الذخيرة
الذخيرة · الجزء السابع
الصفحة 942 · ص. المطبوع 8
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَالِ الَّذِي تَنْدُبُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ أَوْ تَجِبُ عَلَى الْخِلَافِ ، فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَتَرْكُ الْيَسِيرِ لِلْوَرَثَةِ أَفْضَلُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( ۝ لِأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : لَا يُوصِي فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِجْمَاعًا ، لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ .
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( ۝ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ) وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ؛ وَلِأَنَّهَا لَوْ جَازَتْ لَانْتَقَصَتْ قِسْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَوَارِيثِ ، فَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ رَدَّهَا طَاوُسٌ عَلَى قَرَابَتِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : إِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ دُفِعَ لِقَرَابَتِهِ ثُلُثُ الثُّلُثِ ، وَيُمْضَى لِمَنْ أَوْصَى لَهُ ، وَقَالَ الْأَئِمَّةُ : 8 إِذَا تَرَكَ قَرَابَتَهُ مُحْتَاجِينَ وَأَوْصَى لِغَيْرِهِمْ بِئْسَ مَا فَعَلَ وَيُمْضَى ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ وَيَفْعَلُ فِيهِ مَا شَاءَ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( ۝ إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ ) الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : فِي مُسْلِمٍ : قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ : ( ۝ عَادَنِي عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَلَغَ بِي مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ ، وَأَنَا ذُو مَالٍ ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) .
قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ : رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي : يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ، وَتَفْوِيضُ ذَلِكَ إِلَى إِرَادَتِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْوُجُوبِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَ الْوُجُوبَ بِمَا لَهُ بَالٌ وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِالْوَصِيَّةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَ الْوَصِيَّةِ كُلَّ يَوْمٍ شَطَطٌ ، وَخَصَّصَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمَرَضِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، أَيْ مَشْهُودٌ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا تُمْضَى إِلَّا أَنْ يَكْتُبَهَا بِخَطِّهِ ، وَقَالَ : إِذَا مِتُّ نَفِّذُوهَا ، فَتَنْفُذُ إِذَا عُرِفَ أَنَّهُ خَطُّهُ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قِيلَ : مَعْنَى الْحَدِيثِ : بَقَيْتُ مَوْعُوكًا ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ قَدْ يَمُوتُ فَجْأَةً ، وَهِيَ فِي الْمَرِيضِ آكَدُ ، وَمَتَى كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا فَتَرْكُ الْوَصِيَّةِ وَإِبْقَاؤُهُ لِلْمَالِ أَفْضَلُ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْوَصِيَّةُ 9 خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : وَاجِبَةٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى - كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ فَرَّطَ فِيهَا أَمْ لَا - وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّ كَالدَّيْنِ وَالْوَدِيعَةِ إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمِ الْإِشْهَادُ بِهَا ، وَكَذَلِكَ الْغُصُوبُ وَالتَّعَدِّي ، وَمَنْدُوبَةٌ وَهُوَ فِيهِ مَا فِيهِ قُرْبَةٌ وَلَا يَضُرُّ الْوَارِثَ لِكَثْرَةِ الْمَالِ ، وَيُظَنُّ فِيهَا مِنَ الثَّوَابِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ التَّرْكِ لِلْوَارِثِ ، وَمَكْرُوهَةٌ وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ الثَّوَابُ فِي التَّرْكِ أَكْثَرَ ، وَمُبَاحَةٌ وَهِيَ إِذَا اسْتَوَيَا وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا طَاعَةٌ وَلَا مَعْصِيَةٌ ، وَمُحَرَّمَةٌ وَهِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا مَعْصِيَةٌ .
وَتَنْقَسِمُ بِوَجْهٍ آخَرَ إِنْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ مُوسِرًا فَهِيَ مُبَاحَةٌ ، أَوْ مُعْسِرًا فَمُسْتَحَبَّةٌ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَقَرِيبَ الْمُوصِي كَذَلِكَ اسْتُحِبَّتْ لِلْقَرِيبِ وَكُرِهَتْ لِلْأَجْنَبِيِّ ، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ ؛ لِأَنَّهَا فِي الْقَرِيبِ صِلَةٌ وَصَدَقَةٌ ، فَإِنِ اسْتَوَتِ الْقُرَابَاتُ دَرَجَةً وَإِعْسَارًا قُدِّمَ الْأَقْرَبُ ، وَالصَّغِيرُ أَوْلَى مِنَ الْكَبِيرِ لِتَوَخُّرِ حَاجَةِ الصَّغِيرِ وَعَجْزِهِ ، وَمَتَى كَانَ قِبَلَ الصَّحِيحِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ إِيصَالُهُ الْآنَ لِمُسْتَحَقِّهِ وَلَا يَجْعَلْهُ وَصِيَّةً ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ قِرَاضٌ تَقَدَّمَ الْإِشْهَادُ فِيهِ اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ وَاسْتِحْبَابِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ أَمْ لَا .
ثُمَّ الْوَصِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُفِيدُ الْأَمْرَ بِتَنْفِيذِ تَصَرُّفِ الْمُوصِي وَمَقَاصِدِهِ . وَإِلَى مَا يُفِيدُ وِلَايَةً لِلْغَيْرِ فِي إِنْشَاءِ مَقَاصِدِ الْمُوصِي فِي مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ :
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث