِيهِ أَحَدٌ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا بِقَطِيعَةٍ مِنَ السُّلْطَانِ لِتَقَدُّمِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُ مِلْكٌ لَا يُخْشَى هَلَاكُهُ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ . وَقَالَ سَحْنُونٌ : إِذَا صَارَتِ الْأَمْلَاكُ الْعَامِرَةُ شِعَارَى وَطَالَ زَمَانُهَا نَظَرَ فِيهَا السُّلْطَانُ ، وَقَالَ ( ح ) إِذَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ وَبَادُوا مَلَكَ بِالْإِحْيَاءِ ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ قِيَاسًا عَلَى اللُّقَطَةِ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ رَبُّهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ .
الْمَانِعُ الثَّانِي : حَرِيمُ الْعِمَارَةِ فَيَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُ الْعِمَارَةِ وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . وَفِي الْكِتَابِ لَيْسَ لِبِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَلَا لِلزَّرْعِ وَلَا لِلْعُيُونِ حَرِيمٌ مَحْدُودٌ إِلَّا مَا أَضَرَّ وَقَالَهُ ( ش ) . فَبِئْرٌ فِي أَرْضٍ رَخْوَةٍ وَبِئْرٌ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ أَوْ فِي صَفَاءٍ ، وَلِأَهْلِ الْبِئْرِ مَنْعُ مَنْ يَبْنِي أَوْ يَحْفِرُ فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ ، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ بِهِمُ الْحَفْرُ لِصَلَابَةِ الْأَرْضِ لِمَنْعٍ لِتَعَذُّرِ مُنَاخِ الْإِبِلِ وَمَرَابِضِ الْمَوَاشِي عِنْدَ الْوُرُودِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لِبِئْرِ الْعَادِيَةِ مِنَ الْحَرِيمِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا ، وَبِئْرِ الْبَادِيَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَبِئْرِ الزَّرْعِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَلِلْعُيُونِ خَمْسُمِائَةٍ . قَالَ أَشْهَبُ : هَذِهِ حُكُومَةٌ تَبْتَدِئُ كَحُكُومَةِ الصَّيْدِ بِقَدْرِ الضَّرَرِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : لِلْأَوَّلِ مَنْعُ مَا يُنْقِصُ الْمَاءَ وَيَمْنَعُ الْمَرْعَى ، وَحَفْرُ الثَّانِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : إِنْ كَانَتِ الْأَرْضَانِ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ وَالْمَاءُ الْأَوَّلُ لِلْمَاشِيَةِ ، أَوِ الْأُولَى مَمْلُوكَةً مُنِعَ الثَّانِي مِنَ الْحَفْرِ حَيْثُ أَضَرَّ بِالْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَتَا مَمْلُوكَتَيْنِ وَعَلِمَ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَحَقُّ - وَإِنْ كَانَ حَفْرُهُ أَخِيرًا ; لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ ظَاهِرَ 152 الْأَرْضِ مَلَكَ بَاطِنَهَا وَلَيْسَ تَأَخُّرُ حَفْرِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ يَقْطَعُ حَقَّهُ إِلَّا أَنْ يَغْرِسَ الثَّانِي فَيَتْرَكَهُ عَالِمًا بِمَضَرَّتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، فَلَيْسَ لَهُ الْحَفْرُ لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ ، وَاخْتُلِفَ إِذَا جَهِلَ السَّابِقُ : فَعَنْ مَالِكٍ لِلْحَافِرِ الْأَوَّلِ الْمَنْعُ ; لِأَنَّ الْمَاءَ فِي يَدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَطَّ أَوَّلًا أَوْ أَبَاهُ أَوْ بَائِعَهُ ، فَلَا يُنْزَعُ بِالشَّكِّ ، وَعَنْهُ لَا يُمْنَعُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلثَّانِي مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْحَفْرِ هُنَاكَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْحَوْزِ ، وَإِلَّا مَنَعَ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ ، قَالَ : وَأَرَى إِنْ كَانَ الْمَاءُ إِنَّمَا يَأْتِي مَنْ أَرْضِ الْأَوَّلِ قُدِّمَ ، أَوْ مِنْ أَرْضِ الثَّانِي لَمْ يَمْنَعْ ; لِأَنَّهُ مَاؤُهُ ، وَكَانَ يَصِلُ الْأَوَّلُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ ، فَلَهُ أَخْذُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَلَوْ أَحْدَثَ بِئْرًا لِلنَّجَاسَاتِ فَأَضَرَّ بِئْرَ جَارِهِ رَدَفَتَا عَلَيْهِ اتِّفَاقًا ; لِأَنَّ بُلُوغَ النَّجَاسَةِ كَبُلُوغِ الدُّخَانِ وَغَيْرِهِ ، وَيَتْرُكُ لِبِئْرِ الزَّرْعِ مَا يَظُنُّ أَنَّ بِئْرَ الْأَوَّلِ يَسْقِيهِ ، فَإِنْ كَانَ يَعْجِزُ عَنْهُ تَرَكَ لَهُ مَا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ قَطَعَ تِلْكَ الْغِيَاضَ تَرَكَ ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ مَا يَسْقِيهِ تِلْكَ الْعَيْنُ صَوْنًا لِتَعَبِهِ عَنِ الضَّيَاعِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى عِمَارَةِ مَا يَسْقِيهِ بِذَلِكَ الْمَاءِ . تَرَكَ غَيْرَ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ ، هَذَا كُلُّهُ أَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي نَفْيِ الضَّرَرِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ نَظَرًا لِلْمَعْنَى ، وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : حَرِيمُ الْعَادِيَّةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا ، وَالْبِئْرُ الَّتِي بِيَدِ صَاحِبِهَا خَمْسُونَ ، وَبِئْرُ الزَّرْعِ خَمْسُمِائَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : حَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا ، وَالَّتِي ابْتُدِئَ عَمَلُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَإِنْ قَطَعَ غِيَاضًا لَا يَسْتَطِيعُ حَرْثَهُ وَلَا عِمَارَتَهُ تُرِكَ لَهُ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَهُ بَيْعُهُ ، وَحَرِيمُ الشَّجَرِ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهَا وَنَفْيُ ضَرَرِهَا ، وَقَدْ قِيلَ : اثْنَا عَشَرَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ الْآخِرَةُ مِثْلَ الْأُولَى تُرِكَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ الْعِشْرِينَ ذِرَاعًا لِتَبْعُدَ الْعُرُوقُ فَلَا 153 يَزْدَحِمَانِ فِي السَّقْيِ ، فَإِنْ خُولِفَ ذَلِكَ وَأُشْرِكَتِ الْعُرُوقُ أَوِ الْفُرُوعُ قُطِعَ مَا وَصَلَ لِلْأَوَّلِ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ وَظَاهِرِهَا ، وَلَوْ بِيعَتْ نَخْلَةٌ وَاشْتَرَطَ حُقُوقَهَا وَفِنَاءَهَا تَرَكَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا ، وَإِذَا أَحْيَيْتَ لِلسُّكْنَى وَأَرَادَ الثَّانِي الْإِحْيَاءَ لِلسُّكْنَى فَلَكَ إِبْعَادُهُ عَنْكَ لِئَلَّا يَكْشِفَكَ ، وَقَدْ قَضَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ بِمِائَةِ ذِرَاعٍ حَيْثُ لَا تَبِينُ امْرَأَتُهُ وَلَا يُسْمَعُ كَلَامُهُ ، قَالَ : وَأَرَى أَنْ يَبْعُدَ أَكْثَرَ مِنَ الْمِائَةِ وَلَا يُضَيَّقَ عَلَى النِّسَاءِ فِي تَصَرُّفِهِنَّ .
فَرْعٌ : فِي الْجَوَاهِرِ حَرِيمُ الدَّارِ الْمَحْفُوفَةِ بِالْمَوَاتِ مَرَافِقُهَا الْعَادِيَّةُ كَطَرْحِ التُّرَابِ وَمَصَبِّ الْمِيزَابِ وَمَوْضِعِ الِاسْتِطْرَاقِ مِنْهَا وَإِلَيْهَا .
الْمَانِعُ الثَّالِثُ : الْإِقْطَاعُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : إِذَا قَطَعَ الْإِمَامُ أَرْضًا لِأَحَدٍ كَانَتْ مِلْكًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يُعَمِّرْهَا وَلَا عَمَلَ فِيهَا شَيْئًا يَبِيعُ وَيَهَبُ وَيُورَثُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ قَالَهُ : ابْنُ الْقَاسِمِ سَوَاءً فِي الْفَيَافِي أَوِ الْقَرْيَةِ وَلَا يُطَالِبُهُ الْإِمَامُ بِعِمَارَتِهَا ، بِخِلَافِ الْإِحْيَاءِ وَقَالَهُ ( ش ) قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِنْ أَقْطَعَهُ أَرْضًا عَلَى عِمَارَتِهَا ، فَلَهُ الْهِبَةُ وَالْبَيْعُ وَالصَّدَقَةُ مَا لَمْ يَنْظُرْ فِي عَجْزِهِ فَيَقْطَعْهَا لِغَيْرِهِ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِقْطَاعَ لَا يَشْتَرِطُ الْعِمَارَةَ يُوجِبُ تَرْكَهَا لَهُ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهَا ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ مِنَ الْعَقِيقِ مَا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ فَلَمْ يَعْمَلْهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنْ قَوِيتَ عَلَى عَمَلِهِ فَاعْمَلْهُ وَإِلَّا أَقْطَعْتَهُ لِلنَّاسِ ، فَقَالَ لَهُ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَقْطَعَنِي إِيَّاهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَيْكَ فِيهِ شَرْطًا ، فَأَقْطَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلنَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ بِلَالٌ عَمِلَ شَيْئًا ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : إِذَا أَقْطَعَ أَرْضًا فَأَعْرَضَ عَنْهَا فَبَنَاهَا 154 غَيْرُهُ فَهِيَ لِلثَّانِي ، وَلَيْسَ لِلْعُمَّالِ إِقْطَاعٌ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ كَالْإِعْطَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَإِنْ أَقْطَعَهُ مَوَاتًا طَالَبَهُ بِالْإِحْيَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ أَقْطَعَهُ غَيْرَهُ ; إِذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْجُرَ الْأَرْضَ عَنْ نَفْعِهِ وَنَفْعِ غَيْرِهِ ، وَهَذَا خِلَافُ النَّقْلِ الْمُتَقَدِّمِ ، قَالَ : فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ عَجْزِهِ قَبْلَ نَظَرِ الْإِمَامِ نُفِّذَتِ الصَّدَقَةُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَلَّا تَتَعَطَّلَ الْأَرْضُ مِنَ النَّفْعِ ، وَالْمُبْتَاعُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَحُلُّ الْبَائِعَ وَالْوَاهِبَ ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَقْطَعُ الْإِمَامُ مِنْ مَعْمُورِ الْأَرْضِ الْعَنْوَةَ ; لِأَنَّهَا وَقْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنَّمَا الْإِقْطَاعُ فِي أَرْضِ الْمَوَاتِ وَبَيْنَ الْخِطَطِ كَأَبْنِيَةِ الْفُسْطَاطِ ، قَالَ : وَقَالَ اللَّخْمِيُّ : إِقْطَاعُهَا جَائِزٌ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، قَالَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ : قَالَ سَحْنُونٌ : لَا يَكُونُ الْإِقْطَاعُ فِي أَرَاضِي مِصْرَ وَلَا الْعِرَاقِ ; لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَفَهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَأَرَاضِي الصُّلْحِ لِأَهْلِهَا الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى أَرْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ غَلَّةٍ وَلَا صُلْحٍ يَبْقُونَ فِيهَا عَلَى حَالَةِ إِسْلَامِهِمْ عَلَيْهَا بِمَا هُوَ مَعْمُورٌ مَحْدُودٌ فَمِلْكٌ لِرَبِّهِ وَأَمَّا جِبَالُهُمْ وَأَوْدِيَتُهُمْ وَمَرَاعِيهِمْ فَتَتَقَسَّمُ عَلَى الْمَوَارِيثِ وَلَا تُمَلَّكُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ ، وَأَمَّا أَرَاضِي الْعَرَبِ فَمَا لَمْ يُعْرَفْ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَائِهِمْ فَلِمَنْ أَحْيَاهُ ، وَمَا عُرِفَ بِأَحْيَائِهِمْ مِنْ بُطُونِ أَوْدِيَتِهِمْ وَمَرَاعِيهِمْ وَحَازُوهَا بِالسُّكْنَى مِنْ غَيْرِ زَرْعٍ وَلَا غَرْسٍ بَلْ هِيَ مَرَاعِي وَعَفَاءٌ ، فَهِيَ لَا تُمْلَكُ مِلْكَ الْمَوَارِيثِ بَلْ مِلْكَ الِانْتِفَاعِ ، وَفِيهَا كَانَتِ الْأَئِمَّةُ تَحْمِي وَتُقْطِعُ ، وَمَا لَمْ يُحَزْ بِعِمَارَةٍ مِنْ أَرْضِ الصُّلْحِ فَهُوَ لِمَنْ أَحْيَاهُ ، وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْعَنْوَةِ ، وَأَصْلُ الْإِقْطَاعَاتِ مَا تَقَدَّمَ ، وَأَقْطَعَ الزُّبَيْرُ مَسِيرَةَ عَدْوِ فَرَسِهِ وَأَقْطَعَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ .
الْمَانِعُ الرَّابِعُ : التَّحْجِيرُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ فِيهِ خِلَافٌ . قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا يَحْجُرُ مَا يَضْعُفُ عَنْهُ ، فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ لِمَنْ حَجَرَ قُوَّةً عَلَى الْعِمَارَةِ لِلَّذِي حَجَرَ إِلَى عَامَيْنِ أَوْ 155 ثَلَاثَةٍ خَلَّاهُ ، وَإِلَّا قَطَعَهُ لِغَيْرِهِ ، وَاسْتَحْسَنَهُ أَشْهَبُ ; لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَعَنْ أَشْهَبَ : لَا يَكُونُ أَوْلَى لِأَجْلِ التَّحْجِيرِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ حَجَرَهُ لِيَعْمَلَهُ إِلَى أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ لَا لِيَقْطَعَهُ عَنِ النَّاسِ وَيَعْمَلَهُ يَوْمًا مَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الْعِمَارَةَ بَعْدَ زَوَالِ مَانِعٍ مِنْ يُبْسِ الْأَرْضِ ، أَوْ لَهُ عَمَلٌ عَلَى الْأَجْرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ فَهُوَ أَحَقُّ ، فَإِنْ حَجَرَ مَا لَا يَقْوَى عَلَى عَمَلِهِ ، سَوَّغَ لِلنَّاسِ مَا لَمْ يَعْمَلْ إِذَا لَمْ يَقْوَ عَلَى الْبَاقِي ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَعْرِفُ مَالِكُ التَّحْجِيرِ إِحْيَاءً وَلَا مَا قِيلَ مِنْ حَجَرَ أَرْضًا تَرَكَ ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَإِنْ أَحْيَاهَا وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا ، وَقَالَ ( ش ) التَّحْجِيرُ بِالْحَائِطِ وَالشَّرَابِ وَنَحْوِهِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِحْيَاءَ يُصَيِّرُهُ أَحَقَّ بِهِ مَنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ تَمَّمَ الْإِحْيَاءَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُبَاحَةَ لَا تُمْلَكُ إِلَّا بِالْأَسْبَابِ الْمُمَلِّكَةِ لَهَا وَمَا دُونُ ذَلِكَ مِنَ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى إِرَادَةِ تَحْصِيلِ السَّبَبِ لَا يَمْنَعُ الْغَيْرَ مِنْ تَحْصِيلِهِ ، كَنَصْبِ الشِّبَاكِ لِلْأَسْمَاكِ وَالطَّيْرِ وَنَحْوِهِمَا لَا يَصِيرُ صَاحِبُهَا أَوْلَى ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَبَقَ بِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ ، وَإِلَّا انْتَقَضَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ .
فَرْعٌ : قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ أَشْهَبُ : إِذَا حَجَرَ وَشَرَعَ غَيْرُهُ فِي الْإِحْيَاءِ فَقَامَ الْمُحْجِرُ فَهُمَا شَرِيكَانِ .
الْمَانِعُ الْخَامِسُ : الْحِمَى ، وَفِي الْجَوَاهِرِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَهُوَ قَدْرُ مِيلٍ فِي ثَمَانِيَةٍ ، ثُمَّ زَادَ الْوُلَاةُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَمَى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الرَّبْوَةَ لِمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَمْسَةَ أَمْيَالٍ فِي مِثْلِهَا ، وَحَمَى ذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحَمَى أَيْضًا الشَّرَفَ وَهُوَ حِمَى الرَّبَذَةِ . وَلِلْإِمَامِ أَنْ 156 يَحْمِيَ إِذَا احْتَاجَ لِلْحِمَى ، قَالَ سَحْنُونٌ : وَلَا حَمِيَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي بِلَادِ الْأَعْرَابِ الْعَفَاءِ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا فِي أَطْرَافِهَا حَيْثُ لَا تَضِيقُ عَلَى سَاكِنٍ ، وَكَذَلِكَ الْأَوْدِيَةُ الْعَفَاءُ ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ الْقَطَائِعُ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ مَوَاتُ أَرْضِ الصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ إِذَا لَمْ تُحَزْ وَلَا جَرَى فِيهِ مِلْكٌ .
فَائِدَةٌ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّقِيعُ بِالنُّونِ ، وَصَحَّفَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحْدَثِينَ بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالنُّونِ ، وَالَّذِي بِالْبَاءِ بِالْمَدِينَةِ : مَوْضِعُ الْقُبُورِ ، وَمَعْنَاهُ بِالنُّونِ بَطْنٌ مِنَ الْأَرْضِ يُنْتَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ ، فَإِذَا نَضَبَ أَنْبَتَ الْكَلَأَ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدٍ : جَمَعَ أَسْعَدُ الْجُمُعَةَ فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ : نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith