الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثالث
الصفحة 1175 · ص. المطبوع 185
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِذَا أَخَذَ الْوَالِي مِنْ رَجُلٍ زَكَاتَهُ بِلَا نِيَّةٍ فِي دَفْعِهَا إِلَيْهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ كَمَا يُجْزِئُ فِي الْقَسْمِ لَهَا أَنْ يُقَسِّمَهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوِ السُّلْطَانُ وَلَا يُقَسِّمُهَا بِنَفْسِهِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا إِيجَابَ النِّيَّةِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ ، فَإِذَا ثَبَتَ وَجُوبُهَا فَلَا يَخْلُو حَالُ رَبِّ الْمَالِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَدْفَعَهَا طَوْعًا ، أَوْ تُؤْخَذَ مِنْ مَالِهِ كَرْهًا ، فَإِنْ دَفَعَهَا طَوْعًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ :
إِمَّا أَنْ يُفَرِّقَهَا بِنَفْسِهِ ، أَوْ يَدْفَعَهَا إِلَى وَكِيلِهِ لِيَدْفَعَهَا عَنْهُ ، أَوْ يَدْفَعَهَا إِلَى الْوَالِي ، فَإِنْ فَرَّقَهَا بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ عِنْدَ دَفْعِهَا ، أَوْ عِنْدَ عَزْلِهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُجْزِهِ ، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى وَكِيلِهِ فَلَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ :
إِمَّا أَنْ يَنْوِيَا مَعًا أَوْ لَا يَنْوِيَا ، أَوْ يَنْوِي الْمُوَكِّلُ دُونَ الْوَكِيلِ ، أَوْ يَنْوِي الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكِّلِ ، فَإِنْ نَوَيَا مَعًا فَنَوَى الْمُوَكِّلُ عِنْدَ دَفْعِهَا إِلَى الْوَكِيلِ ، وَنَوَى الْوَكِيلُ عِنْدَ تَفْرِيقِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ أَجْزَأَتْهُ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا وَلِأَحَدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ عَنْ زَكَاتِهِ ، لِفَقْدِ النِّيَّةِ ، وَإِنْ دَفَعَهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا وَنَفْلًا ، وَإِنْ نَوَى الْمُوَكِّلُ دُونَ الْوَكِيلِ فَفِي إِجْزَائِهِمَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يُجْزِئُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ عِنْدَ الدَّفْعِ وَالتَّفْرِقَةِ .
وَالثَّانِي : يُجْزِئُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ عِنْدَ الْعَزْلِ وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي تَفْرِيقِ الزَّكَاةِ ، فَلَوْ كُلِّفَ الْمُوَكِّلُ النِّيَّةَ عِنْدَ تَفْرِقَةِ الْوَكِيلِ لَشَقَّ عَلَيْهِ ، وَأَدَّاهُ إِلَى الْمَنْعِ مِنَ الِاسْتِنَابَةِ ، وَإِنْ نَوَى الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكِّلِ لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُ إِلَى الْوَكِيلِ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا وَنَفْلًا ، فَافْتَقَرَ إِلَى نِيَّةٍ يُفَرِّقُ بِهَا بَيْنَ الدَّفْعَيْنِ ، وَإِنْ رَفَعَهَا إِلَى الْإِمَامِ فَلَهَا أَيْضًا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَنْوِيَا جَمِيعًا فَيُجْزِئُهُ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَنْوِيَ رَبُّ الْمَالِ دُونَ الْإِمَامِ فَيُجْزِئُهُ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ يَدَ الْإِمَامِ يَدٌ لِلْمَسَاكِينِ .
185 وَالثَّالِثُ : أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ دُونَ رَبِّ الْمَالِ فَيُجْزِئُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَأْخُذُ مِنَ الْمَالِ إِلَّا مَا وَجَبَ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ .
وَالرَّابِعُ : أَنْ لَا يَنْوِيَ رَبُّ الْمَالِ وَلَا الْإِمَامُ فَفِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْإِمَامِ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إِلَّا مَا وَجَبَ .
وَالثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِهِ : لَا يُجْزِئُهُ لِفَقْدِ النِّيَّةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْأَدَاءِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث